الحرب لا تكفي لإنقاذ الذهب..الفيدرالي يقلب قواعد الملاذ الآمن

تقرير في CNN الاقتصادية

المعدن الأصفر يهبط بنحو 3% رغم استمرار الحرب.. رهانات رفع الفائدة تقترب من 60% والدولار الأقوى يضغط على الملاذ الآمنكان من المفترض أن تكون الحرب وقوداً للذهب، ففي أوقات الصدمات الجيوسياسية، يتجه المستثمرون عادةً إلى المعدن الأصفر باعتباره أحد أهم الأصول الآمنة، خصوصًا عندما تتزايد المخاوف بشأن الاقتصاد والأسواق والعملات، لكن ما حدث في نهاية هذا الأسبوع قلب هذه المعادلة رأساً على عقب.

هبط الذهب بنحو 3% يوم الجمعة، ليتراجع السعر الفوري إلى نحو 4,567 دولاراً للأوقية، وهو أدنى مستوى له منذ 20 أغسطس، بينما هبطت العقود الأميركية الآجلة أيضاً، وجاء التراجع رغم استمرار أزمة الصراع في الشرق الأوسط بين بين “الولايات المتحدة” و”إسرائيل” و”إيران”، وتصاعد المخاطر المرتبطة ب”مضيق هرمز”، فلماذا لم تنقذ الحرب الذهب هذه المرة؟ الإجابة تكمن في عامل أقوى من الخوف الجيوسياسي في نظر أسواق المال حاليًا: الفائدة الأميركية.

وورش يغير قواعد اللعبة..

أعاد رئيس الاحتياطي الفيدرالي “كيفن وورش”، في كلمته أمام منتدى “جاكسون هول”، التضخم إلى مركز اهتمام الأسواق، وقال “وورش”: إن الفيدرالي لديه «عمل يجب القيام به» إذا لم يتحرك التضخم الأساسي بشكل مقنع نحو هدف البنك البالغ 2%، في إشارة إلى أن السياسة النقدية قد تحتاج إلى مزيد من التشديد إذا استمرت ضغوط الأسعار.

كانت الرسالة كافية لتغيير توقعات المستثمرين بسرعة، فقد ارتفعت احتمالات رفع الفائدة في اجتماع سبتمبر إلى نحو 60%، مقابل حوالي 40% قبل كلمة “وورش”، وفقاً ل”رويترز”، كما وصلت رهانات رفع الفائدة في ديسمبر إلى نحو 89%، وهنا اصطدم الذهب بأكبر خصم لديه: الذهب لا يدفع فائدة، وكلما ارتفعت تكلفة الاحتفاظ به مقارنة بالأصول التي تدر عائدًا، مثل سندات الخزانة الأميركية، أصبح الاحتفاظ بالمعدن أقل جاذبية بالنسبة إلى المستثمرين.

من «ملاذ آمن» إلى أصل بلا عائد..

هذه هي المفارقة الأساسية في حركة الذهب الحالية.. الحرب ترفع الطلب على الأصول الآمنة، لكن توقعات رفع الفائدة ترفع جاذبية الدولار والسندات. وعندما يتعين على المستثمر الاختيار بين الذهب الذي لا يدر عائداً، وأذون أو سندات أميركية تمنحه عائداً أعلى في بيئة نقدية أكثر تشدداً، يصبح الذهب تحت ضغط، ولهذا لم يكن هبوط المعدن الأصفر إشارة إلى اختفاء المخاطر الجيوسياسية، بل إلى أن سوق الفائدة أصبحت في الوقت الحالي أكثر تأثيرًا على تسعير الذهب من عامل الحرب وحده.

الدولار يضاعف الضغط..

لم يتوقف الأمر عند الفائدة، فمع ارتفاع توقعات التشديد النقدي، ارتفع الدولار أيضًا إلى أعلى مستوى في أسبوع، وهو ما يمثل ضغطًا إضافيًا على الذهب المسعر بالعملة الأميركية، عندما ترتفع قيمة الدولار، تصبح أوقية الذهب أكثر تكلفة بالنسبة إلى المشترين الذين يستخدمون عملات أخرى، ما قد يؤدي إلى تراجع الطلب.

وهكذا وجد الذهب نفسه أمام ضغط مزدوج: فائدة أميركية أعلى + دولار أقوى = بيئة أقل جاذبية للذهب، وقد ظهر هذا الارتباط بوضوح في تعاملات الجمعة، عندما ارتفع الدولار وعوائد السندات في الوقت الذي تراجع فيه الذهب والأسهم.

السندات تنافس الذهب..

هناك لاعب ثالث في هذه المعادلة: سندات الخزانة الأميركية، فقد ارتفع عائد السندات الأميركية لأجل عامين إلى نحو 4.36%، في أعلى مستوى له خلال شهر، بعدما أعادت الأسواق تسعير احتمالات رفع الفائدة، وهذا مهم للذهب تحديداً، فارتفاع العائد على السندات يزيد تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بمعدن لا يقدم عائداً دورياً، وبالتالي، لا يحتاج المستثمر إلى الاعتقاد بأن الذهب فقد قيمته حتى يبيعه؛ يكفي أن يرى فرصة أفضل في أصل آخر أكثر جاذبية من حيث العائد والمخاطر.

لكن ماذا عن حرب إيران؟..

هنا تكمن أهم نقطة في القصة.. الحرب لم تختفِ، والمخاطر لم تتراجع بالضرورة، بل إن الصراع الأميركي-الإسرائيلي مع “إيران” لا يزال يضغط على الاقتصاد الإيراني، بينما يبقى “مضيق هرمز” أحد أهم مصادر المخاطر على أسواق الطاقة العالمية، وتقول “رويترز” إن الحرب والعقوبات والحصار البحري أرهقت الاقتصاد الإيراني، مع وصول التضخم إلى 66% وانكماش التجارة بنحو 35%.

كما أن الذهب نفسه كان قد استفاد بالفعل من المخاطر الجيوسياسية؛ إذ ارتفع خلال أغسطس بنحو 9% إلى نحو 4,400 دولار بحلول منتصف الشهر، مع عودة المستثمرين والمؤسسات إلى المعدن بعد الصدمة الأولية للحرب، لذلك فإن جزءًا من التراجع الحالي يمكن فهمه باعتباره إعادة تموضع بعد موجة صعود قوية، وليس بالضرورة تخليًا كاملًا عن الذهب كملاذ آمن.

المعادلة الجديدة: الحرب ترفع الذهب.. والفائدة تخفضه..

ما يحدث الآن يوضح أن الذهب لم يعد يتحرك وفق عامل واحد، يمكن تلخيص المعادلة الحالية ببساطة:

تصعيد الحرب – دعم للذهب

ارتفاع التضخم – يزيد مخاطر تشديد الفيدرالي

ارتفاع توقعات الفائدة – دعم للدولار والعوائد

دولار أقوى وعوائد أعلى – ضغط على الذهب

ولهذا يمكن أن تشهد الأسواق وضعًا غير معتاد: حرب مستمرة + ذهب متراجع.. وهذا ليس تناقضاً بالضرورة، بل نتيجة لتصارع محركين مختلفين في السوق.

هل انتهت موجة الذهب؟..

ليس بهذه السرعة.. فالذهب لا يزال مدعوماً بعوامل أخرى، من بينها المخاطر الجيوسياسية، والقلق بشأن المالية الأميركية، والطلب من البنوك المركزية، واحتمالات تغير السياسة النقدية مستقبلا، لكن ما تغير هو أن المستثمرين باتوا مجبرين على إعادة حساب تكلفة الاحتفاظ بالمعدن.

وإذا أثبتت بيانات التضخم المقبلة أن الأسعار لا تزال مرتفعة، وبقي الاقتصاد الأميركي متماسكًا بما يكفي للسماح للفيدرالي بمواصلة التشديد، فقد يستمر الضغط على الذهب، أما إذا ظهرت علامات واضحة على تباطؤ الاقتصاد أو سوق العمل، أو بدأ التضخم في التراجع، فقد تنقلب المعادلة مرة أخرى، ويعود الذهب للاستفادة من توقعات تيسير السياسة النقدية.

السؤال الذي يواجه الذهب الآن..

لم يعد السؤال: «هل ستستمر حرب إيران؟».. بل أصبح: «أيهما سيكون أقوى تأثيراً على الذهب: الخوف من الحرب أم الخوف من الفائدة؟»، حتى الآن، أعطت تعاملات الجمعة إجابة واضحة: الفيدرالي هو الذي فاز بالجولة.. فبينما استمرت الحرب، هبط الذهب بنحو 3%، وارتفع الدولار، وصعدت عوائد السندات، بعدما أعاد وورش احتمال رفع الفائدة إلى صدارة حسابات المستثمرين.

لكن المعركة لم تنتهِ..

فإذا تحولت رهانات رفع الفائدة إلى قرار فعلي، فقد يواجه الذهب مزيدًا من الضغوط، أما إذا عاد التضخم إلى التراجع وتباطأ الاقتصاد الأميركي، فقد يستعيد المعدن سريعًا دوره كملاذ آمن، وهنا تصبح حركة الذهب خلال الأسابيع المقبلة اختباراً حقيقياً لما إذا كانت الفائدة الأميركية تستطيع التغلب على الخوف من الحرب في معركة تحديد اتجاه المعدن الأصفر.

 

مصدر: CNN الاقتصادية

اترك تعليقا