سقوط حجية الحماية الامريكية
د حاتم عزام يكتب
- dr-naga
- 17 أغسطس، 2026
- مقالات وتحليلات
- الاردن, البحرين, الرباعية, القواعد الأمريكية, الكويت, د حاتم عزام, دول الخليج, سقوط حجية الحماية الأمريكية
انقلاب الأدوار: حين صار الحامي محتمياً والمظلة مصدراً للخطر
ويستحق «سقوط حجية الحماية الأمريكية» – إفراداً وتعميقاً، لأن ما جرى خلال الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران تجاوز مجرد “اهتزاز الثقة” إلى انقلاب كامل في الأدوار يشرح، أكثر من أي عامل آخر منفرد، لماذا صارت الرباعية ضرورة الآن تحديداً.
فالوقائع الميدانية الموثقة في هذه الحرب كشفت أن القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج – التي ظلت سبعة عقود رمزَ الحماية وعنوانها – عجزت في أحيان كثيرة عن الدفاع عن نفسها هي ذاتها، فعلي سبيل المثال لا الحصر:
أصابتها المسيّرات والصواريخ الإيرانية إصابات عسكرية مباشرة وموجعة، من مستودعات الذخيرة في قاعدة العديري ومقرات القيادة في علي السالم بالكويت، إلى مستودعات الصواريخ وخزانات الوقود في قاعدة الأمير حسن بالأردن حيث قُتل جنديان أمريكيان، وتعرضت أصول الأسطول الأمريكي ذاته للاستهداف والتعطيل في مياه الخليج ومضيق هرمز . أي أن البنية التي بُني عليها منطق “الأمن المستعار” كله أثبتت أنها ذاتها مكشوفة.
والأخطر من الانكشاف ذاته دلالته المزدوجة على الدول المستضيفة، فقد تحولت المظلة إلى عبء من جهتين متعاكستين في آن واحد:
1️⃣من الجهة الأولى: صارت القواعد الأمريكية هي التي تستجلب الضربات على أراضي الدول المضيفة بدل أن تدرأها عنها – فالكويت والبحرين والأردن لم تُستهدف بوصفها أطرافاً في الحرب، بل بوصفها مستضيفة للأصول الأمريكية حصراً؛ حتى إن الاستهداف الإيراني طال بنى تحتية مدنية في تلك الدول، من منشآت تحلية المياه في الكويت إلى أنظمة الملاحة الجوية المدنية في البحرين [30] – أي أن شراكة الحماية ذاتها صارت مصدر الخطر الأول على شعوب الدول الشريكة.
2️⃣ومن الجهة الثانية، وهي الأشد مفارقةً: انعكس اتجاه الحماية ذاته – فبدل أن يحمي الحامي حلفاءه، صارت دفاعات الدول المضيفة الجوية هي التي تتصدى للضربات الموجهة أصلاً إلى الأصول الأمريكية على أراضيها، كما وثّقت بيانات قوة دفاع البحرين واعتراضات الدفاعات الأردنية المتكررة؛ بل سعت واشنطن نفسها إلى تجنيد حلفائها الدوليين في تحالف لتأمين الملاحة في مضيق هرمز بدل أن تؤمّنه بقوتها الذاتية المتمركزة في المنطقة أصلاً لهذا الغرض بالذات.
وهكذا اكتملت دائرة الانقلاب: الحامي المفترض صار محتمياً بدفاعات من كان يفترض أن يحميهم، والمظلة التي استُؤجرت لدرء الخطر صارت هي نقطة استجلابه.
وليس في تاريخ “الأمن المستعار” الممتد منذ رسالة ترومان لحظة أبلغ من هذه في نقض جدواه من أساسه: فالسؤال الذي تطرحه عواصم الإقليم اليوم لم يعد “هل تفي واشنطن بتعهداتها ساعة الحاجة؟” – وهو سؤال ضربة الدوحة – بل صار أعمق وأقسى: “هل تستطيع واشنطن أصلاً أن تفي، حتى لو أرادت؟”. وحين يسقط عن المظلة شرطا الإرادة والقدرة معاً، لا يبقى من منطق استئجارها شيء – وهذا، أكثر من أي تحليل نظري، ما يجعل مشروع الأمن الذاتي الرباعي ينتقل من خانة الطموح المؤجل إلى خانة الضرورة العاجلة.
*هذه فقرة متقطعة من دراسةٍ تحليليةٍ أوسع نشرها لي المعهد المصري للدراسات، تتتبّع سجلّ محاولات الأمن الجماعي منذ 1950، وتشرّح قدرات الرباعية وعلاقاتها الثنائية، وتقدّم ثلاثة سيناريوهات مرجّحةً لمآلها.