ما علاقة الملف الإيراني بمشروع “أبراهام” ؟

يمكن أن يكون استكمال مسار التطبيع عقبة أمام المفاوضات مع إيران

لا تزال أصداء الحرب الأمريكية-الإيرانية تتردد في أنحاء “الشرق الأوسط”، بينما تكافح واشنطن لإيجاد مخرج سياسي من هذا الصراع الذي فتح أبواب المنطقة على احتمالات مجهولة ومتضاربة،  حيث فاجأ الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” الجميع بإحياء مشروعه المفضل وهو “اتفاقيات أبراهام”.

لم يكن التوقيت عاديًا، فبدلًا من التركيز على وقف إطلاق النار أو معالجة تداعيات الحرب أو احتواء الأزمة النووية الإيرانية، طرح “ترامب” رؤية أوسع تدعو السعودية وقطر ومصر والأردن وتركيا وباكستان إلى الانضمام إلى الاتفاقيات التي رعاها خلال ولايته الأولى، والأكثر إثارة للجدل أنه ألمح إلى إمكانية انضمام “إيران” نفسها مستقبلًا إلى هذا المسار.

هذه المبادرة أثارت موجة واسعة من التساؤلات حول دوافعها الحقيقية وإمكانية تنفيذها، خصوصًا في منطقة لم يتسنّى لها الخروج والنجاة من واحدة من أخطر المواجهات العسكرية في تاريخها الحديث، وفي وقت تتسع فيه الفجوة السياسية بين إسرائيل وجيرانها العرب أكثر من أي وقت مضى.

رهان التطبيع في توقيت مستحيل..

في 23 مايو 2026، أُجريت مكالمة جماعية بين الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” وقادة السعودية والإمارات وقطر والبحرين ومصر والأردن وتركيا وباكستان، حيث أبلغهم “ترامب” أنه إذا نجحت الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب مع “إيران”، فإنه يرغب في أن توقع دولهم اتفاقات سلام أو تطبيع مع إسرائيل ضمن إطار “اتفاقيات أبراهام”، وذلك بحسب ما أورد موقع “أكسيوس الأمريكي”.

وبعدها بيومين، وتحديدًا في 25 من نفس الشهر، نشر ترامب رسالة على منصة “تروث سوشيال” أكد فيها أن الولايات المتحدة بذلت جهودًا كبيرة لـ”حل هذا اللغز المعقد”، معربًا عن اعتقاده بأن الدول التي شاركت في تلك المحادثة ينبغي أن تنضم بصورة متزامنة إلى “اتفاقيات أبراهام”، ولم يكتفِ بذلك، بل ذهب أبعد من ذلك عندما ألمح إلى أن إيران نفسها قد تصبح جزءًا من هذا الترتيب في حال التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب ويؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار الإقليمي.

تعكس هذه التصريحات محاولة واضحة لإحياء رؤية ترامب القديمة للشرق الأوسط، والتي تقوم على توسيع دائرة التطبيع وإعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة عبر شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والأمنية، إلا أن هذه الرؤية جاءت في توقيت بالغ الحساسية، إذ كانت الحرب مع إيران قد كشفت حدود الرهانات العسكرية الأمريكية، كما أن طهران لم تُظهر أي مؤشرات على الانهيار أو الاستسلام، بل واصلت التأكيد على قدرتها على الصمود رغم الضربات التي تعرضت لها.

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى مبادرة ترامب باعتبارها محاولة لنقل النقاش من نتائج الحرب وتداعياتها إلى مشروع سياسي أشمل، يتيح له استعادة صورته كـ”صانع للاتفاقات الكبرى”، غير أن هذه الطموحات تصطدم بواقع إقليمي مختلف تمامًا عن ذلك الذي وُلدت فيه اتفاقيات أبراهام عام 2020، في ظل “حرب غزة” وتصاعد الاستقطاب الإقليمي، وانقسام المجتمع الدولي، وتراجع فرص التوصل إلى تسويات سياسية شاملة على الأقل على المدى من القريب إلى المتوسط.

“السعودية” الجائزة الكبرى وعقبة حرب غزة..

رغم أن اتفاقيات أبراهام نجحت منذ عام 2020 في إدماج عدد من الدول العربية ضمن مسار التطبيع مع إسرائيل، عبر اتفاقات وقعتها كل من الإمارات والبحرين والمغرب، إلى جانب “معاهدات السلام” الموقعة سابقًا مع مصر منذ عام 1979، والأردن منذ عام 1994 ، فإن الهدف الاستراتيجي الأكبر لـ”واشنطن” و”تل أبيب” ظل يتمثل في استقطاب السعودية إلى هذا المسار، فالمملكة لا تمثل مجرد دولة عربية أخرى يمكن إضافتها إلى قائمة الموقعين، بل تُعد أكبر قوة اقتصادية عربية، وموطن الحرمين الشريفين، وأحد أكثر المؤثرين في العالمين العربي والإسلامي، ما يجعل انضمامها قادرًا على إحداث تحول جذري في البيئة السياسية للمنطقة.

ومن منظور أمريكي-إسرائيلي، فإن تطبيع العلاقات مع “الرياض” لا يقتصر على المكاسب الدبلوماسية فحسب، بل يحمل أبعادًا استراتيجية وعسكرية بعيدة المدى، فمن شأنه أن يرسخ قبول “إسرائيل” كجزء طبيعي من النظام الإقليمي، ويعزز بناء شبكة أمنية تمتد من “الخليج” إلى “شرق المتوسط”، قادرة على مواجهة التهديدات المشتركة وفي مقدمتها “إيران”، كما أنه سيفتح المجال أمام تعاون اقتصادي وتكنولوجي وأمني غير مسبوق، ويمنح “الولايات المتحدة” فرصة لإعادة صياغة توازنات “الشرق الأوسط” ضمن تحالف إقليمي أكثر تماسكًا تحت مظلتها.

غير أن الواقع الذي أعقب توقيع “أبراهام” تغيّر بصورة دراماتيكية، فقد أعادت “حرب غزة” القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد العربي والإسلامي، وولدت ضغوطًا شعبية متزايدة على الحكومات التي تفكر في تطوير علاقاتها مع إسرائيل، ثم جاءت الحرب الأخيرة مع “إيران” لتضيف طبقة جديدة من التعقيد وعدم اليقين، إذ تحولت أولويات العديد من العواصم الإقليمية نحو احتواء التداعيات الأمنية والاقتصادية للصراع بدلًا من الانخراط في ترتيبات سياسية جديدة.

وتبقى “القضية الفلسطينية” العقبة الأكثر صلابة أمام أي توسع لاتفاقيات أبراهام، فالسعودية لم تُخفِ يومًا أن أي خطوة نحو التطبيع يجب أن ترتبط بمسار واضح وموثوق لإقامة “دولة فلسطينية”، إلا أن هذا الشرط يبدو اليوم أبعد من أي وقت مضى في ظل الحرب المدمرة التي شهدها “قطاع غزة”، واستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، وتصاعد التوتر في الضفة الغربية، كما أن التراجع الكبير في صورة إسرائيل داخل الرأي العام العربي والإسلامي، جعل أي تقارب معها أكثر كلفة من الناحية السياسية، وهو ما يفسر الفجوة المتزايدة بين الطموحات الأمريكية والإسرائيلية من جهة، والواقع الإقليمي الذي تشكل بعد سنوات من الحروب والأزمات من جهة أخرى.

المعادلة الإيرانية المستحيلة..

إذا كانت “واشنطن” تواجه صعوبات حقيقية في إقناع حلفائها العرب بالانضمام إلى موجة جديدة من “اتفاقيات أبراهام”، فإن طرح احتمال انضمام “إيران” نفسها إلى هذا المسار يضع المشروع بأكمله أمام معادلة تبدو شبه مستحيلة، بل أن هذا المسار ما هو إلا درب من دروب الخيال والوهم، يوازي رؤيته وأحلامه السابقة لإنشاء “ريفييرا الشرق الأوسط” على أنقاض غزة، فالصراع بين “طهران” و”تل أبيب” لا يقتصر على خلافات حدودية أو نزاعات سياسية قابلة للحل عبر طاولة المفاوضات، بل يمثل أحد أكثر الصراعات تجذرًا في سياسات الشرق الأوسط المعاصرة، حيث تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية والعسكرية والعقائدية والجيوسياسية بصورة تجعل أي مصالحة شاملة بين الطرفين أقرب إلى إعادة صياغة هوية النظام الإقليمي بأكمله.

فعلى مدار عقود، بُني جانب مهم من العقيدة الأمنية الإسرائيلية على أن “إيران” هي التهديد الاستراتيجي الأول لأمن الدولة العبرية، سواء بسبب برنامجها النووي أو قدراتها الصاروخية أو شبكة حلفائها الممتدة في لبنان والعراق وسوريا واليمن، وفي المقابل.. رسخت الجمهورية الإسلامية مكانتها الإقليمية باعتبارها “محور المقاومة”، وجعلت من دعم القوى المناهضة لإسرائيل أحد أبرز ركائزها السياسية والإيديولوجية منذ قيام الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979.

وقد زادت الحرب الأخيرة من عمق وتوسيع هذه الفجوة بدلًا من تضييقها، فبعد سنوات من المواجهات غير المباشرة وحروب الظل والعمليات الاستخباراتية المتبادلة، انتقل الصراع إلى مرحلة أكثر خطورة شهدت مواجهات مباشرة بين الطرفين، الأمر الذي عزز القناعة داخل المؤسستين السياسية والعسكرية في كل من إيران وإسرائيل بأن الصراع بينهما لم يعد مجرد تنافس إقليمي، بل معركة تتعلق بموازين القوى ومستقبل النفوذ في “الشرق الأوسط”.

وعلى هذا الأساس، تبدو فكرة انضمام إيران إلى ترتيبات إقليمية تقوم أساسًا على الاعتراف بإسرائيل وإدماجها في المنطقة بعيدة عن الواقع السياسي القائم، فمثل هذه الخطوة لن تتطلب تغييرًا في السياسات الإيرانية فحسب، بل ستستلزم تحولًا جذريًا في الأسس الفكرية والاستراتيجية التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية طوال عقود، وفي المقابل.. لا تزال إسرائيل تنظر إلى إيران باعتبارها التهديد الوجودي الأخطر على أمنها القومي، وهو توصيف يجعل الحديث عن تطبيع العلاقات بين الجانبين أقرب إلى تصور نظري أكثر من كونه مجرد مشروع سياسي قابل للتنفيذ.

لذلك يرى كثير من المراقبين أن إدراج “إيران” ضمن الرؤية التي طرحها ترامب لتوسيع اتفاقيات أبراهام يعكس طموحًا سياسيًا يتجاوز كثيرًا حدود الواقع الراهن، فبينما يمكن تصور انضمام دول جديدة إلى مسار التطبيع إذا توافرت الظروف المناسبة، فإن إدخال إيران إلى هذه المعادلة يتطلب أولًا تفكيك أحد أعمق وأعقد الصراعات الجيوسياسية والعقائدية في “الشرق الأوسط”، وهو هدف يبدو في المدى القريب على الأقل، أبعد من متناول الدبلوماسية وأقرب إلى رهان على تحولات تاريخية لم تبدأ ملامحها بالظهور بعد.

وبالنسبة إلى “باكستان”.. فعلى الرغم من تحسن العلاقات بين “إسلام آباد” و”واشنطن” خلال الفترة الأخيرة، فإن باكستان لا تعترف بإسرائيل، كما أن أي تغيير في هذا الموقف سيواجه حساسيات سياسية ودينية كبيرة داخل الدولة التي تعاني أصلًا أوضاعًا سياسية متقلبة.

بين طموح الهيمنة وحدود النفوذ..

تكشف مبادرة ترامب لتوسيع “اتفاقيات أبراهام” عن إشكالية أعمق تتجاوز ملف التطبيع نفسه، وتتعلق بقدرة “الولايات المتحدة” على مواصلة هندسة التوازنات الإقليمية في “الشرق الأوسط” كما فعلت لعقود طويلة، فمنذ التفوق في الحرب العالمية الثانية، ونهاية الحرب الباردة، وتفكك الاتحاد السوفيتي، اعتادت واشنطن قيادة التحولات الكبرى في المنطقة، بل والعالم، مستندة إلى هيمنتها العسكرية ونفوذها السياسي الواسع، إلا أن التطورات الأخيرة أظهرت أن القدرة الأمريكية على فرض أجنداتها لم تعد مطلقة كما كانت في السابق.

وبحسب تحليل نشرته “شبكة CNN الأميركية”، فإن ترامب لطالما نظر إلى اتفاقيات أبراهام باعتبارها أحد أبرز إنجازاته السياسية، وسعى منذ عودته إلى البيت الأبيض إلى توسيع نطاقها لتشمل دولًا جديدة، بل إن هذه الرؤية بدت قابلة للتحقق خلال الأشهر الأولى من ولايته الثانية، عندما نجح فريقه في التوسط لوقف إطلاق النار في “غزة” وطرح تصورات لسلام إقليمي أوسع.

غير أن المشهد تغير بصورة جذرية مع اندلاع الحرب مع “إيران” وما تبعها من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية واسعة، ففي الوقت الذي تتحدث فيه الإدارة الأمريكية عن توسيع دائرة التطبيع وإعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة، لا تزال واشنطن تواجه تحديات أكثر تعقيدًا، أبرزها تأمين الملاحة في “مضيق هرمز”، واحتواء تداعيات الصراع الإقليمي، والتوصل إلى تسوية مستدامة بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما وصف التحليل تلك المبادرة وتلك الآمال بأنها “شبه عبثية”.

كما أشار التحليل إلى أن العديد من دول الخليج لديها أولويات أكبر الآن من التفكير في مستقبل علاقتها مع إسرائيل، فالحرب التي لم ترغب بعض الدول أصلًا في اندلاعها، ألحقت أضرارًا كبيرة بالنموذج الاقتصادي التي طالما دأبت على بناءه وتطويره لتحويل نفسها إلى مراكز جاذبة للأثرياء الغربيين، كما تضرر اقتصاد المنطقة بسبب إغلاق مضيق هرمز، وهو احتمال كان متوقعًا لدى خبراء السياسة الخارجية، لكنه فاجأ فريق ترامب.

كما انتقد التحليل مبعوثي ترامب، “ستيف ويتكوف” و”جاريد كوشنر”، معتبرًا أنهما سعيا وراء أهداف ضخمة في “الشرق الأوسط” و”أوكرانيا” دون نجاح يُذكر، ما دفع منتقدين للتشكيك في جدوى تكليف رجال أعمال جاءت من عالم العقارات والاستثمار لإدارة أكثر الأزمات الجيوسياسية والدبلوماسية تعقيدًا في العالم.

اترك تعليقا