إنهم يبنون عالمًا ديستوبيًا
سلجوك توركيلماز يكتب
- dr-naga
- 12 يوليو، 2026
- مقالات وتحليلات
- أوروبا, إسرائيل, الأطفال الفلسطينيين, الاستعمار الجديد, الامبريالية, الكوفية الفلسطينية, الولايات المتحدة
نشهد في أوروبا والولايات المتحدة أحداثًا لافتة ومثيرة للدهشة. ففي لوكسمبورغ، فُصلت معلمة في روضة أطفال من عملها بسبب دعمها للأطفال الفلسطينيين. وفي كندا، تعرض طالب في المرحلة الثانوية للعنف خلال حفل تخرجه لأنه صعد إلى المنصة مرتديًا الكوفية الفلسطينية، قبل أن تُنزع عنه بالقوة من فوق ثوب التخرج. أما في الولايات المتحدة، فقد أنكر وزير الصحة الإسرائيليين ارتكابهم جريمة الإبادة الجماعية، وادعى أن الصهاينة هم الضحايا. والأكثر إثارة للانتباه أن هذا المسؤول اشتكى أيضًا من تزايد أعداد الفلسطينيين في الدول المحيطة بإسرائيل. كما تستحق تصريحات الرئيس الأرجنتيني بشأن إسرائيل التوقف عندها، إذ قال: «إسرائيل هي قلعة الغرب، وهي الجدار الذي يقف في وجه تصاعد العداء للغرب. إن المعركة ضد إسرائيل لن تتوقف عند حدودها، فإذا سقطت إسرائيل فسيتوجهون إلى العالم الغربي، وإذا تمكنوا من القضاء على إسرائيل فسيسعون إلى القضاء على الغرب بأسره.»
إن هذه الأحداث والتصريحات لا تنسجم مع الصورة الذهنية الراسخة عن الغرب في أذهاننا، ولذلك تبدو صادمة. فنتيجة أكثر من قرنين من الاستعمار الفكري، أصبحت هناك فجوة هائلة بين الغرب الذي تشكل في وعينا، وبين ما نشهده اليوم من وقائع ونسمعه من مواقف.
وحتى وقت قريب، كان كثيرون يوجهون الاتهامات إلى القوى المناهضة للإمبريالية، وللأسف فإن عدد الذين تبنوا هذا الخطاب الاتهامي أكبر مما يُظن. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، لم يترددوا في ربط الإسلام والمسلمين بالإرهاب. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عامًا، استخدموا مفهوم «الإرهاب» كسلاح سياسي، محاولين من خلاله إبعاد الحركات الخارجة عن المنظومة في العالم الإسلامي عن أهدافها. ويمكن القول إنهم نجحوا إلى حد كبير في ذلك.
فقد استُخدمت تهمة الإرهاب بفاعلية كبيرة حتى في سوريا، حيث تمكنوا من خنق الحركات الوطنية والمحلية. وفي هذا السياق أيضًا جاءت حادثة اعتراض شاحنات جهاز الاستخبارات التركي (MİT) عام 2014، إذ كان الهدف شل حركة تركيا وإضعاف قدرتها على التحرك
ولسنوات طويلة، ألصقوا بالفلسطينيين تهمة الإرهاب، وبذلك نجحوا في عزل القضية الفلسطينية. أما اليوم، فقد استنفدت هذه التهمة مفعولها، ولم يعد بإمكانهم وصف الفلسطينيين بالإرهابيين كما كان يحدث سابقًا. ويُعدّ السلوك العدائي تجاه المتضامنين مع فلسطين ورموزها في الدول الأوروبية وكندا دليلًا واضحًا على هذا التحول.
ويمكن التوقف قليلًا عند تصريحات وزير الصحة الأمريكي روبرت ف. كينيدي الابن والرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي. فتصريحاتهما لا تختلف في جوهرها عن العنف الذي تعرضت له المعلمة في لوكسمبورغ أو الطالب في كندا. أحدهما وزير للصحة في الولايات المتحدة، والآخر رئيس للأرجنتين، ولذلك فإن تجاهل تصريحاتهما قد يؤدي إلى أخطاء في التقييم.
فهذان المسؤولان لم يتراجعا عن دعم إسرائيل حتى بعد أن اعترف العالم بأسره بوقوع جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب. بل ذهبا إلى أبعد من ذلك، إذ انطلقا من فكرة أن إسرائيل تخوض المعركة نيابة عن الغرب، متجاهلين أحكام المحاكم الدولية بشأن الإبادة الجماعية وغيرها من جرائم الحرب، ليزعما بصورة مباشرة أن الوجود الفلسطيني نفسه يشكل تهديدًا للغرب.
وكما حاولت أن أوضح، فإن مفهوم «الإرهاب» سقط تمامًا من خطاب الدعاية الإسرائيلية، وحلّ محله مفهوم «التهديد». وحتى بنيامين نتنياهو، الذي يتصرف بوصفه حاكمًا لمستعمرة استيطانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، يبني خطابه على هذا المفهوم. فجميع تصريحاته المتعلقة بتركيا تتمحور حول فكرة «التهديد».
واستنادًا إلى تصريحات رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان، قال نتنياهو:
«اليوم توجد هنا دولة قوية اسمها إسرائيل، ولدينا جيش إسرائيل، وشعب إسرائيل، وحكومة إسرائيل، ومن الأفضل له أن يهدأ. لن نسمح لأحد بتهديد وجودنا أو أمننا، وأعتقد أننا أثبتنا ما نستطيع القيام به.»
فبينما يصور وزير الصحة الأمريكي الفلسطينيين الذين هُجّروا من أراضيهم على أنهم يشكلون تهديدًا لإسرائيل، يقول الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي: «إسرائيل هي قلعة الغرب.» أما نتنياهو فيؤكد أن هذه القلعة تواجه تهديدًا. ومن اللافت أن ثلاثة أشخاص مختلفين يرددون الخطاب نفسه.
ولم يبقَ سوى جمع هذه العبارات والمفاهيم في إطار صورة واحدة متكاملة ومحاولة تفسيرها. فالأشخاص الذين اعتدوا على المعلمة في لوكسمبورغ وعلى طالب المرحلة الثانوية في كندا هم أيضًا جزء من هذه الصورة نفسها. ولا يختلف هذا السلوك وهذه التصريحات عن الموقف العدائي الذي اتخذه المستوطنون في مستعمرات أمريكا الشمالية تجاه القبائل الأصلية.
فهؤلاء ليسوا مدافعين عن دين، ولا ممثلين للعالم الغربي بكل تنوعه. كما أنهم لا يكترثون بالمحرقة (الهولوكوست) ولا بحماية حياة اليهود. إنهم، ببساطة، مستعمرون جدد يسيرون في جبهة واحدة، يعملون على تحقيق يوتوبيا خاصة بهم، بينما يقيمون للآخرين عالمًا ديستوبيًا قائمًا على الإقصاء والمعاناة.
المصدر: يني شفق التركية
