الفوسفات والتكامل الصناعي والغذائي الإسلامي

يتجاوز تصدير الخام

بينما يركز العالم على سباق الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة، يبرز الفوسفات باعتباره أحد أهم الموارد الإستراتيجية التي ستحدد مستقبل الأمن الغذائي العالمي. فالفوسفور عنصر أساسي لا يمكن الاستغناء عنه في إنتاج الأسمدة، ولا يوجد بديل صناعي يؤدي الوظيفة نفسها في تغذية النباتات، وهو ما يجعل سلاسل إمداده قضية ذات أبعاد اقتصادية وجيوسياسية متزايدة. وتشير تقارير حديثة إلى أن الطلب على الأسمدة سيواصل النمو مع ازدياد عدد سكان العالم والحاجة إلى رفع الإنتاج الزراعي.

ويمتلك العالم العربي والإسلامي ميزة استثنائية في هذا المجال. فالمغرب يحتضن النسبة الأكبر من الاحتياطيات العالمية المعروفة من صخور الفوسفات، وتدير مجموعة OCP سلسلة إنتاج متكاملة تبدأ بالاستخراج وتنتهي بإنتاج الأسمدة والمنتجات الكيميائية المشتقة. وقد انتقلت الشركة منذ مطلع الألفية من تصدير الخام إلى الاستثمار في التصنيع والبحث العلمي والتعليم، وهو تحول يُعد مثالًا على زيادة القيمة المضافة بدل الاكتفاء بتصدير الموارد الأولية.

ولا يقتصر الأمر على المغرب؛ فالسعودية تمتلك صناعة فوسفات متنامية ضمن برامج تنويع الاقتصاد، كما توجد احتياطيات وإنتاج في الأردن ومصر وتونس، وهو ما يوفر قاعدة واسعة يمكن أن تتحول إلى صناعة إقليمية متكاملة بدل أن تعمل كل دولة بصورة منفردة.

وتوضح منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) أن الأسمدة الفوسفاتية ستظل عنصرًا رئيسيًا في رفع إنتاجية الأراضي الزراعية، خاصة في الدول النامية التي تحتاج إلى زيادة إنتاج الغذاء لمواكبة النمو السكاني. كما تؤكد أن تحسين إدارة المغذيات الزراعية يمثل أحد مفاتيح تحقيق الأمن الغذائي العالمي. وتنسجم هذه الرؤية مع تحليلات وكالة الطاقة الدولية التي تشير إلى أن التحول الاقتصادي العالمي لن يقلل من أهمية المعادن الإستراتيجية، بل سيزيد الاعتماد عليها في قطاعات متعددة، من الزراعة إلى الطاقة.

وتاريخيًا، كان الفوسفات يُصدر في كثير من الحالات مادةً خامًا أو شبه مصنعة، بينما كانت القيمة الاقتصادية الأعلى تتحقق في الصناعات الكيميائية والأسمدة المتخصصة. غير أن التجربة المغربية خلال العقدين الماضيين أظهرت إمكانية الانتقال إلى نموذج أكثر تكاملًا يعتمد على التصنيع والبحث العلمي، مع توسيع التعاون الزراعي، خاصة في إفريقيا.

ويرى عدد من خبراء الاقتصاد الصناعي أن المرحلة المقبلة لن تُحسم بحجم الاحتياطيات فقط، بل بامتلاك التكنولوجيا، والقدرة على تطوير أسمدة تتناسب مع خصائص التربة المختلفة، وخفض الانبعاثات الكربونية في عمليات الإنتاج، وبناء سلاسل إمداد مستقرة.

ومن زاوية التكامل العربي والإسلامي، تبرز فرصة عملية تتمثل في توزيع الأدوار بدل تكرارها؛ فالدول المنتجة للفوسفات يمكن أن تتخصص في التعدين والتكرير، بينما تستضيف دول أخرى الصناعات التحويلية، وتستفيد الدول الزراعية من اتفاقيات طويلة الأجل تضمن استقرار الإمدادات والأسعار. كما يمكن للجامعات ومراكز البحوث الزراعية في العالم الإسلامي تطوير أسمدة أكثر كفاءة تتلاءم مع البيئات الجافة وشبه الجافة.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن الانتقال من تصدير الخام إلى إنتاج الأسمدة والمركبات الكيميائية يرفع القيمة المضافة، ويوفر وظائف ذات مهارات أعلى، ويزيد الإنفاق على البحث والتطوير، ويخلق صناعات مساندة في مجالات النقل والهندسة والخدمات اللوجستية.

أما التحديات فتشمل الحاجة إلى استثمارات رأسمالية كبيرة، والالتزام بالمعايير البيئية، وتأمين المياه والطاقة اللازمة للصناعة، إضافة إلى تطوير الكفاءات العلمية والهندسية. كما أن نجاح أي مشروع تكاملي يتطلب تنسيقًا في السياسات الصناعية والاستثمارية، وتسهيل حركة السلع ورؤوس الأموال والخبرات.

وتشير الاتجاهات الحالية إلى أن أهمية الفوسفات لن تتراجع خلال العقود المقبلة، بل ستزداد مع استمرار الحاجة إلى تعزيز الإنتاج الزراعي عالميًا. وإذا استطاعت الدول العربية والإسلامية بناء منظومة مشتركة تربط التعدين بالصناعة والبحث العلمي والزراعة، فإنها لن تكون مجرد مورد للمواد الخام، بل شريكًا مؤثرًا في أحد أكثر القطاعات ارتباطًا بالأمن الغذائي العالمي.

المصادر:

منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة FAO، وكالة الطاقة الدولية IEA، منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، مجموعة OCP، دراسة Oxford Handbook of the Moroccan Economy حول صناعة الفوسفات المغربية، OECD Economic Survey: Morocco 2024. 

اترك تعليقا