بودراع: تحالف مكة أمام اختبار بناء قوة ردع مشتركة

الكاتب والباحث في الشؤون الاستراتيجية لجريدة الرائد

حوار: السيد التيجاني 

في خضم التحولات المتسارعة التي تعصف بالمنطقة، يبرز «تحالف مكة» بين تركيا والسعودية وباكستان كخطوة لإعادة ترتيب منظومة الأمن الإقليمي، وسط تغيرات عسكرية وسياسية متلاحقة أعادت رسم موازين القوى. غير أن الاتفاق، رغم أهميته السياسية، يواجه أسئلة صعبة تتعلق بقدرته على بناء قوة ردع مشتركة، في ظل اختلاف العقائد العسكرية والارتباطات الدولية للدول الثلاث.

وفي حوار مع الكاتب والباحث في الشؤون الاستراتيجية رضا بودراع، نطرح ونفكك خلفيات اتفاقية الدفاع المشترك، ونبحث في توقيتها وأهدافها وحدودها، كما نتوقف عند موقع سوريا في المعادلات الجديدة، والتحولات التي يشهدها النظام الدولي، وكيف يمكن لدول المنطقة التعامل مع مرحلة إعادة تشكيل موازين القوى.

وإلي نص الحوار

● لماذا جاء تحالف مكة في هذا التوقيت، وما الذي فرضته التحولات الإقليمية على الدول الثلاث؟

●● وُلد الاتفاق في أعقاب حرب إقليمية وفوق إقليمية جمعت إسرائيل وإيران والولايات المتحدة، وهي حرب أعادت تعريف مفاهيم الأمن والردع في المنطقة وفرضت واقعاً جيوستراتيجياً جديداً.
تركيا والسعودية وباكستان لم تشترك في هذه الحرب، وبالتالي وجدت نفسها خارج عملية صياغة المفهوم الأمني الجديد. ومن هنا جاء الاتفاق متأخراً، ليقر بواقع قائم بدلاً من أن يفرض شروطاً جديدة على المشهد.

والخطورة أن تتحول اتفاقية الدفاع المشترك من أداة لتغيير المعادلة إلى مظلة لتثبيت الوضع الذي فرضته القوى المتصارعة، بما يضمن فقط عدم انتقال التصعيد إلى الدول الثلاث.

وإذا ثبت التحالف هذا الواقع من دون امتلاك إرادة التغيير، فستكون النتيجة خسارة استراتيجية، لأنه قد يكرس مكاسب إسرائيل وتمدد القوى الإقليمية المتصارعة على حساب مقدرات المنطقة.

أين ينتهي مسار الدول الثلاث وأين يبدأ مسار تحرر الأمة؟

●● يجب الفصل بين مسارين مختلفين تماماً. هناك مسار الدول الذي تحكمه قواعد القانون الدولي وموازين القوى وإعادة التموضع وحماية المصالح الوطنية، وهناك مسار الأمة وحركتها نحو التحرر من الهيمنة الخارجية.

المرجعيات الأمنية للدول الثلاث مختلفة؛ باكستان مرتبطة بمحيطها في شرق آسيا، وتركيا عضو في الناتو، والسعودية لديها شراكات أمنية واستراتيجية عميقة مع الغرب. وهذه المرجعيات تختلف عن حركات التحرر التي شهدتها مناطق مثل الشام وأفغانستان والساحل الأفريقي.

لذلك لا ينبغي الخلط بين تحركات الدول للحفاظ على استقرارها ومصالحها، وبين التدافع الحضاري للأمة. قد يخلق تحالف مكة ثغرات وتصدعات داخل المنظومة الدولية يمكن الاستفادة منها، لكنه لن يكون بالضرورة القاطرة التي تقود الأمة إلى التحرر إذا ظل محكوماً بآليات النظام الدولي.

● ما أبرز العوائق البنيوية والعسكرية التي يمكن أن تحد من قدرة التحالف على العمل كقوة موحدة؟

●● هناك ثلاث عقبات رئيسية. الأولى أن الدول الثلاث تأتي من بيئات أمنية وأزمات مختلفة؛ السعودية تتحرك بعد تراجع فاعلية منظومة الأمن الخليجي، وتركيا تواجه تعقيدات علاقتها بالناتو وتداخل منظومات تسليح شرقية وغربية، بينما خرجت باكستان من حروب هجينة وأزمات اقتصادية متراكمة.
جمع هذه التوازنات الهشة قد ينتج تحالفاً محدود الفاعلية بدلاً من قوة ردع متماسكة.

العقبة الثانية هي التباين الكبير في البنية التحتية العسكرية والعقيدة القتالية ومنصات التسليح والتصنيع بين الجيوش التركية والباكستانية والسعودية. التحالف العسكري يحتاج إلى منظومات قيادة وسيطرة واتصالات وتسليح وتدريب قابلة للتكامل، وليس مجرد اتفاق سياسي.

أما العقبة الثالثة فهي التردد في اتخاذ قرارات سيادية عسكرية مشتركة عند الأزمات الكبرى. الاختبار الحقيقي للتحالف لن يكون في توقيع الاتفاقية، وإنما في كيفية التصرف عندما تواجه إحدى الدول تهديداً مباشراً.

● ما أهمية سوريا في المعادلة الاستراتيجية الجديدة، ولماذا تثير التطورات حولها حساسية إسرائيلية؟

●● سوريا تمثل جزءاً حيوياً من أي توجه استراتيجي جديد في المنطقة، بسبب موقعها الجغرافي وتركيبتها السكانية وقدراتها العسكرية وموقعها بين تركيا والعراق ولبنان وفلسطين والبحر المتوسط.

القلق الإسرائيلي من التقارب بين القوى الإسلامية والإقليمية يرتبط بإدراك خطورة استعادة سوريا لقدرتها على بناء دولة ذات سيادة وقرار مستقل، خصوصاً مع امتلاكها موقعاً جغرافياً يفتح المجال أمام التواصل بين عدة ساحات استراتيجية.

إذا استعادت دمشق موقعها الطبيعي في المنطقة، وأعيد بناء قدراتها ومؤسساتها، فإن ذلك سيؤثر في موازين القوى المحيطة بإسرائيل. ولذلك فإن الملف السوري لن يكون ملفاً محلياً، بل جزءاً من صراع أوسع على شكل النظام الإقليمي المقبل

● ما التحولات التي تشير إلى تراجع المنظومة الدولية القديمة؟

●● العالم يشهد تحولات غير مسبوقة. أولها عودة الحروب النظامية بين الجيوش الكبرى، بعدما ركزت العقائد العسكرية خلال عقود على مكافحة الإرهاب وحروب العصابات، وهو ما كشف فجوات كبيرة في الاستعداد للحروب التقليدية واسعة النطاق.

وثانياً، اتساع نطاق الصراعات ودخول قوى من مناطق بعيدة جغرافياً إلى ساحات القتال، بما يكشف أن الحدود التقليدية للصراعات الدولية أصبحت أقل قدرة على احتواء التوترات.

وثالثاً، هناك أزمات مالية وديموغرافية ومناخية واضطرابات في سلاسل الإمداد، وهي عوامل تضغط على نموذج الدولة والنظام الاقتصادي العالمي.
هذه التحولات مجتمعة تشير إلى أن النظام الدولي يعيش مرحلة انتقالية، وأن موازين القوى التي حكمت العالم خلال العقود الماضية لم تعد ثابتة كما كانت.

● ما المطلوب من دول المنطقة والشعوب في ظل هذه المرحلة الانتقالية؟

●● المطلوب أولاً امتلاك وعي استراتيجي مستقل، وعدم تعليق الآمال على المنظومات الرسمية وحدها أو على الاتفاقيات التي تتحرك ضمن سقوف النظام الدولي.
يجب الاستثمار في بناء القدرات الذاتية، خصوصاً في الاقتصاد والتكنولوجيا والتصنيع العسكري والطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد، لأن الاستقلال السياسي لا يمكن أن يتحقق من دون استقلال في مصادر القوة.

كما يجب استغلال التنافس بين القوى الكبرى والتصدعات التي تظهر في النظام الدولي لصالح بناء بدائل إقليمية مستقلة.

تحالف مكة يمكن أن يكون خطوة مهمة إذا تطور إلى منظومة متكاملة للتنسيق الدفاعي والتصنيع العسكري والتعاون الاقتصادي، لكنه قد يبقى مجرد ترتيب أمني محدود إذا لم تنتقل الدول الثلاث من التنسيق السياسي إلى بناء قدرة استراتيجية مشتركة قادرة على اتخاذ القرار والتأثير في موازين القوى.

اترك تعليقا