ما الذي حققته معركة طوفان الأقصى استراتيجيا ؟
علي ابو رزق يكتب
- dr-naga
- 5 يوليو، 2026
- مقالات وتحليلات
- طوفان الأقصى, غزة
هذه الساعات توافق ذكرى مرور ألف يوم منذ معركة طوفان الأقصى، منذ اللحظة التي كسر فيها مئات الشباب من قطاع غزة قيود تسعة عشر عاما من الحصار والإغلاق والتضييق، ويبدو أن القيود التي كُسرت في ذلك اليوم، لم تكن قيود الحواجز الأمنية والأسلاك الشائكة فحسب، بل قيود سياسية وجغرافية واستراتيجية عاشت سنوات طويلة وظلت ترسم ملامح الصراع لعقود.
فرغم الألم الشديد جدا جدا الذي رافق هذه المعركة وحرب الإبادة أو المحرقة التي أفرزتها، إلا أنها كانت سببا مباشرا وغير مباشر في عدد من التحولات الاستراتيجية، ليس على القضية الفلسطينية فحسب، بل على المنطقة ككل، فمن عودة الاشتباك في المنطقة من فلسطيني إسرائيلي حصرا إلى اشتباك على مستوى الإقليم، إلى تحول إسرائيل إلى دولة منبوذة، وعبء حتى على أقرب حلفائها التاريخيين، إلى كشف كوامن قوة جديدة لم تختبرها أو تجرّبها المنطقة منذ عقود، إلى اختبار حدود القوة الأمريكية والإسرائيلية بعد حرب شهدت أعلى معدل طلعات جوية في تاريخ الحروب وانتهت دون تحقيق نصر مباشر وسريع على أي من الجبهات الثلاث.
أولا، معركة طوفان الأقصى أعادت الصراع إلى أصله وتعريفه الصحيح، صراع عربي-إسلامي ضد إسرائيل أو إقليمي إسرائيلي وليس صراعا يخص الفلسطينيين فقط. فبعد عقود من توقيع اتفاقية كامب ديفيد ووادي عربة واستفراد إسرائيل بالفلسطينيين، كشفت حرب طوفان الأقصى عن إمكانية اندلاع أكثر من جبهة لقتال إسرائيل، صحيح أن هذه الجبهات خاضت معاركها منفردة وليس بالطريقة والكيفية والتوقيت الذي تمناه الفلسطينيون، لكن حروب إسرائيل مع هذه الجبهات تركت ندوبًا عميقة وجروحا غائرة عند شعوبها وشعوب المنطقة ككل، وأبقت الباب مواربا نحو مواجهات جديدة مستقبلا، في ظل عجز إسرائيل عن تحقيق انتصار حاسم وسريع على أي من الجبهات، وخصوصًا في جنوب لبنان واليمن وإيران.
ويعزز هذا التقدير استمرار الحديث داخل المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية عن احتمالات تجدد المواجهة مع إيران، وهو ما عكسه تصريح وزير الحرب الإسرائيلي يتسرائيل كاتس قبل أيام، عندما أشار إلى أن حربًا ثالثة مع إيران قد تصبح ضرورية في المستقبل القريب. كما أن الاحتلال الإسرائيلي لمناطق ضخمة في جنوب سوريا وتوغلاته المتكررة في مناطق ريف درعا واعتداءاته على الأهالي هناك قد يدفع باتجاه تشكل جبهة اشتباك جديدة مع إسرائيل، مهما حاولت القيادة السورية الجديدة احتواء هذه المواجهات أو تأجيلها. وهذه الجبهة، إن فُتحت، فمن المرجح أن تحمل أبعادًا إقليمية أوسع، في ظل المكانة المتقدمة التي باتت تحتلها سوريا ضمن حسابات النفوذ والمصالح التركية في المنطقة.
ثانيا، مثلت معركة طوفان الأقصى نقطة تحوّل استراتيجية أيضا، نقلت إسرائيل من موقع “الضحية التاريخية” التي استنزفت الغرب وابتزّت نخبه ومثقفيه وسياسييه ورجال أعماله إلى دولة منبوذة وتعاني من العزلة السياسية والأخلاقية، وهذا بنص صريح من يوسي بيلين، أحد أهم السياسيين والمنظّرين الإسرائيليين. فالجرائم المتخيلة وغير المتخيلة التي ارتكبتها إسرائيل على مدار عامين من حرب الإبادة، ومجازرها المسبوقة وغير المسبوقة بحق الأطفال والنساء، وقصفها للمستشفيات والمدارس والجامعات دون أي اعتبار، جعلها تتحول تدريجياً إلى دولة عبء، ليس على النظام الدولي الذي سمح بهذا المستوى الفج من الجرائم فحسب، بل على حلفائها التقليديين أيضا. فلم يكن يتخيل أحد، قبل سنوات من الآن، مثلا، أن يصرح نائب الرئيس الأمريكي أن إسرائيل لم تعد تمتلك أي حليف في العالم، وأن عليها الحفاظ على صديقها الوحيد.
كما أن هناك بعض التطورات التي جرت وأكدت أن ما كان من المحرمات السياسية قبل سنوات، مثل انتقاد تل أبيب داخل الكونجرس الأمريكي ومعظم البرلمانات الأوروبية وتجاوز الأيباك في الحصول على الدعم السياسي، بات مستوعبا ومنطقيا وضروريا الآن. وهذا ما أكده الصحفي الإسرائيلي “بن سامويلز” المقيم في واشنطن في مقال لهآرتس قبل أيام، إذ حذر أن المسألة لم تعد في نقد أيباك بوصفها لاعبا ضخما في السياسة الأمريكية الداخلية، بل في لغة تختزل أزمات أمريكا كلها في إسرائيل أو في اللوبي المؤيد لها. كما أن هذا التحول لم يقتصر على البعد السياسي فقط، بل امتد إلى مأسسة الملاحقة القانونية عبر مثول إسرائيل أمام المحاكم الدولية بتهم الإبادة الجماعية وملاحقة جنودها وقادتها في معظم دول العالم، وهذا كله جاء مدفوعا بحراك شعبي عالمي وأساطيل بحرية وحملات مقاطعة أكاديمية واقتصادية وثقافية واسعة، ما أفقدها شرعيتها الأخلاقية وأظهرها ككيان في مواجهة العالم وليس دول المنطقة فحسب، وهو متغير استراتيجي يُضعف مرتكزاتها الوجودية على المدى البعيد بشكل يوازي أثر الهزائم العسكرية القريبة والمباشرة.
ثالثا، كان من أثر معركة طوفان الأقصى المباشر وغير المباشر أنها أعادت تعريف الوزن الجيوسياسي للمنطقة، وكشفت عن كوامن قوة لدى فاعليها لم تكن قد اختبرت أو جُرّبت من قبل، بهذه الكيفية على الأقل. فقد أظهرت هذه الحرب أن منطقة الشرق الأوسط ليست منطقة غنية بالنفط والغاز فقط، بل تمتلك شرايين التجارة العالمية والتي من الممكن أن تتحول لسلاح استراتيجي فعّال إن أُحسن التخطيط لها وامتلك أصحابها الإرادة الحقيقية للتهديد بها واستعمالها. فخلال أشهر قليلة، تحوّل مضيقا باب المندب وهرمز إلى عاملين حاسمين في الحسابات العسكرية والاقتصادية الدولية، وأصبح أي تهديد لحركة الملاحة فيهما كفيلًا بإرباك أسواق الطاقة، ورفع تكاليف الشحن والتأمين، وإجبار كبرى شركات الملاحة على تغيير مساراتها، مما هدد الاقتصاد العالمي بالوقوع في أزمة كبيرة تتجاوز في فداحتها أزمتي 2008 و1997.
فالاستهداف المستمر للسفن الإسرائيلية من قبل جماعة أنصار الله في اليمن، وفشل وقف الاستهداف عبر القوة العسكرية الإسرائيلية والأمريكية، كما أن إغلاق مضيق هرمز منذ الأيام الأولى للحرب الإيرانية، وفشل الولايات المتحدة بإعادة فتحه وتأمين دخول السفن بالقوة العسكرية، لم يؤثر على الاقتصاد الإسرائيلي أو الاقتصاد العالمي فحسب، بل ذكّر العالم بحقيقة طالما جرى تجاهلها تحت وقع الهيمنة الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة، أن الجغرافيا لا تقل تأثيرًا عن القوة العسكرية، وأنه بالفعل يمكن أن تشكل المضائق أوراق قوة تعادل أسلحة ردع استراتيجية، كما كان يكرر مستشار المرشد الإيراني محمد مخبر باستمرار أن مضيق هرمز بات يمثل لإيران ورقة قوة تعادل القنبلة النووية.
رابعا، والأهم، كشفت معركة طوفان الأقصى والحروب التي أفرزتها عن حدود القوة العسكرية الإسرائيلية والأمريكية، وأظهرت أن التفوق الجوي والتكنولوجي، والترسانات العسكرية التقليدية، والشيك المفتوح لارتكاب المجازر المتخيلة وغير المتخيلة، لم تعد وحدها كافية لحسم الصراعات المعاصرة أو كسر إرادة الخصوم. فقد خاضت إسرائيل، بغطاء سياسي أمريكي وغربي شبه مطلق، وبدعم عسكري واستخباراتي ولوجستي من الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا، حربًا على قطاع غزة سجّلت أعلى معدلات للطلعات الجوية، وإحدى أكثر حملات القصف المكثف في التاريخ الحديث قياسًا إلى المساحة الجغرافية. كما خاضت حربين متتاليتين في جنوب لبنان، ومواجهة عسكرية مباشرة مع إيران استمرت أسابيع، ومع ذلك لم تتمكن من تحقيق نصر سريع وحاسم ومطلق في أي من الجبهات.
وتجلّى هذا الإخفاق العسكري في اهتزاز إحدى الركائز الأساسية للعقيدة الأمنية الإسرائيلية، المعروفة ب “الحرب الخاطفة”، بعدما تحولت المواجهات إلى حروب استنزاف طويلة ومكلفة. كما فشلت الحرب على جنوب لبنان في كسر العقيدة القتالية لدى مقاتلي حزب الله، وفشلت المواجهة الأولى والثانية مع إيران في إخضاعها أو فرض الإرادة السياسية الأمريكية عليها، رغم الحشد العسكري غير المسبوق الذي شمل حاملات طائرات، وجسورًا جوية، وتحالفات بحرية واسعة، وقد أكد هذا كله، من منظور استراتيجي، أن التفوق التكنولوجي والاستخباري لواشنطن وتل أبيب عاجز عن تحقيق نصر عسكري حاسم وسريع أمام قوى محلية وإقليمية عندها من الإرادة اللازمة ما يمكّنها من تحويل أي مواجهة إلى حرب استنزاف طويلة ومفتوحة…!
