لا أعرف شبيها بأيامنا هذه من عامي 1878 و1966م

محمد الهامي يكتب

كان الخديوي إسماعيل -لعنه الله في قبره- قد امتص البلاد وأهلها بكل سبيل، ضرائب على كل شيء، (بل حتى ضرائب مستقبلية!!)، ديون من كل مصرف، قسوة أمنية وحشية شنيعة، قصور تتكاثر وتبذير لا حدَّ له، وجيشٌ تتلاحق هزائمه في الحبشة، ووصل التقتير حتى ضباط الجيش أنفسهم!

وعلى الجهة الأخرى: البلد تغلي وتفور، الأذى والضرر مسَّ الجميع من الفلاحين حتى العلماء والأعيان والتجار، وبدأت سُحُب التململ تسود في البلاد، والخديوي إسماعيل يستشعر الخطر فيضحي بصديقه المقرب ومخلبه المفضّل إسماعيل صادق المفتش..

وفي النهاية تتوصل القوى الحاكمة إلى أن البلد لو تُرِكت على هذا الحال، فلا بد من هيجان لا يذهب فقط بإسماعيل بل بالنظام نفسه.. فتلتقي الرغبات المتخالفة والمتعاكسة على إسقاط إسماعيل.. للحفاظ على النظام:

1. القوى الأجنبية (بريطانيا وفرنسا آنذاك) لا يهمها شخص إسماعيل بل بقاء نظام أسرة محمد علي، التي جعلت البلد رهينة للأجانب وخادمة لهم.

2. السلطان العثماني عبد الحميد الثاني الذي يزعجه انهمار الأسرة العلوية المصرية في الانفصال عن السلطنة العثمانية والغرق في خدمة الأجانب.

3. القوى الوطنية الثورية التي ترجو أن يأتي حاكم آخر غير إسماعيل يمكن أن يكون مُصلٍحًا..

اتفق الجميع على الإطاحة بإسماعيل، والإتيان بولده توفيق، وكلهم يرجو من ذلك غرضا غير الآخر، وكلهم سيحاول التأثير على توفيق!!

جاء توفيق، خان عهوده مع الوطنيين، سار في ركاب الأجانب، تجافى عن السلطان العثماني.. تحول التململ إلى ثورة قادها أحمد عرابي، جاء الإنجليز بجيوشهم لإخماد الثورة والحفاظ على أسرة محمد علي ونظام الحكم في مصر.. وبدأ عصر الاحتلال الإنجليزي.

وأما في عام 1966م، فكذلك:

انهيار متواصل للبلد منذ أن تولاها العسكري الجعجاع المهزوم جمال عبد الناصر، فعسكر البلد كلها، وحبسها وقهرها وأخمد كل قوتها وانكمشت حدودها، فتخلى عن السودان وعن الوحدة مع سوريا، ودخل حرب اليمن فلم ينتصر، غير أنه كان يملك أمريْن كبيريْن:

1. بلدا بوزن مصر الثقيل الحافل بتاريخ وبشر وموارد وطاقات
2. والبوق الإعلامي الأكبر -ويجوز أن تقول: الوحيد- والذي يجعله قادرًا على إطلاق صوته دون معارض أو مناقش!

فكان الحال خرابا في خراب، غير أن الناس -المصريين والعرب- يعيشون حالة انخداع هائلة في قوة البلد وجيشها وزعيمها، حتى من يعرف منهم أن البلد خراب في خراب، لا يجرؤ على التفكير في هذا أو في قوله، لأن هذا التفكير أو القول قد يعني هلاكه المحقق، وهلاك أهله من ورائه!!

واستعذ بالله من حال المقهور الخائف المرعوب، فإنه لا رأي له!! وإنما رأيه مصنوع مصبوغ معجون بخوفه ورعبه..

فالبوق يهدر بأن عندنا صواريخ القاهر والظافر والناصر، وأننا على وشك ارتياد الفضاء.. والشعب مجبر على التصديق، إن لم يكن أملا ورجاء، فهو تصديق الخائف المذعور!

فكان ماذا؟!!

كان أن ابتعلت إسرائيل 4 دول عربية في ساعات!! من بينها سيناء التي هي ثلاثة أضعاف مساحة إسرائيل نفسها (أمرٌ عصيٌّ على التصديق)..

وأشد من ذلك وأقسى وأمرّ، أنه بينما تثبت إسرائيل أقدامها في سماء هذه الدول وأراضيها، كان العرب والمسلمين في غاية النشوة والفرح والسعادة الغامرة، وكان بعضهم يجمع أغراضه ليعود إلى بيته في عكا وحيفا ويافا!!!

كيف ذلك؟!.. الإجابة: البوق!!

البوق الإعلامي كان ينقل إلى الناس قصة خيالية تقول بأن الجيوش العربية تفتك بالجيش الإسرائيلي فتكا ذريعا.. والناس لا تملك إلا أن تصدق!!

واستعذ بالله من حال مهزوم جريح الكرامة، يلقي إليه الكذاب الخدَّاع الجبار بالأمل العريض.. فهو إن لم يصدقه أملا ورجاء، فإنه مضطر إلى تصديقه رعبا وفزعا!!

خمسة أيام على هذا الحال، حتى خرج وجه الشؤم هذا، أي: جمال عبد الناصر، ليعترف بالهزيمة ويرجو الناس أن تساعده في قرار قد عزم عليه، وهو: التنحي..

(أحيانا أتمنى لو لم يربني أبواي تربية حسنة، لاستطعت أن أنفس عن مشاعري بسباب قبيح، غير أن اللسان ينعقد!!)

نحن نتكلم الآن عن أجيال كلها صارت تحت التراب، وهي تلقى الآن حسابها عند الله.. سواء الخديوي إسماعيل أو ابنه توفيق أو أحمد عرابي أو عبد الحميد.. أو عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وأحمد سعيد.. إلخ!!

ولكن النتيجة المرة لا نزال نتجرعها حتى الآن.. ونحن نتجرعها لأن في الناس من كان ينافق هذه الأنظمة ويدعمها ويسوق لقولها ويجمّل فعلها ويزخرف سياستها ويزيد في وهم الناس بها..

الحديث عن الجيش القوي الخارق، وعن الاقتصاد الذي يوشك أن يزدهر، وعن الضرائب التي هي ضرورة، وعن الأزمة التي هي عابرة، وعن ضرورة الاستقرار تحت حكم الطاغية الخائن السفاح الجبار، وعن تحذير الناس من خلع الحاكم الفاجر الذي أفسد في الأرض طولا وعرضا ومكَّن منها الاحتلال… إلخ!!

هؤلاء المجرمون الموجودون في كل وقت وزمان.. ضلّ وخاب وخسر من استمع إليهم أو اقتنع بكلامهم.. وهم وإن تخفوا بين صفحات التاريخ فإن حساب الله لا يخفى عليه شيء منهم..

فكل كلمة قيلت في دعم حاكم سفاح لها حسابها عند الله.. وكل تثبيط عن مقاومة حاكم خائن لها حسابها عند الله.. وكل معاونة لسلطة غاشمة ظالمة فاجرة لها حسابها عند الله..

وهذا فوق المرارات التي تجنيها أمتنا وشعوبنا من هذا كله.. فأقل أقل القليل من دعموا الطغيان قد استطاعوا أن يتمتعوا بمنافعه ومزاياه.. فقد جرت سنة الله في خلقه أن أعوان الطغيان كثير، وأن المنتفعين معه قليل، ولا يزالون يقلون ويتناقصون، ويُستبدل بهم غيرهم، لتتم خسارتهم في الدنيا والآخرة.

والطغاة الخائنون يجذبون الاحتلال بأنفسهم، سواءٌ أثار الناس عليهم أم لم يتمكنوا من الثورة.. جاء الإنجليز لإخماد الثورة، وجاء الصهاينة فاحتلوا سيناء من غير ثورة..

وكنا قبل سنوات مضت، حين كنا ندافع عن الثورة السورية نُذَكِّر بنفس هذه المعادلة: سوريا وقعت فيها ثورة فجاءها الاحتلال لدعم نظامها، ولكن العراق التي لم تقع فيها ثورة جاء الاحتلال أيضا ليستولي عليها..

الطاغية الخائن الذي قتل قوة بلاده وأنهكها يصير جذابا للاحتلال والاستيلاء.. والناس إما بادورا فخلعوه وأنقذوا أنفسهم -بعد وقت يطول أو يقصر- أو بادر إليهم الاحتلال ليذيقهم بأسا شديدا هو في نفسه من عقوبة استقرار الطغيان فيهم.

وهذه الحياة مهما اشتدت واستعر لهيبها، فلن يفوز فيها إلا من كان في سبيل الله.. وهذا هو الطريق.

اترك تعليقا