سفراء امريكا من غير الدبلوماسيين

حافظ الميرازي يكتب

سفير امريكا الجديد لمصر، محامٍ بعقدتين:
اسم شهرة يتندر به المصريون، ولقب يفضلونه

كثيرون من سفراء أمريكا شأنهم شأن أغلب وزراء خارجيتها ليسوا من السلك الدبلوماسي الذين مارسوا عمله وترقوا فيه بل هي تعيينات سياسية من شخصيات عامة أو كان لها دور في الحملات الانتخابية لكل رئيس.
وقد ازدادت هذه النسبة في عهد ترامب مقارنة بسفراء أمريكا من الدبلوماسيين في عهد بايدن، الذي كان من سفرائه الدبلوماسيين للمنطقة، آخر سفيرة عينها لمصر/ هيرو مصطفى جاراج، وهي من أصل كردي عراقي ومن مواليد إربيل، وتعمل بالسلك الدبلوماسي الأمريكي منذ 1999.

بينما اتسمت تعيينات ترامب بالعلاقات الشخصية لعدد من سفرائه، وكان من أبرزهم سفير أمريكا الحالي إلى فرنسا: المقاول تشارلز كوشنر، والد جاريد زوج إيفانكا ابنة ترامب الكبرى. وكذلك سفيرة أمريكا إلى اليونان، واسمها كمبرلي غيلفويل التي كانت صديقة وخطيبة دونالد ابن ترامب الكبير، حتى أُعيد انتخاب والده للرئاسة وقامت بدور فعال بحملته، ثم تركها دون جونيور وتزوج مؤخرا بثالثة غنية، ويبدو ان الأب ترامب عوّض صديقة ابنه المهجورة بسفارة أمريكا في اليونان!

من هنا لم يكن غريبا اختيار ترامب سفيرا له إلى مصر، شخصية ليست دبلوماسية ولا حتى سياسية، ضمن قائمة خمسة اسماء سفراء لدول إفريقية أرسلها البيت الأبيض إلى الكونجرس الأمريكي طلبا لموافقة مجلس الشيوخ، الاثنين الماضي.

مرشح ترامب ليكون سفير أمريكا لدى مصر، من مهاجري المانيا (الغربية) إلى أمريكا واسمه الكامل نيكولاس أوربهايدن وهو محام متخصص في القضايا الحكومية الفيدرالية، ولديه شركة محاماة كبيرة تضم مايك بومبيو وزير الخارجية الأسبق في فترة ترامب الأولى وقبلها تولى بومبيو إدارة المخابرات المركزية CIA.

ورغم التكتم على الكثير من مئات القضايا التي تولاها مكتبه للمحاماة دفاعا عن حكومات ومصالح اجنبية او اختلاسات وغسيل اموال، نظرا لطابع السرية في وثائق بعضها، لكن السيد اوربهايدن يتباهى على صفحة مكتبه ببعض القضايا مثل قضايا مكافحة الإرهاب وتعويض ضحاياها من الأمريكيين، وأبرزها قضية لتعويض اي إسرائيلي أمريكي او امريكي من جنسية مزدوجة اخرى عن اي ضرر لحقه وذويه من هجمات السابع من اكتوبر 2023 التي قامت بها حماس تحت اسم “طوفان الأقصى” ويسعى محاموه إلى أخذ التعويضات من أي أموال مجمدة لدول وبنوك متهمة بدعم حماس في “الإرهاب” وعلى رأسها ايران وسوريا. لكن لاتوجد لديه قضايا لتعويض الأمريكيين من اصل فلسطيني أو لبناني من ضحايا جرائم الحرب الاسرائيلية في غزة والأراضي المحتلة!

بيد أن مشكلة سفير أمريكا الجديد في الإعلام المصري، مختلفة تماما عن السياسة ونشاطه كمحام. بل ظهرت في التعليقات الساخرة بوسائل التواصل الاجتماعي على اسمه الاول”نيك” اختصارا لاسمه الرسمي “نيكولاس” أي نيقولا.
ورغم أن كتابة الاسم Nick حتى بالعربية يجب ان تكون صحفيا حسب النطق أي “نك” بدون الياء وليس بنفس الحروف المكتوب بها اسمه بلغته، لكن يبدو من الإصرار على تفضيل تعريفه ب”نيك” بدلا من نك أو حتى نيكولاس، بأنها حجة لتصفية حسابات شعبية مع مبعوث ترامب للمنطقة!

نأتي للعقدة الثانية وهي في صالحه في مصر “كبلد شهادات” أو ولع بالألقاب كما يقولون!
فخلافا لكل المحامين الكبار الذين يعملون مع السيد اوربهايدن بمكتبه، فهو يفضل استخدام لقب “دكتور” قبل اسمه.

نك أوبرهايدن (تحديث وتصحيح)حاصل على شهادة دكتوراة في فلسفة القانون من المانيا، ويصر على تعريف نفسه بلقب Dr دكتور.
صحيح ان كل خريجي كليات القانون في امريكا يحملون شهادة J.D. Jurist Doctorate وهي ليست PhD فلسفة في القانون.
وقد طلبت نقابة المحامين الامريكيين Bar Association من كل اعضائها منذ الستينيات عدم تعريف أنفسهم بلقب “دكتور” لأن فيها قدرا من التفاخر الذاتي، كما ان ذلك، وهو الأهم، يؤدي إلى خلط شعبي بين عمل المحامي او حتى الباحث الجامعي الحاصل على درجة دكتوراة فلسفة، وبين الطبيب، وهو الوحيد في أمريكا الذي يجب تعريفه للمصلحة العامة وفي حالات الطوارئ بدكتور، كحاصل على M.D: Medical Doctorate

لكن السفير الأمريكي المعين اوبرهايدن مهاجر من المانيا، شأنه شأن البروفيسور هنري كيسنجر الذي كان يتمسك بلقب دكتور، وكان استاذا جامعيا، لان كيسنجر كان يدرس ويحمل PhD دكتوراة الفلسفة،في العلوم السياسية، ويعرف نفسه دكتور. لكن التسمية لم تستمر إعلاميا كثيرا معه لعدم قبول الصحافة الأمريكية تسمية بروفيسور (استاذ جامعي) بلقب دكتور، والذي يجب ان يٌستخدم فقط لتعريف الطبيب.

وهي نفس المشكلة التي واجهتها الصحافة مع جيل بايدن زوجة الرئيس السابق، فحين انتٌخب زوجها رئيسا 2020 طلب مكتبها من الصحافة تعريفها ب”السيدة الأولى د. جيل بايدن” لأنها بروفيسور حصلت على درجة دكتوراة الفلسفة منذ عام 2008 في المجال التعليمي. لكن الإعلام الأمريكي لم يستجب لطلبها وتندر على ذلك، بقول بعض المعلقين: “الدكتور الوحيد هو الذي يمكنه ان يرفع يده بنعم لمضيفة الطيران حين يسأل قائد الطائرة في حالة طوارئ صحية لأحد الركاب قائلا لكل الركاب: “هل يوجد معنا هنا “دكتور” لمساعدتنا؟”
بالتأكيد، سيجد سفير أمريكا الجديد لدى مصر حين يوافق الكونجرس على تعيينه وعند اول حفل استقبال بقيمه بالقاهرة، أن نصف طابور المهنئين له من المصريين ممن يحملون لقب “دكتور” سواء كمحامين او علاقات عامة وإدارة أعمال او اي شهادة بها حرف D في مختلف التخصصات، والتي لاتمت للقب بصلة، سوى الأطباء منهم!

اترك تعليقا