فوائد عظيمة للذكر

د عصام البشير

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: لَمَّا غَزا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خَيبَرَ -أو قال: لَمَّا تَوجَّهَ رَسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- أشرَفَ النَّاسُ على وادٍ، فرَفَعوا أصواتَهم بالتَّكبيرِ: اللهُ أكبَرُ اللهُ أكبَرُ، لا إلَهَ إلَّا اللهُ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اربَعوا على أنفُسِكُم؛ إنَّكُم لا تَدعونَ أصَمَّ ولا غائِبًا، إنَّكُم تَدعونَ سَميعًا قَريبًا وهو معكُم. وأنا خَلفَ دابَّةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فسَمِعَني وأنا أقولُ: لا حَولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ، فقال لي: يا عَبدَ اللهِ بنَ قَيسٍ. قُلتُ: لَبَّيك يا رَسولَ اللهِ، قال: ألا أدُلُّك على كَلِمةٍ مِن كَنزٍ مِن كُنوزِ الجَنَّةِ؟ قُلتُ: بَلى يا رَسولَ اللهِ، فداك أبي وأُمِّي، قال: لا حَولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ. (صحيح البخاري).
فوائد من الحديث:
الذِّكرُ له فَوائدُ عَظيمةٌ؛ فبِهِ تُفتَحُ أبْوابُ الجِنانِ، ويُطرَدُ الشَّيطانُ، ويُرطَّبُ اللِّسانُ، وتَطمئِنُّ به القُلوبُ، إلى غيرِ ذلك ممَّا يُنعِمُ اللهُ به على عِبادِه؛ جَزاءً على ذِكرِه. وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ أبو مُوسى الأشْعَريُّ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه لمَّا تَوجَّهَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى خَيْبرَ غازيًا، وكان هذا في السَّنةِ السَّابعةِ مِنَ الهِجْرةِ، وفي أثْناءِ رُجوعِهم منها بعْدَ أنْ منَّ اللهُ عزَّ وجلَّ عليهم بالفَتحِ، أشرَفَ النَّاسُ على وادٍ، وهو المُنخَفِضُ منَ الأرضِ، فرفَعَ النَّاسُ أصْواتَهم بالتَّكْبيرِ والتَّهْليلِ، فقال لهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «ارْبَعوا على أَنفُسِكم»، أيِ: ارْفُقوا بأنفُسِكم، «إنَّكم لا تَدْعونَ أصَمَّ ولا غائبًا، إنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وهو معكُمْ» يَعني: مَن تَدْعونَه هو السَّميعُ البَصيرُ، يَسمَعُ سِرَّكم ونَجْواكم، ولا يَخْفى عليه شَيءٌ مِن قَولِكم، قَريبٌ مِنكم، بلْ هو أقرَبُ إليكمْ مِن حَبْلِ الوَريدِ، وهو معكم بعِلمِه وإحاطتِه، وفي هذا إشارةٌ يَأمُرُهم فيها بخَفضِ أصْواتِهم.
ويَحْكي أبو مُوسَى رَضيَ اللهُ عنه أنَّه كان سائرًا خَلفَ دابَّةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فسَمِعَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو يَقولُ: «لا حَولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ»، ومعناها: لا حَرَكةَ ولا حِيلةَ، ولا اسْتِطاعةَ إلَّا بمَشيئةِ اللهِ تعالَى، وإرادَتِه، وقُدرَتِه، وقيلَ: مَعْناه: لا حَولَ في دَفعِ شرٍّ، ولا قوَّةَ في تَحْصيلِ خَيرٍ إلَّا باللهِ، وقيلَ: لا حَولَ عن مَعْصيةِ اللهِ إلَّا بعِصمَتِه، ولا قوَّةَ على طاعَتِه إلَّا بمَعونَتِه؛ فهي كَلمةُ اسْتِسلامٍ وتَفْويضٍ إلى اللهِ تعالَى، وإذْعانٍ واعْتِرافٍ له بأنَّه لا خالِقَ غيرُه، ولا ربَّ سِواه، ولا رادَّ لأمْرِه، ولا مُعقِّبَ لحُكمِه، وأنَّ العبدَ لا يَملِكُ شَيئًا، وأنَّ اللهَ مالِكُ عِبادِه، يَفعَلُ فيهم كلَّ ما أرادَه. فبيَّنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لأبي مُوسى الأشْعَريِّ رَضيَ اللهُ عنه فَضلَ هذه الكَلمةِ فقال له: «ألَا أدُلُّكَ على كَلمةٍ مِن كَنزٍ مِن كُنوزِ الجنَّةِ؟»؛ أي: كالكَنزِ في كَونِها ذَخيرةً نَفيسةً، يُتوَقَّعُ الانْتِفاعُ منها، فقال أبو مُوسى رَضيَ اللهُ عنه: «بَلى يا رَسولَ اللهِ، فِداكَ أبي وأُمِّي! فقال: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ». فهي كَنزٌ مِن كُنوزِ الجنَّةِ؛ لِمَا فيها منَ التَّبرُّؤِ مِن القُوَّةِ والحِيلةِ، والإقْرارِ بأنَّه لا يُوصَلُ إلى تَدْبيرِ أمرٍ، وتَغْييرِ حالٍ؛ إلَّا بمَشيئةِ اللهِ وعَوْنِه.

د عصام البشير- استاذ شريعة

اترك تعليقا