المعادن الإستراتيجية والعالم الاسلامي فرصة لتشكيل الاقتصاد العالمي
ثروة تحت الأقدام
- dr-naga
- 16 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- إفريقيا الإسلامية, الاقتصاد العالمي, العالم الاسلامي, المعادن الإستراتيجية, تابع معنا الأخبار العربية والدولية والعالم الإسلامي | أخبار الرائد, ثروة
الرائد: بينما تتجه أنظار العالم إلى الذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية والسيارات الكهربائية، تدور في باطن الأرض منافسة لا تقل أهمية عن سباقات التكنولوجيا. فالمعادن الإستراتيجية أصبحت العمود الفقري للصناعات الحديثة، من البطاريات وتوربينات الرياح إلى الطائرات والأقمار الصناعية والإلكترونيات الدقيقة. وفي هذا السياق، يمتلك العالم العربي والإسلامي قاعدة جيولوجية واسعة تؤهله ليكون أحد أبرز الفاعلين في الاقتصاد العالمي إذا نجح في تحويل ثرواته المعدنية من مواد خام إلى صناعات ذات قيمة مضافة.
وتشير بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) والوكالة الدولية للطاقة (IEA) إلى أن الطلب العالمي على الليثيوم والنحاس والنيكل والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة مرشح للارتفاع بصورة كبيرة خلال العقود المقبلة نتيجة التحول إلى الطاقة النظيفة والتوسع في الصناعات الرقمية.
ويضم العالم العربي والإسلامي احتياطيات كبيرة ومتنوعة من المعادن. فالمملكة العربية السعودية تمتلك مخزونًا مهمًا من الذهب والفوسفات والنحاس والزنك والعناصر النادرة، وتسعى عبر برنامج تطوير التعدين إلى جعل القطاع أحد ركائز تنويع الاقتصاد. كما يعد المغرب من أكبر منتجي الفوسفات في العالم، ويملك احتياطيات تمثل نسبة كبيرة من الاحتياطي العالمي، ما يمنحه مكانة محورية في سوق الأسمدة والأمن الغذائي.
وفي إفريقيا الإسلامية، تمتلك موريتانيا احتياطيات كبيرة من خام الحديد، بينما تعد غينيا من أكبر الدول المنتجة للبوكسيت، وهو المادة الأساسية لصناعة الألومنيوم. كما تمتلك النيجر احتياطيات مهمة من اليورانيوم، وتضم مالي وتشاد والسودان رواسب متنوعة من الذهب والمعادن الصناعية، في حين تشهد إندونيسيا، أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان، طفرة في إنتاج النيكل الذي يعد عنصرًا أساسيًا في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية.
ويرى دانيال يورغين، نائب رئيس مؤسسة S&P Global، أن التحول العالمي نحو الاقتصاد منخفض الانبعاثات لن يقلل أهمية الموارد الطبيعية، بل سيعيد ترتيب أولوياتها، بحيث تصبح المعادن الإستراتيجية عنصرًا حاسمًا في القوة الاقتصادية خلال العقود القادمة.
لكن امتلاك الموارد لا يعني بالضرورة تحقيق التنمية. فقد عانت دول عديدة من ظاهرة “لعنة الموارد”، حيث أدى الاعتماد على تصدير المواد الخام إلى ضعف التصنيع وتراجع الابتكار. ويرى الاقتصادي الأمريكي جيفري ساكس أن القيمة الحقيقية للموارد الطبيعية تتحقق عندما ترتبط بسياسات صناعية وتعليمية ومؤسسات قوية، وليس بمجرد زيادة الصادرات الخام.
ولهذا بدأت بعض الدول العربية في تغيير نموذجها الاقتصادي. فالمملكة العربية السعودية أعلنت التعدين قطاعًا إستراتيجيًا ضمن رؤية 2030، بينما يعمل المغرب على توسيع الصناعات الكيميائية المرتبطة بالفوسفات، وتسعى إندونيسيا إلى منع تصدير بعض الخامات الخام وتشجيع تصنيعها محليًا لزيادة القيمة المضافة.
وتؤكد البنك الدولي أن مستقبل التعدين لن يعتمد فقط على حجم الاحتياطيات، بل على تطوير سلاسل القيمة، وإقامة الصناعات التحويلية، والاستثمار في التدريب والبحث العلمي، ورفع معايير الحوكمة والاستدامة البيئية.
ومن زاوية التكامل، فإن العالم العربي والإسلامي يمتلك عناصر تكامل نادرة؛ فبعض الدول تملك الخام، وأخرى تمتلك الطاقة منخفضة التكلفة، وثالثة تملك الموانئ والممرات البحرية، ورابعة تمتلك الأسواق والكوادر البشرية. ولو جرى ربط هذه المزايا ضمن إستراتيجية صناعية مشتركة، فقد تنشأ سلاسل إنتاج متكاملة تبدأ بالاستخراج، ثم التكرير، فالتصنيع، وصولًا إلى تصدير المنتجات النهائية.
ويرى فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، أن أمن المعادن سيصبح خلال العقود المقبلة جزءًا لا يتجزأ من أمن الطاقة، وأن الدول التي تبني صناعات متكاملة حول هذه الموارد ستكون في موقع أفضل داخل الاقتصاد العالمي.
ويشير عدد من الباحثين في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن المنافسة المستقبلية لن تكون على امتلاك المناجم وحدها، بل على تقنيات الاستخراج والمعالجة وإعادة التدوير والابتكار الصناعي.
وإذا استطاعت الدول العربية والإسلامية توحيد بعض سياساتها التعدينية، وتأسيس مراكز أبحاث مشتركة، وتطوير شبكات نقل وموانئ وصناعات تحويلية عابرة للحدود، فإنها لن تكون مجرد مصدر للمواد الخام، بل شريكًا رئيسيًا في الصناعات العالمية المتقدمة.
ولا يعني ذلك أن الطريق خالٍ من التحديات؛ فهناك الحاجة إلى تشريعات مستقرة، وتمويل طويل الأجل، وحماية البيئة، وتأهيل الكفاءات، وجذب الاستثمارات النوعية. غير أن توافر الموارد، واتساع الأسواق، وارتفاع الطلب العالمي، يمنح العالم العربي والإسلامي فرصة قد لا تتكرر بسهولة.
ويجمع خبراء التعدين والاقتصاد الصناعي على أن العقود القادمة قد تشهد انتقال مركز الثقل من تجارة الخامات إلى اقتصاد القيمة المضافة. وإذا نجحت الدول العربية والإسلامية في استثمار هذه اللحظة التاريخية، فإن ثرواتها المعدنية قد تتحول من مورد طبيعي إلى قاعدة صناعية وعلمية تسهم في بناء نموذج جديد للتنمية والتكامل الإقليمي.
المصادر:
هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية USGS، وكالة الطاقة الدولية IEA، البنك الدولي، منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، S&P Global، وكالة رويترز، فايننشال تايمز، بلومبرغ، رؤية السعودية 2030، مجموعة المكتب الشريف للفوسفات OCP.
