النينيو.. قنبلة مناخية قد تعصف باقتصاد العالم

ظاهرة مناخية تعود بقوة أكبر وسط اضطرابات جيوسياسية

في وقت لا يزال فيه الاقتصاد العالمي يحاول استعادة توازنه بعد سنوات من التضخم والأزمات الجيوسياسية، تلوح في الأفق موجة جديدة من المخاطر لا ترتبط بالأسواق المالية أو النزاعات العسكرية فقط، بل بالمناخ أيضًا، فالتوقعات المتزايدة بحدوث ظاهرة «النينيو الفائق» خلال دورة 2026-2027 تثير مخاوف واسعة لدى المؤسسات الاقتصادية، بعدما حذرت بنوك استثمارية ومراكز أبحاث من أن العالم قد يواجه واحدة من أكبر الصدمات الغذائية خلال العقود الأخيرة، ومع تزامن هذه الظاهرة مع اضطرابات أسواق الطاقة والأسمدة والنقل، تتزايد المخاوف من موجة تضخم غذائي طويلة الأمد قد تمتد آثارها حتى عام 2028، لتضع الحكومات والبنوك المركزية أمام تحديات اقتصادية معقدة.

ظاهرة تاريخية تتكرر بقوة أكبر..

تُعد ظاهرة «النينيو» إحدى أبرز الظواهر المناخية الطبيعية في العالم، وتنشأ نتيجة ارتفاع غير طبيعي في درجات حرارة المياه السطحية بالمحيط الهادئ الاستوائي، ما يؤدي إلى تغيرات واسعة في أنماط الرياح والأمطار ودرجات الحرارة على مستوى الكرة الأرضية، وسُمّيت ظاهرة “الـ نينيو” بهذا الاسم نسبة إلى أنها تعني بالأسبانية “الطفل” أو “الطفل يسوع”، إذ لاحظ الصيادون على “سواحل بيرو” بأميركا الجنوبية منذ قرون ظهور تيار مائي دافئ في “المحيط الهادئ” بالتزامن مع احتفالات عيد الميلاد خلال شهر ديسمبر، الذي يحتفل فيه المسيحيون بميلاد السيد المسيح.

ومع تطور علوم المناخ، أصبح الاسم يُطلق على واحدة من أهم الظواهر المناخية العالمية المؤثرة في أنماط الطقس والإنتاج الزراعي والاقتصاد حول العالم، وقد بدأ فهمها العلمي يتبلور في “أواخر القرن التاسع عشر”، قبل أن يثبت العلماء خلال “القرن العشرين” ارتباطها المباشر بالتغيرات المناخية العالمية، فيما جرى تطوير أنظمة رصدها والتنبؤ بها بصورة دقيقة منذ “ثمانينيات” القرن الماضي.

وسجل العالم عدة دورات قوية لـ”النينيو”، أبرزها أعوام “1982-1983″ و”1997-1998” و”2015-2016″، إضافة إلى دورة “2023-2024″، التي تسببت في موجات حر قياسية وجفاف وفيضانات في مناطق واسعة من العالم، أما التوقعات الحالية، فتشير إلى أن دورة “2026-2027″ قد تتحول إلى ما يعرف إعلاميًا بـ”النينيو الفائق” أو “غودزيلا”، مع احتمال يتجاوز 60% لارتفاع حرارة سطح “المحيط الهادئ” بأكثر من درجتين مئويتين فوق المعدلات الطبيعية، وهو مستوى يُصنف ضمن أشد الحالات المسجلة تاريخيًا، ويخشى العلماء أن يؤدي ذلك إلى موجات جفاف واسعة في “آسيا” و”إفريقيا” وأجزاء من “أميركا الجنوبية”، مقابل فيضانات وعواصف أكثر شدة في مناطق أخرى، بما يضاعف حجم الخسائر الزراعية.

صدمة غذائية تهدد الاقتصاد العالمي..

لا تقتصر آثار “النينيو” على تغير الطقس، بل تمتد سريعًا إلى “الاقتصاد العالمي” عبر الزراعة وسلاسل الإمداد، فالمحاصيل الزراعية تعتمد بصورة مباشرة على انتظام الأمطار ودرجات الحرارة، وهو ما يجعل “الأرز” و”القمح” و”الذرة” و”فول الصويا” و”قصب السكر” و”القهوة” و”الكاكاو” و”زيت النخيل” من أكثر السلع عرضة للتأثر، كما تؤثر الظاهرة في مستويات المياه داخل الأنهار والقنوات الملاحية، ما يرفع تكاليف النقل ويبطئ حركة التجارة العالمية.

وتشير تقديرات مؤسسات مالية دولية إلى أن “أسعار السلع الغذائية” قد ترتفع بنحو 15% عالميًا إذا بلغت الظاهرة ذروتها، بينما قد تقفز أسعار بعض المحاصيل الحساسة بنسبة تتراوح بين 50 و100% في حال تضرر الإنتاج بصورة واسعة، كما تتوقع بعض الدراسات أن ينخفض الإنتاج الزراعي العالمي بأكثر من 14%، مع خسائر اقتصادية قد تتجاوز 340 مليار دولار.

في حين قد لا تظهر التأثيرات الكاملة لهذه الصدمة قبل النصف الثاني من عام 2028، بسبب الفارق الزمني بين مواسم الزراعة والحصاد وانتقال التكاليف عبر سلاسل التوريد، ويعني ذلك أن الضغوط التضخمية قد تستمر لسنوات، ما يحد من قدرة البنوك المركزية على خفض “أسعار الفائدة” ويؤخر تعافي الاقتصاد العالمي.

تحديات مركبة ومخاطر على الأمن الغذائي..

تأتي المخاوف من «النينيو الفائق» في توقيت بالغ الحساسية، إذ يواجه العالم بالفعل اضطرابات في “أسواق الطاقة” و”الأسمدة” و”النقل” نتيجة التوترات الجيوسياسية، وهو ما يجعل تأثير الظاهرة المناخية أكثر حدة، ويرى “خبراء الاقتصاد” أن العالم قد يتعرض لـ”صدمة مزدوجة”، تجمع بين “اختلالات المناخ” و”تقلبات الأسواق”، وهو ما قد ينعكس على “الأمن الغذائي العالمي”، خاصة في الدول منخفضة الدخل التي تعتمد على استيراد الغذاء وتملك قدرة محدودة على امتصاص ارتفاع الأسعار.

وتتوقع مراكز الأبحاث أن تتعرض “الهند” لمواسم أمطار أضعف من المعتاد، بما يهدد إنتاج “الأرز” و”القمح” و”قصب السكر”، بينما قد يؤدي الجفاف في “جنوب شرق آسيا” إلى تراجع “إنتاج زيت النخيل”، كما ستواجه “البرازيل” و”دول أميركا الجنوبية” مخاطر فيضانات تؤثر في (محاصيل القهوة والكاكاو وفول الصويا)، ومع استمرار الارتفاع العالمي في درجات الحرارة، يحذر الخبراء من أن دورات “النينيو” المقبلة قد تصبح أكثر تكرارًا وشدة، ما يحولها من ظاهرة مناخية دورية إلى عامل اقتصادي دائم يفرض على الحكومات الاستثمار في الزراعة المقاومة للمناخ (بمعني توجيه الأموال والتقنيات والسياسات نحو تطوير قطاع زراعي قادر على تحمل آثار التغيرات المناخية)، وتعزيز المخزونات الإستراتيجية، وتطوير سلاسل الإمداد، حتى لا تتحول التقلبات المناخية إلى أزمات اقتصادية وغذائية عالمية متكررة.

اترك تعليقا