العراق يسرّع مشروع أنبوب النفط ويبحث استعادة مرونة التصدير

في محاولة لتقليل هشاشة صادراته وسط التوترات في المنطقة

الرائد// أعادت الحكومة العراقية في 29 أغسطس 2026 ملف البنية التحتية النفطية إلى صدارة السياسة الاقتصادية، بعدما شدد رئيس الوزراء علي فالح الزيدي على الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية لمشروع أنبوب تصدير النفط الاستراتيجي، داعياً إلى تسريع تنفيذه. وجاءت تصريحات الزيدي في اليوم نفسه الذي أكد فيه وزير النفط باسم محمد خضير العبادي ضرورة الإسراع في المشروع، في مؤشر إلى أن بغداد تتعامل معه باعتباره جزءاً من إعادة تنظيم قدرة العراق على تصدير النفط وليس مجرد مشروع نقل إضافي.

وتكمن أهمية المشروع في محاولة العراق تقليل هشاشة صادراته النفطية أمام تعطل مسارات التصدير. فالاقتصاد العراقي ما زال يعتمد بدرجة كبيرة على النفط لتمويل الموازنة، ولذلك فإن أي اضطراب في خطوط التصدير يمكن أن يتحول سريعاً إلى ضغط على الإيرادات الحكومية والإنفاق العام.

وقال الزيدي إن المشروع يمثل «أهمية استراتيجية كبيرة» للعراق، بينما شدد وزير النفط باسم محمد خضير العبادي على ضرورة الإسراع في إنجازه، بحسب وكالة الأنباء العراقية الرسمية. وهذه التصريحات تكشف أن المشروع أصبح مرتبطاً مباشرة بأمن الصادرات وبقدرة الحكومة على إدارة الإيرادات النفطية.

ولا تأتي الخطوة بمعزل عن النقاش الأوسع حول مستقبل الاقتصاد العراقي. فالبنك الدولي يحذر من أن الاقتصاد يواجه ضغوطاً مالية وخارجية، وأن آفاق النمو تعتمد بدرجة كبيرة على تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية، بينما يبقى الاقتصاد معرضاً للمخاطر المرتبطة بأسعار النفط والتطورات الإقليمية.

ولهذا فإن زيادة قدرة العراق على تصدير النفط لا تحل المشكلة الاقتصادية وحدها. فهي تمنح الحكومة مرونة أكبر في الحصول على الإيرادات، لكنها لا تعالج اعتماد المالية العامة على مصدر واحد للدخل.

وهنا تظهر المفارقة العراقية بوضوح: الدولة تحتاج إلى زيادة كفاءة قطاع النفط لتأمين الموارد اللازمة للخدمات والاستثمار، لكنها في الوقت نفسه مطالبة بتنويع الاقتصاد حتى لا تظل الموازنة رهينة لسوق النفط العالمية.

وكان رئيس الوزراء الزيدي قد قال في يوليو الماضي، خلال اجتماعاته مع رئيس البنك الدولي، إن الاقتصاد العراقي يتجه إلى تحقيق نمو واضح في ظل السياسات والإصلاحات التي بدأت الحكومة تنفيذها. كما أكد خلال لقاءات لاحقة انفتاح العراق على الاستثمار وسعيه إلى بناء شراكات طويلة الأجل مع المستثمرين.

لكن تحويل هذه التصريحات إلى واقع يتطلب معالجة مشكلات أعمق من قطاع النفط. فالعراق يحتاج إلى تحسين الكهرباء، والمياه، والنقل، والمصارف، والبيئة الاستثمارية، إضافة إلى خلق وظائف خارج القطاع الحكومي. وهذه الملفات هي التي ستحدد ما إذا كان ارتفاع الإيرادات النفطية سيقود إلى اقتصاد أكثر تنوعاً أم سيبقى مجرد وسيلة لتمويل الإنفاق الجاري.

وتزداد أهمية ذلك بسبب التركيبة السكانية للعراق. فالسكان الشباب يدخلون سوق العمل بأعداد كبيرة، بينما لا يستطيع القطاع العام استيعاب هذا النمو إلى ما لا نهاية. ولذلك فإن الاستثمار في البنية الأساسية يمكن أن يكون أكثر فائدة إذا ارتبط بإنتاج صناعي وزراعي وخدمات لوجستية قادرة على خلق وظائف مستدامة.

ومن هذه الزاوية، يمكن لمشروع أنبوب النفط أن يكون جزءاً من استراتيجية أوسع إذا ارتبط بتطوير الموانئ والمناطق الصناعية وشبكات النقل والتجارة. أما إذا بقي هدفه الأساسي زيادة القدرة على تصدير الخام، فسيظل تأثيره محدوداً على مشكلة التنويع الاقتصادي.

ويكشف تحرك الحكومة أيضاً عن أهمية العلاقات بين بغداد وإقليم كردستان. فقد أكد وزير الموارد الطبيعية في حكومة الإقليم كمال محمد، في 29 أغسطس، أن وزارته ستلتزم بأي قرار يصدره رئيس الوزراء بشأن ملف النفط، في وقت يستمر فيه النقاش حول إدارة موارد الطاقة ومسارات التصدير.

وهذا يجعل ملف النفط مرتبطاً ليس فقط بالاقتصاد، وإنما أيضاً بالعلاقة بين الحكومة الاتحادية والإقليم، وبكيفية توزيع الصلاحيات والإيرادات.

وبالتالي، فإن تسريع المشروع قد يوفر للعراق أداة إضافية لحماية صادراته، لكنه لن يكون اختباراً كاملاً لنجاح السياسة الاقتصادية. الاختبار الحقيقي سيكون قدرة بغداد على استخدام عائدات النفط لبناء اقتصاد يستطيع إنتاج القيمة وفرص العمل خارج النفط، بدلاً من زيادة قدرة الدولة على تصدير الخام فقط.

المصادر والتاريخ:

وكالة الأنباء العراقية، تصريح رئيس الوزراء علي فالح الزيدي بشأن مشروع أنبوب تصدير النفط، 29 أغسطس 2026.

وكالة الأنباء العراقية، تصريحات وزير النفط باسم محمد خضير العبادي بشأن الإسراع في المشروع، 29 أغسطس 2026.

البنك الدولي، ملف الاقتصاد العراقي والتحديات المالية والاقتصادية، 2026.

وكالة الأنباء العراقية، لقاء رئيس الوزراء علي فالح الزيدي مع رئيس البنك الدولي، 16 يوليو 2026.

اترك تعليقا