تحرك جديد من جنوب أفريقيا لمحاسبة إسرائيل

أمام العدل الدولية

عادت جنوب أفريقيا إلى الواجهة القانونية في مواجهة إسرائيل، عبر تقديم ملف موسع إلى محكمة العدل الدولية يوثق، بحسب بريتوريا، عدم التزام إسرائيل بالتدابير المؤقتة التي أصدرتها المحكمة لحماية الفلسطينيين في قطاع غزة. ويأتي التحرك الجديد في وقت تتجه فيه القضية الأصلية، التي رفعتها جنوب أفريقيا عام 2023 بتهمة انتهاك اتفاقية منع الإبادة الجماعية، إلى مسار قضائي طويل قد يمتد لسنوات.

وأعلنت جنوب أفريقيا أنها قدمت في 25 أغسطس/آب الجاري مستندات ومعلومات وأدلة تقول إنها توثق عدم امتثال إسرائيل للتدابير المؤقتة الملزمة التي أصدرتها المحكمة خلال عام 2024. وكانت المحكمة قد أصدرت ثلاثة قرارات منفصلة تضمنت مطالبة إسرائيل بمنع الأفعال التي تندرج ضمن المادة الثانية من اتفاقية الإبادة الجماعية، واتخاذ إجراءات لضمان وصول المساعدات والخدمات الإنسانية إلى سكان غزة.

وكان القرار الأبرز في مايو/أيار 2024، عندما أمرت المحكمة إسرائيل بوقف هجومها العسكري في مدينة رفح جنوب القطاع، والإبقاء على معبر رفح مفتوحا أمام المساعدات الإنسانية. وترى بريتوريا أن التطورات التي شهدها القطاع منذ صدور تلك القرارات تؤكد استمرار عدم الالتزام بها، الأمر الذي دفعها إلى تقديم الملف الجديد بهدف إبقاء القضية تحت المراقبة الدولية وتعزيز الضغوط على إسرائيل.

قضية طويلة المسار

التحرك الجنوب أفريقي يأتي في ظل بطء المسار القضائي للقضية الأصلية. فقد قدمت إسرائيل مذكرة مضادة وطعنت في اختصاص المحكمة، وهو ما أدى إلى تحديد مواعيد جديدة للمرافعات تمتد حتى عام 2029، ما يعني أن صدور الحكم النهائي قد يستغرق عدة سنوات أخرى.

ويرى أستاذ القانون الدولي والرئيس السابق للجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وليام تشاباس أن الحكم النهائي قد لا يصدر قبل عامي 2030 أو 2031. ويعني ذلك أن التدابير المؤقتة أصبحت ذات أهمية خاصة، باعتبارها الآلية القانونية التي يمكن من خلالها الضغط من أجل حماية الفلسطينيين قبل الوصول إلى الحكم النهائي.

ويعتقد تشاباس أن تقديم جنوب أفريقيا للأدلة الجديدة خطوة شجاعة وجريئة، لأنها تسعى إلى توثيق ما تعتبره انتهاكات إسرائيلية لقرارات المحكمة، وإبقاء المسألة حاضرة أمام القضاة والمجتمع الدولي. لكنه في الوقت نفسه يشدد على محدودية قدرة المحكمة على تنفيذ قراراتها على الأرض، إذ لا تمتلك قوة تنفيذية مستقلة تمكنها من إجبار إسرائيل على الالتزام بأوامرها.

وبالتالي، فإن فاعلية أي قرار جديد ستظل مرتبطة بمدى استعداد الدول للتحرك والضغط على إسرائيل، وليس بمجرد صدور قرار قضائي من المحكمة. ويرى تشاباس أن التحرك الجنوب أفريقي يمكن أن يدفع بعض الدول الداعمة لإسرائيل إلى إعادة حساباتها أو التعامل معها بمزيد من الحذر، لكنه لن يكون كافيا وحده لإحداث تغيير سريع في الوضع داخل قطاع غزة.

ضغوط سياسية وقانونية

من الناحية السياسية، تراهن جنوب أفريقيا على أن توثيق عدم تنفيذ قرارات المحكمة يمكن أن يوسع دائرة الضغط على إسرائيل، ويمنح دولا أخرى أساسا للانضمام إلى القضية أو دعم الموقف الجنوب أفريقي.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية في ظل استمرار الجدل بشأن المسؤولية القانونية عن الأوضاع الإنسانية في غزة. فكلما تراكمت الأدلة والمعلومات بشأن الانتهاكات المزعومة، يصبح من الصعب على إسرائيل، وفق مؤيدي التحرك الجنوب أفريقي، تجاهل المسار القانوني أو التقليل من أهميته.

لكن الخبير في الشؤون الإسرائيلية مهند مصطفى يرى أن مستوى القلق الإسرائيلي من محكمة العدل الدولية تراجع مقارنة ببداية القضية. ويعزو ذلك إلى تغير البيئة السياسية في الولايات المتحدة، التي أصبحت بالنسبة إلى إسرائيل مظلة سياسية ودبلوماسية أساسية في مواجهة الضغوط الدولية.

وبحسب مصطفى، كانت إسرائيل في بداية القضية أكثر اهتماما بالتعامل مع المحكمة وإظهار استعدادها لاحترام القانون الدولي، بينما أصبح هذا الاهتمام أقل في المرحلة الحالية. ويشير إلى أن إسرائيل تحرص رغم ذلك على صورتها الدولية، وخصوصا داخل الولايات المتحدة، خشية أن تؤدي الضغوط المتزايدة إلى تراجع مكانتها السياسية والدبلوماسية.

ويضيف أن إسرائيل أعلنت في وقت سابق فتح تحقيقات في عشرات القضايا المتعلقة باحتمال وقوع مخالفات خلال العمليات العسكرية في غزة، قبل تقليص عدد الملفات التي يمكن أن تستمر فيها التحقيقات. ويرى أن هذه الإجراءات تعكس، في جانب منها، محاولة للتعامل مع التداعيات الدولية والقانونية للحرب.

الفلسطينيون لا ينتظرون حلا عاجلا

في المقابل، تبدو التوقعات الفلسطينية من محكمة العدل الدولية أقل من السابق، نتيجة عدم انعكاس القرارات القضائية السابقة بصورة ملموسة على حياة سكان قطاع غزة.

ويقول المحلل السياسي الفلسطيني إياد القرا إن الفلسطينيين أدركوا أن صدور القرارات الدولية لا يعني بالضرورة تنفيذها على الأرض، خصوصا في ظل الدعم الأمريكي لإسرائيل. ويرى أن المحكمة نفسها أصبحت هدفا للانتقادات والضغوط الإسرائيلية والأمريكية، الأمر الذي يحد من قدرتها على إحداث تغيير سريع.

ومع ذلك، لا يقلل القرا من أهمية التحرك الجنوب أفريقي، مؤكدا أن القضية تظل مهمة من الناحية السياسية والقانونية، لأنها توثق الانتهاكات وتدعم الرواية الفلسطينية أمام المؤسسات الدولية. كما يمكن أن تشكل الخطوة حافزا لدول أخرى للانضمام إلى القضية أو تقديم دعمها للتحرك الجنوب أفريقي.

ويؤكد مؤيدو القضية أن توصيف الجرائم والانتهاكات أمام المؤسسات القضائية الدولية لا يفقد أهميته حتى في حال عدم وجود نتائج فورية، لأن الملفات القانونية يمكن أن تبقى مفتوحة لسنوات، وقد تؤسس لاحقا لمحاسبة المسؤولين أو لاتخاذ إجراءات سياسية ودبلوماسية ضد إسرائيل.

معركة طويلة بلا نتائج فورية

وتكشف الخطوة الجنوب أفريقية الجديدة أن المواجهة مع إسرائيل انتقلت إلى مسارين متوازيين: مسار عسكري وسياسي مستمر على الأرض، ومسار قانوني دولي طويل داخل محكمة العدل الدولية.

ورغم أن الملف الجديد قد يزيد الضغوط السياسية والقانونية على إسرائيل، فإن المعطيات الحالية لا تشير إلى إمكانية تحقيق تحول سريع في أوضاع قطاع غزة. فالمحكمة تفتقر إلى أدوات تنفيذ مباشرة، بينما يعتمد تنفيذ قراراتها إلى حد كبير على إرادة الدول وقدرتها على ممارسة الضغط.

لذلك، تبدو جنوب أفريقيا أمام معركة طويلة الأمد هدفها تثبيت الملف القانوني، وتوثيق ما تعتبره خروقات إسرائيلية، وحشد مزيد من الدعم الدولي للقضية الفلسطينية. أما الفلسطينيون، فينظرون إلى التحرك باعتباره وسيلة مهمة لحفظ القضية قانونيا وسياسيا، لكنهم لا يعولون عليه وحده لتغيير الواقع الإنساني والميداني في قطاع غزة بصورة عاجلة.

اترك تعليقا