بين الضغوط والتنازلات.. هل ستفرط إيران في مخزونها النووي؟

440 كيلوجراماً من اليورانيوم ترسم ملامح واحدة من أعقد المفاوضات

في الوقت الذي تتواصل فيه الاتصالات بين الولايات المتحدة وإيران للحفاظ على وقف إطلاق النار الهش الذي تم خرقه عدة مرات من الطرفين، وفتح الباب أمام جولة جديدة من المفاوضات النووية، يبرز ملف “اليورانيوم الإيراني” عالي التخصيب باعتباره العقبة الأكثر حساسية وتعقيداً على طاولة التفاوض.

فبعد الضربات الإسرائيلية والأمريكية التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية في يونيو الماضي، لم يعد السؤال الرئيسي يدور حول حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية النووية، بل حول مصير مئات الكيلوجرامات من “اليورانيوم المخصب” التي يُعتقد أن جزءاً كبيراً منها نجا من القصف وبقي مخزناً في مواقع محصنة تحت الأرض، وبينما تصر واشنطن على منع طهران من امتلاك أي قدرة محتملة لإنتاج سلاح نووي، ترى إيران في هذا المخزون ورقة استراتيجية يصعب التخلي عنها بسهولة.

الهدف الأهم لأميريكا..

صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من سقف المطالب الأمريكية، وذلك حسب منشورات عدة له على وسائل التواصل الاجتماعي ، داعياً إيران إلى السماح للولايات المتحدة باستخراج مخزون اليورانيوم المخصب المدفون في المواقع النووية وتدميره بالتنسيق مع “الوكالة الدولية للطاقة الذرية”، ويعكس هذا الطرح حجم القلق الأمريكي من بقاء كميات كبيرة من المواد النووية المخصبة خارج نطاق الرقابة المباشرة منذ اندلاع الحرب، رغم الأضرار الواسعة التي لحقت بمنشآت التخصيب الإيرانية.

لماذا يعد اليورانيوم عالي التخصيب خطيراً؟

يشكل اليورانيوم عالي التخصيب أحد المادتين الرئيسيتين القابلتين للانشطار النووي إلى جانب “البلوتونيوم”، وهو العنصر الأساسي المستخدم في تصنيع قلب القنبلة النووية، ويُصنف “اليورانيوم” على أنه عالي التخصيب عندما تتجاوز نسبة نقائه الـ 20%، بينما يصبح صالحاً للاستخدام العسكري عند مستويات تقترب من 90%، وتكمن خطورته في أن الوصول إلى مستويات تخصيب مرتفعة يجعل عملية رفع النقاء إلى المستوى العسكري أسرع وأسهل بكثير مقارنة بالمراحل الأولى من التخصيب.

قبل الهجمات الإسرائيلية والأمريكية، كانت تقديرات “الوكالة الدولية للطاقة الذرية” تشير إلى امتلاك إيران 440.9 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، و 184.1 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 20%، و 6024.4 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 5%، و 2391.1 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 2%، وتشير تقديرات الوكالة إلى أن مخزون الـ60% وحده كان كافياً (بعد استكمال عملية التخصيب ) لإنتاج مواد انشطارية تكفي لصنع نحو عشرة أسلحة نووية.

أين اختفى اليورانيوم؟

منذ الضربات العسكرية في حرب “الاثني عشر يومًا” في يونيو 2025، لم تقدم إيران توضيحات كاملة بشأن مصير مخزونها من اليورانيوم المخصب، كما لم تسمح بعد بعودة مفتشي “الوكالة الدولية للطاقة الذرية” إلى المواقع التي كانت تُخزن فيها تلك المواد، وفي هذا السياق، رجح المدير العام للوكالة “رافائيل جروسي” أن أكثر من 200 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% ربما لا تزال موجودة داخل مجمع أنفاق في “أصفهان” لم يتعرض لأضرار كبيرة، فيما كانت كميات أخرى موزعة على منشآت نووية مختلفة من بينها “نطنز”.

ولكن لا يتركز القلق الأمريكي على المنشآت المدمرة بقدر ما يتركز على المواد النووية نفسها، فاليورانيوم المخصب بنسبة 60% يُعد الأقرب عملياً إلى المستوى المطلوب لصناعة سلاح نووي، ما يجعل أي محاولة لإعادة تشغيل البرنامج أكثر سرعة إذا بقيت هذه المواد متاحة؛ ولهذا تسعى واشنطن إلى التخلص من المخزون الحالي أو إخراجه من الأراضي الإيرانية، باعتباره الضمانة الأهم لمنع أي تسارع مستقبلي نحو إنتاج سلاح نووي.

هل كان ترامب سبباً في وصول إيران إلى عتبة الـ60%؟

في 14 يوليو عام 2015 وأثناء ولاية “باراك أوباما”، تم التوصل إلى الاتفاق النووي الإيراني والمعروف باسم “خطة العمل الشاملة المشتركة”، في العاصمة النمساوية “فيينا”، بمشاركة كلًا من إيران، الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، فرنسا، روسيا، الصين، بالإضافة إلى ألمانيا،.. كان الهدف الأساسي من الاتفاق يتمثل في إبعاد طهران عن القدرة على إنتاج سلاح نووي مقابل رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية، ونص على حصر نسبة تخصيب اليورانيوم عند 3.67% فقط، وخفض مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بشكل كبير، وتقليص عدد أجهزة الطرد المركزي العاملة، إلى جانب إخضاع المنشآت النووية لنظام رقابة وتفتيش صارم من “الوكالة الدولية للطاقة الذرية”.

هذه القيود جعلت إيران بعيدة نسبياً عن امتلاك المواد الانشطارية اللازمة لصنع سلاح نووي، ورفعت ما يعرف بـ”زمن الاختراق النووي” إلى نحو عام كامل، أي المدة التي تحتاجها طهران لإنتاج كمية كافية من اليورانيوم المستخدم في صنع قنبلة نووية إذا قررت ذلك، لكن المشهد تغير جذرياً في الثامن من مايو 2018، عندما أعلن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق، معتبراً أنه لا يضمن منع إيران بشكل دائم من تطوير قدراتها النووية ولا يتناول برنامجها الصاروخي أو نفوذها الإقليمي، ووصف الاتفاق في وقت لاحق بأنه “أسوأ اتفاق تم التفاوض عليه”، وأعادت واشنطن بعدها فرض عقوبات اقتصادية واسعة ضمن سياسة “الضغوط القصوى”، ما أدى عملياً إلى انهيار الاتفاق.

وردت إيران تدريجياً بتقليص التزاماتها النووية، فرفعت مستويات التخصيب من 3.67% إلى 5% ثم 20% وصولاً إلى 60%، كما زادت مخزوناتها من اليورانيوم المخصب وشغلت أعداداً أكبر من أجهزة الطرد المركزي المتطورة، ورغم أن تحميل طرف واحد مسؤولية التطورات اللاحقة يبقى محل جدل سياسي ودبلوماسي، فإن كثيراً من خبراء منع الانتشار النووي يرون أن انسحاب واشنطن من “اتفاق 2015” شكّل نقطة التحول الرئيسية التي سمحت للبرنامج النووي الإيراني بالتحرر من القيود التي كانت تكبح توسعه، وصولاً إلى امتلاك طهران أكبر مخزون من اليورانيوم عالي التخصيب في تاريخ برنامجها النووي.

هل يمكن نقل المخزون إلى الخارج؟

من الناحية الفنية، يؤكد خبراء “الوكالة الدولية للطاقة الذرية” أن نقل اليورانيوم عالي التخصيب عملية معقدة لكنها ممكنة نسبياً ويمكن تنفيذها وفق إجراءات أمان دولية معروفة، وقد سبق لإيران أن نقلت مواد نووية بين مواقعها المختلفة تحت إشراف الوكالة، كما جرى في فترات سابقة شحن كميات من اليورانيوم المخصب إلى خارج البلاد ضمن ترتيبات الاتفاق النووي.

ففي 28 ديسمبر 2015، أي بعد نحو خمسة أشهر من توقيع الاتفاق النووي وقبل دخوله حيز التنفيذ الكامل، قامت إيران بشحن معظم مخزونها من اليورانيوم منخفض التخصيب إلى روسيا، واحتفظت فقط بالكمية المسموح بها بموجب الاتفاق، وكان من شروط الاتفاق أيضًا أن يتعين على إيران خفض مخزونها من اليورانيوم بأكثر من 98%، من نحو 10 آلاف كيلوجرام إلى 300 كيلوجرام فقط، وهو ما تحقق عبر شحن ما يقرب من 11 طناً من اليورانيوم منخفض التخصيب إلى “روسيا”.

طهران تتمسك بورقتها الأقوى

ورغم الضغوط الأمريكية، تشير تسريبات من داخل إيران إلى وجود رفض واضح للتخلي الكامل عن مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وبحسب مصادر إيرانية.. فإن أحد السيناريوهات المطروحة يتمثل في إرسال جزء من المخزون إلى دولة ثالثة مقابل الحصول على يورانيوم منخفض التخصيب للاستخدامات السلمية، مع تخفيف تخصيب الجزء المتبقي داخل إيران بدلاً من إخراجه بالكامل.

معركة التفاوض المقبلة

يبدو أن الجولة المقبلة من المفاوضات لن تُحسم بمصير المنشآت النووية التي تعرضت للقصف، بل بمصير اليورانيوم الذي نجا من الحرب، فبينما ترى واشنطن أن التخلص من هذا المخزون شرط أساسي لإغلاق الطريق أمام أي برنامج تسلح نووي مستقبلي، تعتبره طهران أحد أهم عناصر قوتها التفاوضية وأداة ردع استراتيجية لا يمكن التفريط بها بسهولة، وبين هذين الموقفين المتباعدين، يبقى مخزون اليورانيوم عالي التخصيب بمثابة “القنبلة السياسية” التي ستحدد مستقبل المفاوضات النووية ومسار العلاقة بين إيران والولايات المتحدة خلال المرحلة المقبلة.

اترك تعليقا