الجامعات الإسلامية تصنع نهضة الأمم

تؤدي دورًا محوريًا في تحقيق أهداف التنمية المستدامة

الرائد: لم تعد الجامعات في القرن الحادي والعشرين مؤسسات للتعليم فقط، بل أصبحت محركات للاقتصاد والابتكار، ومصدرًا لتأسيس الشركات التقنية، وتطوير الصناعات المتقدمة، وصياغة السياسات العامة. وتُظهر التجارب الدولية أن الدول التي استطاعت التحول إلى قوى اقتصادية وعلمية، مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة، جعلت الجامعات شريكًا مباشرًا في التنمية، وربطت البحث العلمي بالصناعة والاستثمار.

وتشير تقارير اليونسكو إلى أن الجامعات ومؤسسات التعليم العالي تؤدي دورًا محوريًا في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، من خلال إنتاج المعرفة، وإعداد الكفاءات، وتطوير حلول للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. كما تؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الاقتصادات الأكثر ابتكارًا هي التي نجحت في بناء منظومات متكاملة تجمع بين الجامعات، ومراكز البحوث، والقطاع الخاص.

ويمتلك العالم العربي والإسلامي أكثر من ألف جامعة ومؤسسة للتعليم العالي، إضافة إلى عشرات الملايين من الطلاب، وهو ما يمثل قاعدة بشرية كبيرة يمكن أن تتحول إلى قوة علمية واقتصادية إذا ارتبطت الجامعات بخطط التنمية الوطنية والإقليمية.

وتاريخيًا، عرف العالم الإسلامي نماذج رائدة في التعليم العالي، مثل جامعة القرويين في المغرب، والأزهر الشريف في مصر، والزيتونة في تونس، التي كانت مراكز للعلوم الشرعية والطبيعية واللغوية، واستقطبت طلابًا من مختلف أنحاء العالم الإسلامي. كما أسهمت مدارس بغداد ودمشق وقرطبة في ازدهار الطب والرياضيات والفلك والفلسفة خلال العصور الإسلامية.

لكن التحولات الصناعية الحديثة فرضت متطلبات جديدة، أبرزها الانتقال من التعليم التقليدي إلى البحث التطبيقي، وتسجيل براءات الاختراع، وإنشاء الشركات الناشئة، وتطوير الشراكات مع القطاع الصناعي.

وتوضح تصنيفات الجامعات العالمية، ومنها تصنيف QS وTimes Higher Education، أن عددًا من الجامعات العربية والآسيوية الإسلامية حقق تقدمًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، إلا أن الفجوة ما زالت قائمة مع الجامعات الرائدة عالميًا في حجم الإنفاق على البحث العلمي، وعدد الباحثين، وبراءات الاختراع، والتعاون مع الصناعة.

ويرى الخبير الأمريكي فيليب ألتباخ، أستاذ التعليم العالي في كلية بوسطن، أن بناء جامعة بحثية عالمية يتطلب استثمارًا طويل الأجل، واستقلالًا أكاديميًا، وتمويلًا مستدامًا، وارتباطًا وثيقًا بالاقتصاد الوطني.

ومن أبرز الفرص المتاحة أمام العالم العربي والإسلامي إنشاء شبكات جامعية مشتركة في مجالات الذكاء الاصطناعي، والطاقة، والتقنيات الطبية، والزراعة، والأمن الغذائي، بما يسمح بتبادل الباحثين والطلاب والمختبرات، وتقاسم تكاليف المشروعات العلمية الكبرى.

كما يمكن للصناديق السيادية، وبنوك التنمية، ومؤسسات الوقف، أن تسهم في إنشاء صناديق تمويل للبحث العلمي، على غرار النماذج المعمول بها في عدد من الاقتصادات المتقدمة، بما يخفف اعتماد الجامعات على التمويل الحكومي وحده.

وتؤكد اليونسكو أن زيادة الإنفاق على البحث والتطوير ترتبط عادة بارتفاع الإنتاجية الاقتصادية، وتحسن القدرة التنافسية، وزيادة مساهمة الصناعات المعرفية في الناتج المحلي.

ومن الناحية العملية، لا يتطلب التكامل العلمي إنشاء جامعة موحدة، بل يمكن أن يبدأ من الاعتراف المتبادل بالمؤهلات، وتمويل فرق بحثية مشتركة، وإنشاء قواعد بيانات علمية باللغة العربية واللغات الوطنية، وتسهيل انتقال الباحثين بين الجامعات.

وتشير تجارب برنامج إيراسموس الأوروبي إلى أن التنقل الأكاديمي يسهم في رفع جودة التعليم وبناء شبكات تعاون طويلة الأجل بين الجامعات، وهو نموذج يمكن الاستفادة من بعض عناصره بما يتناسب مع خصوصية العالم العربي والإسلامي.

وخلال العقدين المقبلين، يتوقع خبراء التعليم العالي أن تشتد المنافسة العالمية على الكفاءات العلمية، وأن تصبح الجامعة المنتجة للمعرفة أكثر تأثيرًا من الجامعة المانحة للشهادات فقط. كما ستزداد أهمية التخصصات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الحيوية، وعلوم البيانات، والهندسة المتقدمة.

إن العالم العربي والإسلامي يمتلك تاريخًا أكاديميًا عريقًا، وقاعدة شبابية واسعة، وإمكانات مالية معتبرة في عدد من دوله. وإذا نجح في ربط هذه العناصر ضمن إستراتيجية علمية مشتركة، فإن الجامعات يمكن أن تتحول من مؤسسات تعليمية تقليدية إلى محركات رئيسية للنمو الاقتصادي، والابتكار، وبناء اقتصاد المعرفة، وهو ما سيعزز مكانة المنطقة في المنافسة الدولية خلال العقود القادمة.

المصادر:

منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة UNESCO، منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، البنك الدولي، QS World University Rankings، Times Higher Education World University Rankings، أعمال فيليب ألتباخ حول التعليم العالي، برنامج Erasmus+ التابع للاتحاد الأوروبي.

اترك تعليقا