سلاسل توريد الأدوية تتحول لملف أمن قومي لأغلب بلدان العالم
جائحة كوفيد19 فرضت توطين صناعة الدواء
- abdelrahman
- 13 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- اخبار جريدة الرائد, الأمن القومي, جائحة كورنا, جائحة كوفيد-19, سلاسل امدادات الادوية, صناعة الدواء
لم تكن جائحة كوفيد-19 مجرد وباء عالمي اسهم في مصرع الملاليين ،بل كرس نوع امن الصراع الاقتصادي حول صناعة الأدوية التي لم تعد مجرد قطاع اقتصادي، بل أصبحت جزءًا من الأمن القومي للدول، بعد أن أدى اضطراب سلاسل الإمداد العالمية إلى نقص في بعض الأدوية والمستلزمات الطبية، وأظهر اعتماد عدد كبير من الدول على مراكز إنتاج محدودة للمواد الخام الدوائية.
وفي السنوات التي تلت هذه الجائحة دخلت سلاسل توريد الأدوية في قلب التنافس العالمي بين القوى الكبرى حول التصنيع، والتكنولوجيا الحيوية، والملكية الفكرية، والقدرة على الاستجابة للأزمات الصحية.
وفي هذا السياق أشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن جزءًا كبيرًا من إنتاج المواد الفعالة الدوائية يتركز في عدد محدود من الدول، خصوصًا الصين والهند، بينما تعتمد الولايات المتحدة وأوروبا على شبكات توريد عالمية للحصول على بعض المكونات الأساسية.
توطين صناعة الأدوية
هذه الأزمة دفعت الحكومات إلى إطلاق خطط لإعادة توطين جزء من الصناعات الدوائية وتقليل الاعتماد على مصدر واحد.
ومن الثابت القول إن الهند تعد واحدة من أكبر مراكز تصنيع الأدوية في العالم من حيث حجم الإنتاج، وتُعرف بأنها من أكبر موردي الأدوية الجنيسة عالميًا،
بينما أصبحت الصين لاعبًا رئيسيًا في إنتاج المواد الخام الدوائية والمكونات الكيميائية. وقد أدى هذا الوضع إلى جعل القطاع الدوائي جزءًا من العلاقات الاقتصادية والجيوسياسية بين بكين وواشنطن والعواصم الأوروبية.
المدير السابق لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة توم فريدن، اوضح، أن الأمن الصحي العالمي يعتمد على وجود سلاسل توريد أكثر تنوعًا ومرونة، لأن الأزمات الصحية قد تتحول سريعًا إلى أزمات اقتصادية وسياسية إذا تعطلت الإمدادات الأساسية.
وفي الولايات المتحدة، أطلقت الحكومة خلال السنوات الأخيرة برامج لتعزيز التصنيع المحلي للمواد الدوائية الأساسية، ودعم إنتاج بعض المكونات الإستراتيجية.
تعزيز أمن الإمدادات
كما تبنت الإدارات الأمريكية المتعاقبة سياسات تهدف إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على سلاسل توريد خارجية في القطاعات الحساسة، ضمن توجه أوسع لإعادة بناء القدرات الصناعية المحلية.
أستاذ الاقتصاد في جامعة نيويورك والباحث في اقتصاديات الرعاية الصحية، توماس فيليبون نبه إلي أن ارتفاع الاعتماد على الإنتاج الخارجي في بعض مراحل صناعة الدواء خلق تحديات اقتصادية وسياسية، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن صناعة الدواء بطبيعتها عالمية، وأن الفصل الكامل بين الأسواق سيكون مكلفًا.
أما الاتحاد الأوروبي، فقد وضع الإستراتيجية الصيدلانية الأوروبية بهدف تعزيز أمن الإمدادات، وتشجيع البحث والابتكار، وتقليل نقاط الضعف في سلاسل الإنتاج.
تقارير المفوضية الأوروبية أكدت في هذا السياق أن تنويع مصادر المواد الخام الدوائية أصبح أولوية بعد اضطرابات الإمداد التي ظهرت خلال الجائحة.
وفي آسيا، تستثمر الصين بكثافة في تطوير الصناعات الدوائية المتقدمة، واللقاحات، والعلاجات البيولوجية، بهدف الانتقال من دور المورد الرئيسي للمواد الخام إلى منافس في مجالات الابتكار الدوائي. كما تسعى كوريا الجنوبية وسنغافورة إلى تعزيز مكانتهما كمراكز للتصنيع الحيوي المتقدم.
الباحث في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية والمتخصص في الأمن الصحي، جوزيف وولف، رأي كذلك أن التنافس في قطاع الأدوية يجمع بين الاقتصاد والسياسة والأمن القومي، لأن القدرة على إنتاج اللقاحات والعلاجات أصبحت عنصرًا من عناصر النفوذ الدولي.
مستقبل صناعة الدواء
، الباحث في مجال سياسات الابتكار الصحي، أندرو هاربر أشار كذلك إلى أن مستقبل الصناعة الدوائية سيعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا الحيوية، والذكاء الاصطناعي في اكتشاف الأدوية، والقدرة على امتلاك البيانات الطبية الضخمة.
ولا يقتصر التنافس على التصنيع، بل يمتد إلى حقوق الملكية الفكرية، وأسعار الأدوية، والوصول إلى الأسواق النامية.فقد طالبت دول نامية خلال جائحة كوفيد-19 بتسهيل الوصول إلى تقنيات اللقاحات، بينما دافعت شركات دوائية كبرى عن حماية براءات الاختراع باعتبارها حافزًا للاستثمار والابتكار.
الباحث في شؤون الابتكار والصحة العالمية، أميت كابور،أوضح كذلك أن النظام الدوائي القادم سيشهد توازنًا بين حماية الملكية الفكرية وضمان قدرة الدول على مواجهة الأزمات الصحية، خاصة مع احتمال ظهور أوبئة جديدة.
وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والبنك الدولي إلى أن الدول التي تمتلك منظومات بحثية قوية، وصناعة دوائية متطورة، وسلاسل إمداد متنوعة، ستكون أكثر قدرة على حماية اقتصاداتها ومجتمعاتها من الأزمات المستقبلية.
ويخلص الخبراء إلى أن صناعة الأدوية أصبحت إحدى ساحات التنافس العالمي الجديدة، حيث تتداخل فيها التكنولوجيا، والتجارة، والصحة العامة، والأمن القومي، وأن السيطرة على المعرفة الدوائية وسلاسل الإنتاج قد تصبح في المستقبل عاملًا من عوامل القوة الدولية لا يقل أهمية عن الطاقة أو الغذاء.