الأمم المتحدة تحذر من تحويل الغذاء إلى سلاح في الحروب

« دور مجلس الأمن في الحد من أزمات الغذاء العالمية والمحلية»

الرائد// ناقش مجلس الأمن الدولي اليوم الثلاثاء 25 أغسطس 2026 للمرة الأولى ضمن جلسة رفيعة المستوى مخصصة لهذا الملف، العلاقة المباشرة بين النزاعات المسلحة وتفاقم أزمات الغذاء، في وقت تتسع فيه دائرة الدول التي يعاني سكانها من الجوع نتيجة الحرب والنزوح وانهيار الإنتاج الزراعي وسلاسل الإمداد.

الجوع في مناطق النزاعات

وحملت الجلسة عنوان «الغذاء تحت النار: دور مجلس الأمن في الحد من أزمات الغذاء العالمية والمحلية»، وترأسها وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، بينما كان من المقرر أن يقدم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، والقائم بأعمال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي كارل سكاو، وممثل عن المجتمع المدني، إحاطات أمام المجلس.

وتستند المناقشة إلى حقيقة باتت أكثر وضوحًا في السنوات الأخيرة، وهي أن الجوع في مناطق النزاعات لا ينتج دائمًا عن نقص الغذاء في حد ذاته، وإنما يمكن أن يكون نتيجة مباشرة لتدمير الأراضي الزراعية، وقطع طرق الإمداد، ومنع المساعدات، والنزوح الجماعي، وتراجع القدرة على الوصول إلى الأسواق.

وتقول الأمم المتحدة إن النزاعات المسلحة أصبحت المحرك الرئيسي لانعدام الأمن الغذائي الحاد في العالم، وهو ما دفع مجلس الأمن إلى بحث كيفية استخدام أدواته السياسية والأمنية قبل تحول نقص الغذاء إلى أزمة إنسانية واسعة يصعب احتواؤها.

وتكتسب الجلسة أهمية خاصة لأنها تعيد طرح القرار 2417 الصادر عن مجلس الأمن عام 2018، والذي أدان استخدام تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب، وحذر من العلاقة بين النزاعات المسلحة والأمن الغذائي وخطر المجاعة.

لكن المشكلة أن وجود القرار لم يمنع استمرار الأزمات الغذائية المرتبطة بالحروب. ولذلك تركز المناقشة الحالية على كيفية الانتقال من إدانة التجويع بعد وقوعه إلى إجراءات سياسية مبكرة تمنع الوصول إليه.

الوضع الإنساني في السودان

ويظهر السودان بين أكثر الأمثلة وضوحًا على هذا التحدي. فقد قدم توم فليتشر، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، إحاطة لمجلس الأمن اليوم بشأن الوضع الإنساني في السودان، محذرًا من استمرار تدهور الأزمة بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.

وتكشف الحالة السودانية أن انهيار الأمن الغذائي لا يحدث فقط عندما تتعرض المحاصيل للتدمير، بل أيضًا عندما يصبح وصول المساعدات الإنسانية إلى السكان المتضررين شديد الصعوبة. فحتى المناطق التي يمكن أن تتوافر فيها المواد الغذائية تحتاج إلى طرق آمنة وأسواق عاملة ووسائل نقل حتى تصل إلى الأسر التي فقدت مصادر دخلها.

الغذاء كأداة ضغط سياسي وعسكري

ويواجه المجتمع الدولي هنا معضلة سياسية؛ إذ إن تقديم المساعدات لا يعالج وحده الأسباب التي تنتج الجوع، بينما يتطلب منع استخدام الغذاء كأداة ضغط سياسي وعسكري إرادة دولية أقوى لحماية المدنيين وفتح الممرات الإنسانية والضغط على أطراف النزاعات.

وقال فليتشر، وفق ما نقل عن إحاطته أمام المجلس، إن العاملين في المجال الإنساني يحاولون استغلال كل فرصة للوصول إلى المحتاجين، لكنه شدد في المقابل على الحاجة إلى حماية المدنيين وخفض التصعيد.

ويحمل هذا الموقف دلالة مهمة؛ فالمشكلة لا تكمن فقط في نقص الأموال المخصصة للإغاثة، وإنما في البيئة الأمنية والسياسية التي يعمل فيها موظفو المنظمات الإنسانية.

وتحاول الأمم المتحدة من خلال نقاش اليوم وضع الأمن الغذائي ضمن مفهوم أوسع للأمن الدولي. فالجوع يمكن أن يؤدي إلى النزوح، والنزوح يزيد الضغط على الدول المجاورة، كما يمكن أن يؤدي انهيار الأسواق الزراعية إلى ارتفاع الأسعار واتساع الفقر وتزايد التوترات المحلية.

وتقول الوثيقة المفاهيمية للجلسة إن الهدف هو بحث إجراءات عملية لمنع الجوع الناتج عن النزاعات من تغذية مزيد من عدم الاستقرار والنزوح والأزمات العابرة للحدود.

وهذا يضع مجلس الأمن أمام اختبار حقيقي؛ فالمجلس يمتلك أدوات سياسية وعقوبات وقرارات ملزمة في بعض الحالات، لكنه يواجه في الوقت نفسه انقسامات بين أعضائه عندما يتعلق الأمر بالنزاعات الكبرى.

ويرى مراقبون أن نجاح المقاربة الجديدة سيتوقف على استعداد الدول الأعضاء للتعامل مع الغذاء باعتباره قضية وقاية من النزاعات، وليس ملفًا إنسانيًا منفصلًا يترك للمنظمات الإغاثية.

وتزداد أهمية هذا التحول مع استمرار ارتفاع عدد المناطق التي تحتاج إلى مساعدات غذائية طارئة. فكلما طال النزاع، تراجعت قدرة السكان على الاعتماد على أنفسهم، وتحولت الأزمة من نقص مؤقت في الغذاء إلى تدمير طويل الأمد لسبل المعيشة.

وتبرز الزراعة في هذا السياق كجزء من الحل. فحماية المزارعين، وتأمين البذور والمدخلات الزراعية، والحفاظ على الأسواق المحلية، وإعادة تشغيل شبكات الري، يمكن أن تكون أكثر فاعلية على المدى الطويل من الاعتماد الكامل على المساعدات الغذائية.

لكن ذلك يتطلب أولًا توفير الأمن والوصول الإنساني. فالمزارع الذي يخشى على حياته أو فقد أرضه بسبب القتال لن يستطيع استئناف الإنتاج حتى لو حصل على البذور والأسمدة.

ومن هنا تأتي أهمية جلسة مجلس الأمن اليوم: فهي لا تناقش الجوع بوصفه نتيجة إنسانية للحرب فقط، وإنما باعتباره عنصرًا يمكن أن يطيل الحرب نفسها ويزيد من آثارها الإقليمية.

وبينما يستمر النقاش في نيويورك، يبقى السودان مثالًا حيًا على الفجوة بين القرارات الدولية والواقع الميداني. فالتحذيرات من المجاعة والأزمات الغذائية لا تتحول تلقائيًا إلى حماية للمدنيين أو فتح طرق الإغاثة.

ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لمجلس الأمن لن يكون في صياغة بيان جديد، وإنما في قدرته على استخدام نفوذه السياسي لمنع أطراف النزاعات من تدمير مصادر الغذاء أو منع وصوله إلى المدنيين، وتحويل القرار 2417 من إطار سياسي إلى أداة عملية للوقاية والمحاسبة.

المصادر والتواريخ:

مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، جلسة «الغذاء تحت النار»، 25 أغسطس 2026.

الأمم المتحدة، برنامج عمل الأمين العام وأعمال مجلس الأمن، 25 أغسطس 2026.

تقرير مجلس الأمن، خلفية الجلسة حول النزاعات وانعدام الأمن الغذائي، 24 أغسطس 2026.

مكتب الأمم المتحدة في جنيف، إحاطة لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز العنصري، 25 أغسطس 2026.

اترك تعليقا