هل تتجه روسيا نحو اقتصاد الظل؟

في ظل تزايد الاعتماد على النقد وتوسع الممارسات غير الرسمية

بعد سنوات من التوسع في المدفوعات الرقمية.. يشهد “الاقتصاد الروسي” تحولًا لافتًا نحو التعاملات النقدية، في تطور يعكس تداخل الاعتبارات الأمنية مع الضغوط الاقتصادية المتزايدة، فبحسب تقرير لـ”هيئة الإذاعة البريطانية BBC”، أدى تكرار إيقاف خدمات الإنترنت عبر الهاتف المحمول لمواجهة هجمات الطائرات المسيّرة، إلى جانب ارتفاع الأعباء الضريبية وتباطؤ الاقتصاد، إلى زيادة الاعتماد على النقد، وهو ما يثير مخاوف السلطات من اتساع “اقتصاد الظل” وتراجع كفاءة تحصيل الإيرادات في وقت تتزايد فيه احتياجات تمويل الحرب.

النقد يعود بدافع الأمن وعدم اليقين..

يشير التقرير إلى أن “البنك المركزي الروسي” ضخ نحو (1.56 تريليون روبل) إضافية في التداول منذ بداية العام، في أكبر زيادة خلال هذه الفترة خارج سنوات “جائحة كورونا”، ويرتبط هذا الاتجاه بتكرار “انقطاع الإنترنت” عبر الهاتف المحمول في مناطق واسعة، ما أدى إلى “تعطل المدفوعات الإلكترونية” ودفع كثير من المواطنين إلى الاحتفاظ بالنقد كوسيلة أكثر موثوقية في أوقات الطوارئ.

ولا يُعد هذا التحول الأول منذ اندلاع الحرب، إذ سبق أن ارتفعت السحوبات النقدية عقب إعلان (التعبئة الجزئية عام 2022)، وكذلك خلال تمرد “مجموعة فاغنر”، (وهي شركة عسكرية خاصة روسية لعبت دورًا بارزًا في الحرب بأوكرانيا وعدة نزاعات خارجية، واشتهرت بعد تمردها القصير ضد القيادة العسكرية الروسية في يونيو 2023، وهو الحدث الذي أثار اضطرابات داخلية ودفع كثيرًا من الروس إلى زيادة السحب النقدي تحسبًا لأي طوارئ)، وهذا يعكس استمرار حالة عدم اليقين التي تدفع الأفراد إلى تفضيل الاحتفاظ بالأموال خارج النظام المصرفي.

الضرائب تدفع الشركات نحو اقتصاد الظل..

في المقابل، يواجه “قطاع الأعمال” ضغوطًا متزايدة مع “تباطؤ النشاط الاقتصادي” و”تشديد السياسة الضريبية”، فبعد “رفع ضريبة القيمة المضافة” إلى (22%)، كما خفضت الحكومة الحد الذي يُعفي الشركات الصغيرة والمتوسطة من “ضريبة القيمة المضافة”، ما أدى إلى خضوع عدد أكبر من الشركات للضريبة، ونتيجة لذلك.. لجأت بعض المؤسسات إلى تشجيع العملاء على “الدفع نقدًا” وإخفاء جزء من مبيعاتها عن السجلات الرسمية.

ووفقًا للتقرير، امتد هذا السلوك إلى قطاعات مثل “المطاعم” و”الصيدليات” و”المتاجر الصغيرة” و”صالونات التجميل”، فيما أظهر استطلاع أجرته أكبر جمعية للشركات الصغيرة والمتوسطة في “روسيا” أن نسبة من رواد الأعمال بدأت تلجأ إلى ممارسات غير رسمية، مثل “عدم إصدار إيصالات” أو “دفع جزء من الأجور نقدًا” خارج السجلات الرسمية، لتقليل الالتزامات الضريبية.

تحدٍ جديد أمام الكرملين..

يضع هذا التحول الحكومة الروسية أمام معادلة معقدة، فمن جهة، تحتاج إلى تعزيز الإيرادات لتمويل الإنفاق العسكري في ظل تباطؤ الاقتصاد، ومن جهة أخرى تؤدي الإجراءات الأمنية، وعلى رأسها “تعطيل الإنترنت”، إلى تقويض الاعتماد على “المدفوعات الإلكترونية” التي تسهل الرقابة الضريبية، كما تكشف بيانات “البنك المركزي” عن استمرار خروج الأموال من الحسابات المصرفية، إذ سحب الروس (مئات المليارات من الروبلات خلال مايو وحده)، رغم بقاء “أسعار الفائدة” على الودائع عند مستويات مرتفعة تتجاوز (10%)، في إطار جهود مكافحة “التضخم”.

ويرى التقرير أن هذه المؤشرات تعكس عودة تدريجية لثقافة الاحتفاظ بالنقد التي ارتبطت بـ”الحقبة السوفيتية”، في وقت تواجه فيه السلطات تحديًا مزدوجًا يتمثل في الحفاظ على الاستقرار المالي، والحد من توسع الاقتصاد غير الرسمي الذي يهدد حصيلة الضرائب ويزيد الضغوط على المالية العامة الروسية.

اترك تعليقا