بعد حرب إيران.. هل تراجع نفوذ منظمات الطاقة في أسواق النفط؟

دور تاريخي في استقرار الإمدادات.. وتحديات تفرضها التحولات الجيوسياسية

منذ أكثر من ستة عقود، تشكلت منظومة عالمية لإدارة سوق الطاقة تقوم على ثلاثة أطراف رئيسية؛ منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) التي تمثل مصالح كبار المنتجين، وتحالف أوبك+ الذي وسّع دائرة التنسيق بين المنتجين، ووكالة الطاقة الدولية (IEA) التي تمثل بالأساس الدول الصناعية المستهلكة للطاقة.

 وعلى الرغم من اختلاف أهدافها، فإن المؤسسات الثلاث أصبحت ركائز أساسية لاستقرار «أسواق النفط»، خصوصاً خلال الحروب والأزمات الاقتصادية والكوارث الطبيعية، إلا أن الحرب الأخيرة مع “إيران” وما رافقها من اضطرابات غير مسبوقة في إمدادات الطاقة أعادت طرح تساؤلات بشأن مدى استمرار النفوذ التقليدي لهذه المؤسسات في ظل تغيرات هيكلية يشهدها سوق الطاقة العالمي.

 أدوار مختلفة في سوق الطاقة..

تأسست «أوبك» في “مؤتمر بغداد” خلال الفترة من (10 إلى 14 سبتمبر 1960) بمبادرة من “السعودية” و”العراق” و”إيران” و”الكويت” و”فنزويلا”، بهدف تنسيق السياسات النفطية للدول المنتجة وتحقيق الاستقرار في الأسواق وضمان عوائد عادلة للدول الأعضاء، وتضم المنظمة حالياً عدداً من كبار المنتجين، بينهم “السعودية” و”العراق” و”إيران” و”الكويت” و”الإمارات سابقًا” و”ليبيا” و”الجزائر” و”نيجيريا” و”فنزويلا” و”الكونغو” و”غينيا الاستوائية” و”الجابون”، فيما انسحبت منها عدة دول خلال السنوات الماضية، ويعتمد نفوذ المنظمة على نظام حصص الإنتاج الذي يسمح لها بالتأثير في مستويات المعروض والأسعار العالمية.

وفي “عام 2016” ظهر تحالف «أوبك+» ليضم أعضاء «أوبك» إلى جانب منتجين كبار من خارجها، أبرزهم “روسيا” و”كازاخستان” و”سلطنة عُمان” و”المكسيك” و”أذربيجان” وعدد آخر من الدول، بهدف تنسيق سياسات الإنتاج في مواجهة انهيار أسعار النفط آنذاك، وقد أثبت التحالف فاعلية كبيرة خلال “جائحة كورونا”، عندما قاد أكبر خفض جماعي للإنتاج في تاريخ الصناعة للمساعدة في إعادة التوازن، بعدما شهدت الأسواق انهياراً تاريخياً في الطلب على النفط.

في المقابل، تأسست «وكالة الطاقة الدولية» “عام 1974” في أعقاب “أزمة النفط العالمية”، وتضم في عضويتها الدول الصناعية التابعة لـ”منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية”، ويتركز دورها في تعزيز “أمن الطاقة”، وإدارة الاحتياطيات الاستراتيجية للدول الأعضاء، وإصدار الدراسات والتوقعات الخاصة بأسواق النفط والغاز والطاقة النظيفة، فضلاً عن تنسيق عمليات السحب الجماعي من المخزونات الاستراتيجية عند حدوث اضطرابات كبيرة في الإمدادات، وخلال الأزمات المتعاقبة، لعبت “منظمة أوبك” و”تحالف أوبك+” دور “مُنظم المعروض”، بينما أدت “وكالة الطاقة الدولية” دور “صمام الأمان” للمستهلكين عبر استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية وتقديم تقييمات دورية للأسواق.

هل تراجعت أهميتها بعد حرب إيران؟

رغم أن الحرب الأخيرة مع “إيران” كشفت حدود قدرة المؤسسات التقليدية على منع الصدمات الجيوسياسية، فإنها لم تُلغِ دورها، فقد تسببت الحرب في أكبر اضطراب لإمدادات النفط في التاريخ الحديث، مع تعطل ملايين البراميل يومياً وإغلاق أو تقييد الملاحة عبر «مضيق هرمز»، وهو ما دفع “وكالة الطاقة الدولية” إلى تنسيق عمليات سحب قياسية من الاحتياطيات الاستراتيجية، في حين سارعت “أوبك” و”أوبك+” إلى تعديل سياسات الإنتاج وزيادة الإمدادات تدريجياً لتخفيف الضغوط على الأسواق.

غير أن الأزمة أبرزت أيضاً أن العوامل العسكرية والجيوسياسية أصبحت في كثير من الأحيان أكثر تأثيراً من قرارات خفض أو زيادة الإنتاج، كما أن تنامي “إنتاج النفط الأميركي”، وارتفاع مساهمة المنتجين من خارج “منظمة أوبك”، وتسارع التحول نحو الطاقة المتجددة، كلها عوامل قلصت القدرة المطلقة للمنظمة على توجيه السوق مقارنة بما كانت عليه خلال “سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي”.

ومع ذلك، لا تزال المؤسسات الثلاث تمثل الإطار الأكثر تأثيراً في إدارة أسواق الطاقة العالمية؛ إذ أن «أوبك» تملك القدرة على تنسيق جانب كبير من الإمدادات العالمية، بينما تبقى “وكالة الطاقة الدولية” المرجع الأبرز لتوقعات السوق وإدارة أمن الطاقة لدى الاقتصادات الكبرى، وهو ما يجعل دورها يتغير ويتطور أكثر مما يتراجع أو يختفي.

اترك تعليقا