“كوبا” في اختبار البقاء.. حين يصبح الابتكار ضرورة

أزمة الطاقة تعيد تشكيل تفاصيل الحياة اليومية

حوّلت أزمة الطاقة، “كوبا” إلى ورشة مفتوحة للابتكار القسري، بعدما بات “انقطاع الكهرباء” و”نقص الوقود” واقعًا يوميًا يختبر قدرة السكان على تدبير أبسط تفاصيل الحياة، وفي بلد تتراجع فيه إمدادات الطاقة وتختفي فيه مظاهر الرفاه تدريجيًا، أصبح الحفاظ على الطعام، وشحن الهاتف، والتنقل، وحتى استقبال السياح، يتطلب حلولًا غير تقليدية.

في بلدة “كارابايو”، وجد طالب علوم الحاسوب “دايان ماريرو” نفسه يتحول إلى صانع محتوى يقدم للكوبيين نصائح للبقاء والتكيف مع الأزمة، عبر حسابه على «إنستغرام»، حيث يشرح طرق الحفاظ على بطاريات الهواتف، وتشغيل الأجهزة عند انقطاع الكهرباء، والتعامل مع تعطل الثلاجات وارتفاع درجات الحرارة، بل وصناعة هوائي لتحسين التقاط إشارات الهاتف المحمول.

واقترب أحد منشوراته الأكثر شعبية، الذي يشرح طريقة صنع هذا الهوائي، من (800 ألف مشاهدة)، فيما يطمح “ماريرو” إلى توسيع حضوره على «تيك توك»، رغم القيود المفروضة على استخدام التطبيق في “كوبا” بموجب العقوبات الأميركية.

حياة تحت الضغط..

حسب تقرير معمق في «CNN».. لم تعد أزمة الطاقة تؤثر في المنازل فحسب، بل امتدت إلى قطاعات الإنتاج والخدمات، وفي مقدمتها السياحة. ففي “فينياليس”، إحدى أبرز وجهات السياحة البيئية في “كوبا”، تبدو البنية السياحية قائمة، من الغرف المعدة للزوار إلى الأسواق والمرافق السياحية، لكن المشهد يفتقد العنصر الأهم، وهو “السياح”.

وتُظهر البيانات الرسمية تراجع أعداد الوافدين إلى الجزيرة بنسبة (62%) خلال يناير إلى يوليو مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، ما وجه ضربة قوية للأنشطة المرتبطة بالسياحة.

يحاول المرشد السياحي “أوسيريس هيرنانديز”، التكيف مع الواقع الجديد عبر تجهيز غرف في منزله لاستقبال الزوار القلائل، وإعداد الطعام باستخدام الفحم، وطحن القهوة يدويًا، كما يعتمد على ألواح شمسية وجهاز «إنفرتر»، وهو جهاز يحوّل التيار الكهربائي المستمر القادم من مصدر مثل الألواح الشمسية أو البطاريات إلى تيار متردد، يمكن استخدامه لتشغيل الأجهزة المنزلية، وتوفير الكهرباء اللازمة لتشغيل بعض الأجهزة، بينها مجمّد أو مُبرّد واحد على الأقل.

وفي مزرعة «إل أوليفو» الزراعية البيئية قرب “فينياليس”، اتخذت الأزمة شكلًا أكثر وضوحًا، إذ اضطرت إحدى الأسر إلى بسترة الحليب فوق الفحم بسبب نقص الوقود اللازم لتشغيل مولد كهربائي صناعي، قبل تبريده باستخدام الطاقة التي توفرها الألواح الشمسية والبطاريات، ورغم تراجع الطلب على منتجات المزرعة من الألبان، يستمر الإنتاج، إذ لا يمكن للأبقار انتظار عودة الكهرباء أو تحسن حركة السياحة.

الطاقة الشمسية على طرق هافانا..

وفي “هافانا”، دفعت أزمة الوقود السكان إلى إعادة رسم خريطة التنقل داخل المدينة، فمع تراجع أعداد الحافلات، انتشرت الدراجات الكهربائية ثلاثية العجلات التي تعمل جزئيًا بالطاقة الشمسية، لتتحول إلى وسيلة نقل بديلة لملايين السكان.

تستطيع هذه المركبات، نقل ما يصل إلى ستة ركاب، وتعتمد على ثلاث بطاريات يمكن شحنها من شبكة الكهرباء عند توفرها، أو عبر لوح شمسي يغطي سقف المركبة.

وبين الفحم والشمس والبطاريات والحلول اليدوية، يواصل الكوبيون إدارة تفاصيل حياتهم تحت ضغط أزمة الطاقة، وقد لا تكون هذه الخيارات مثالية، لكنها تعكس قاعدة باتت تحكم الحياة في الجزيرة.. حين تنفد الموارد، يصبح الابتكار وسيلة للبقاء.

اترك تعليقا