الضفة تشتعل.. هل تقترب الانتفاضة الفلسطينية الثالثة؟
في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين
- السيد التيجاني
- 29 أغسطس، 2026
- تقارير وترجمات
- إسرائيل, الضفة الغربية المحتلة, المستوطنين, فلسطين
تدخل الضفة الغربية المحتلة مرحلة شديدة الحساسية، في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين، وتوسّع النشاط الاستيطاني، وتشديد القيود على حركة الفلسطينيين، بالتزامن مع تحذيرات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من أن استمرار هذا المسار قد يدفع الأوضاع نحو انفجار واسع وربما اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة.
ولا تبدو التطورات الأخيرة مجرد سلسلة من الحوادث المنفصلة، إذ تتقاطع فيها اعتبارات أمنية وسياسية وديموغرافية وجغرافية، فيما تتحول مناطق مثل قصرة جنوب نابلس إلى نموذج مصغر للصراع المتزايد على الأرض.
قصرة.. حادثة محلية تختصر المشهد
في بلدة قصرة، تتواصل معاناة ثلاث عائلات فلسطينية محاصرة في محيط جبل رأس العين، في وقت تتزايد فيه القيود المفروضة على الوصول إلى المنطقة.
وبحسب المعطيات التي أوردتها قناة الجزيرة، دخل الحصار يومه الـ21، بالتزامن مع اعتداءات نفذها مستوطنون وقيام القوات الإسرائيلية بتركيب بوابات حديدية ووضع مكعبات إسمنتية في المنطقة.
ويرى رئيس بلدية قصرة عبد العظيم وادي أن ما يحدث يتجاوز حادثة أمنية عابرة، لأن استمرار الحصار والقيود يضع السكان أمام سؤال أساسي يتعلق بقدرتهم على البقاء في أراضيهم ومنازلهم.
وتزداد حساسية المشهد مع وجود مستوطنين في محيط المنطقة، ووقوع هجمات على منازل فلسطينية، في وقت يشعر فيه السكان، وفق رواية رئيس البلدية، بالخوف والقلق من استمرار التصعيد.
إلياس كرام: خطر فقدان السيطرة
يرى مراسل الجزيرة في فلسطين إلياس كرام أن خطورة المرحلة لا تكمن فقط في ارتفاع عدد اعتداءات المستوطنين، وإنما في طبيعة هذه الاعتداءات وطريقة تعامل القوات الإسرائيلية معها.
ويشير كرام إلى أن بعض الهجمات تبدو، وفق مقاطع مصورة وتحليله للمشهد، منظمة ومخططا لها، مع ظهور مستوطنين يستخدمون مركبات رباعية الدفع، ووجود أفراد بينهم يخدمون في الجيش الإسرائيلي أو قوات الاحتياط.
ويعتبر كرام أن هذا التداخل بين المستوطنين والمؤسسة العسكرية يخلق معادلة شديدة التعقيد؛ إذ تصبح القوات الإسرائيلية أمام مهمة معلنة تتمثل في الفصل بين المتصادمين، بينما لا تؤدي المواجهات بالضرورة إلى توقيف منفذي الاعتداءات من المستوطنين، بحسب ما أورده في التقرير.
الأهم في قراءة كرام هو أن هذا الوضع قد ينقلب على إسرائيل نفسها. فاستمرار الاعتداءات قد يؤدي إلى ردود فعل فلسطينية متزايدة، وبالتالي انتقال الضفة من حالة التوتر المتقطع إلى موجة مواجهة أكثر اتساعا.
ومن هنا تأتي التحذيرات الإسرائيلية من احتمال اندلاع انتفاضة ثالثة.
إلياس حنا: الجيش يستعد لسيناريوهات متعددة
الخبير العسكري والاستراتيجي إلياس حنا يقرأ المشهد من زاوية مختلفة، ويركز على الانتشار العسكري الإسرائيلي في الضفة.
ويشير حنا إلى وجود منظومة أمنية متعددة المستويات تشمل الألوية الإقليمية وفرقة “يهودا والسامرة” وقوات أخرى منتشرة في مناطق مختلفة، إضافة إلى الاهتمام الخاص بغور الأردن.
وبرأيه، فإن هذا الانتشار يعكس استعداد المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لمواجهة سيناريوهات أمنية متعددة، خصوصا مع تصاعد التوتر في عدد من المناطق.
ويرى حنا أن أهمية قصرة لا ترتبط فقط بالهجمات التي شهدتها، وإنما بموقعها الجغرافي بين المستوطنات والبؤر الاستيطانية. ولذلك فإن السيطرة على التلال والطرق والمناطق المحيطة بها يمكن أن تكون جزءا من صراع أوسع على شكل الضفة الغربية مستقبلا.
ويلخص حنا هذه السياسة بمفهوم “العزل والوصل”: عزل التجمعات الفلسطينية عن بعضها، في مقابل ربط المستوطنات بشبكة من الطرق والممرات.
وهذا يعني، في تقديره، أن المعركة لا تدور فقط حول منزل أو أرض زراعية، وإنما حول الجغرافيا التي ستحدد شكل أي كيان فلسطيني مستقبلي.
مهند مصطفى: الاستيطان يغير الخريطة
أما الأكاديمي والخبير في الشؤون الإسرائيلية مهند مصطفى، فيركز على الجانب السياسي والاستراتيجي للمشروع الاستيطاني.
ويرى مصطفى أن التوسع الاستيطاني الحالي يستهدف إنشاء تواصل جغرافي بين المستوطنات والبؤر الاستيطانية، سواء عبر السيطرة على أراض فلسطينية أو إقامة طرق التفافية جديدة.
ويعتبر أن منطقة “إي1” تمثل إحدى أكثر النقاط حساسية، بسبب موقعها وتأثيرها المحتمل على التواصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها.
وبحسب تحليله، فإن المشروع الاستيطاني يتحرك في ثلاثة اتجاهات رئيسية: إضعاف إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيا، تعزيز السيطرة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من الضفة، ودفع الفلسطينيين إلى تغيير أماكن إقامتهم تحت ضغط الواقع الأمني والاستيطاني.
ويرى مصطفى أن خطورة التطورات الحالية تكمن في محاولة فرض وقائع يصعب تغييرها مستقبلا، بحيث يصبح أي حل سياسي أمام خريطة جديدة على الأرض.
لماذا يتصاعد العنف في هذه المرحلة؟
السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق فقط بمنفذي الاعتداءات، وإنما بسبب تصاعدها في هذا التوقيت.
ويرى محللون أن هناك عاملا سياسيا واضحا يتمثل في محاولة أطراف داخل اليمين الإسرائيلي تكريس المشروع الاستيطاني قبل أي تحول سياسي محتمل.
وفي هذا السياق، يشير إلياس كرام إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يقدّم توسع الاستيطان باعتباره أحد إنجازات حكومته، وهو ما يعكس الأهمية السياسية التي تحظى بها المستوطنات داخل الائتلاف الحاكم.
لكن هذه السياسة تحمل، في الوقت نفسه، مخاطر استراتيجية على إسرائيل.
فكلما توسع الاستيطان، أصبح الفصل الجغرافي بين الفلسطينيين والإسرائيليين أكثر صعوبة، وتراجعت فرص تطبيق حل الدولتين.
وهنا تظهر مفارقة يلفت إليها منتقدو السياسة الإسرائيلية: السعي إلى منع قيام دولة فلسطينية قد يؤدي في النهاية إلى خلق واقع دولة واحدة تضم الفلسطينيين والإسرائيليين، بما يطرح أسئلة ديموغرافية وسياسية عميقة حول مستقبل النظام السياسي الإسرائيلي.
تحذيرات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية
اللافت في التطورات الحالية أن التحذير من احتمال اندلاع انتفاضة جديدة لا يأتي فقط من الجانب الفلسطيني أو من محللين خارجيين، بل يرتبط أيضا بمخاوف داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
وتخشى المؤسسة الأمنية، بحسب ما ورد في المادة، أن يؤدي استمرار عنف المستوطنين والتوتر المتزايد إلى انفلات أمني واسع.
وهذه المخاوف تكشف عن خلاف في تقدير المخاطر بين بعض الأطراف السياسية والأمنية داخل إسرائيل.
فبينما يرى اليمين الاستيطاني في التوسع الاستيطاني وسيلة لتعزيز السيطرة على الأرض، تنظر المؤسسة الأمنية إلى انفجار الضفة باعتباره عبئا عسكريا وأمنيا يمكن أن يفتح جبهة إضافية ويستنزف الجيش الإسرائيلي.
ومن هنا فإن انتفاضة فلسطينية ثالثة، إذا اندلعت، لن تكون مجرد تحد سياسي، بل ستفرض على الجيش الإسرائيلي التعامل مع واقع أمني جديد في مساحة جغرافية واسعة.
ردود الفعل الفلسطينية
على الجانب الفلسطيني، تعكس التصريحات الواردة من قصرة حالة من القلق المتزايد من استمرار الاعتداءات والقيود.
ويحذر السكان من أن استمرار الضغط قد يدفع بعض العائلات إلى مغادرة المناطق القريبة من المستوطنات، وهو ما يراه الجانب الفلسطيني جزءا من الخطر الأكبر المرتبط بتغيير التركيبة السكانية على الأرض.
كما أن استمرار إغلاق الطرق وإقامة الحواجز والبوابات يزيد صعوبة حركة الفلسطينيين بين بلداتهم وأراضيهم، ويجعل الحياة اليومية جزءا من الصراع نفسه.
وبالنسبة للفلسطينيين، لا ينظر إلى الاعتداءات باعتبارها أحداثا أمنية منفصلة، وإنما ضمن سياق أوسع يشمل الاستيطان ومصادرة الأراضي والقيود على الحركة.
المجتمع الدولي أمام اختبار جديد
التصعيد في الضفة يضع المجتمع الدولي أيضا أمام اختبار جديد، خصوصا أن أي انفجار واسع قد تكون له انعكاسات تتجاوز حدود الأراضي الفلسطينية.
فاندلاع انتفاضة جديدة يمكن أن يعرقل المساعي السياسية، ويزيد التوتر الإقليمي، ويفتح الباب أمام موجة جديدة من المواجهات.
كما أن استمرار التوسع الاستيطاني يضع الدول الغربية أمام معادلة صعبة، بين دعم إسرائيل من جهة، والضغوط المتزايدة لوقف الإجراءات التي يرى منتقدوها أنها تقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية من جهة أخرى.
وتزداد أهمية الموقف الأمريكي تحديدا، بالنظر إلى قدرة واشنطن على ممارسة ضغوط سياسية على الحكومة الإسرائيلية، في وقت يتصاعد فيه الجدل الدولي حول مستقبل الضفة الغربية.
هل انتفاضة ثالثة أصبحت حتمية؟
رغم التحذيرات الإسرائيلية، لا يمكن القول إن اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة أصبح أمرا حتميا.
فالانتفاضات لا تنشأ بسبب عامل واحد، وإنما نتيجة تراكم طويل من الضغوط السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى وجود قيادة أو حالة شعبية قادرة على تحويل الغضب المتفرق إلى حركة واسعة.
لكن المؤشرات الحالية، بحسب التحليلات الواردة، تشير إلى ارتفاع مستوى المخاطر.
فإذا استمرت الاعتداءات، وتصاعد الاستيطان، وتوسعت القيود على الفلسطينيين، ووقعت أحداث دامية جديدة، فقد تتراجع قدرة الأطراف على احتواء الشارع.
وهنا تكمن نقطة التحول المحتملة: حادث واحد كبير قد يكون قادرا على نقل الوضع من التوتر إلى الانفجار، خصوصا في ظل الاحتقان المتراكم.
الخلاصة: معركة على الأرض قبل أن تكون مواجهة أمنية
ما يجري في الضفة الغربية لا يمكن اختزاله في اعتداءات مستوطنين أو إجراءات عسكرية منفصلة. فالمشهد يجمع بين مشروع استيطاني يسعى إلى تغيير الخريطة، وسكان فلسطينيين يتمسكون بأراضيهم، ومؤسسة أمنية إسرائيلية تخشى من تحول التصعيد إلى تهديد أوسع.
وتقدم قصرة نموذجا مكثفا لهذه المعادلة؛ عائلات محاصرة، مستوطنون في محيط المنطقة، قوات إسرائيلية، بوابات وحواجز، وفي الخلفية صراع على الأرض والطرق والتلال.
أما تحذيرات الخبراء والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية من انتفاضة ثالثة، فتشير إلى أن استمرار الوضع الحالي قد يحمل نتائج عكسية على جميع الأطراف.
فكل خطوة تؤدي إلى تضييق مساحة الفلسطينيين جغرافيا قد تزيد في المقابل احتمالات الانفجار أمنيا. وكل توسع استيطاني جديد قد يجعل الحل السياسي أكثر صعوبة، ويدفع الصراع نحو خيارات أكثر تعقيدا.
لذلك فإن السؤال لم يعد فقط: من يشعل فتيل الانتفاضة؟
بل أصبح: هل يؤدي استمرار الاستيطان وعنف المستوطنين والقيود الأمنية إلى خلق الظروف التي تجعل الانفجار مسألة وقت، وليس مجرد احتمال؟