الصين تعد رسم مسار جديد بعيدًا عن النفط
خبراء يرون أن جزءاً من الطلب العالمي لن يعود أبداً
- معاذ الجمال
- 4 يونيو، 2026
- المشاريع العالمية, تقارير
- آخر اخبار الحرب الايرانية, أزمة الطاقة, أزمة الطاقة العالمية, أزمة النفط, أزمة خليج هرمز, أزمة مضيق هرمز, اقتصاد الصين
في الوقت الذي يترقب فيه العالم إعادة فتح “مضيق هرمز” واستعادة تدفقات الطاقة إلى طبيعتها، تكشف الصين عن واقع جديد قد يكون أكثر تأثيراً من الحرب نفسها، فبينما كانت الأسواق تتوقع أزمة وقود خانقة في أكبر دولة مستوردة للنفط في العالم، جاءت الأرقام لتروي قصة مختلفة تماماً، حيث أن الطلب الصيني على النفط تراجع بنحو 9% مقارنة بمستوياته قبل الحرب، دون أن تظهر مؤشرات انهيار اقتصادي أو اضطرابات واسعة النطاق.
هذا التراجع الاستثنائي لا يعكس أزمة اقتصادية بقدر ما يكشف عن تحول هيكلي عميق قد يغير مستقبل سوق النفط العالمي لعقود قادمة، فالصين التي تعتمد على الواردات لتغطية نحو 70% من احتياجاتها النفطية، وتعد أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، نجحت في امتصاص واحدة من أكبر صدمات الطاقة في التاريخ الحديث عبر تغيير سلوك المستهلكين وتسريع الانتقال إلى بدائل الطاقة والنقل الحديثة.
تراجع غير مسبوق..
بحسب تقديرات بنك “جيه بي مورغان” وتحليلات “شبكة سي إن إن الأميركية”، فإن انخفاض الطلب الصيني على النفط بنسبة 9% يعد تطوراً استثنائياً مقارنة بالأحداث الاقتصادية الكبرى التي شهدها العالم سابقاً، فعلى سبيل المثال، لم يتجاوز تراجع الطلب العالمي على النفط خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008 نسبة 2%.
وتزداد أهمية هذه الأرقام بالنظر إلى أن الانخفاض لم يكن نتيجة إجراءات حكومية صارمة لترشيد الاستهلاك أو فرض قيود على الوقود، بل جاء نتيجة قرارات اتخذها المستهلكون أنفسهم استجابة لارتفاع أسعار الطاقة وتغير أنماط التنقل والسفر.
المخزونات الضخمة.. خط الدفاع الأول
استفادت الصين من سنوات طويلة من بناء احتياطيات استراتيجية ضخمة من النفط الخام، ما وفر لها شبكة أمان مهمة في مواجهة اضطرابات الإمدادات الناتجة عن الحرب.
غير أن الخبراء يرون أن المخزونات النفطية ليست سوى حل مؤقت، بينما يتمثل التغيير الحقيقي في التحول المتسارع نحو المركبات الكهربائية ووسائل النقل العام، وهو ما قد يترك أثراً دائماً على مستويات الطلب في المستقبل.
السيارات الكهربائية تقود التحول..
أظهرت البيانات الصينية أن عمليات شحن السيارات الكهربائية على الطرق السريعة ارتفعت بأكثر من 55% خلال عطلة عيد العمال في أوائل مايو، مقارنة بالعام السابق، فيما شكلت المركبات الكهربائية نحو “ربع” إجمالي السيارات المستخدمة على الطرق السريعة خلال العطلة، وتشير هذه الأرقام إلى أن المستهلك الصيني بدأ يتعامل مع السيارات الكهربائية ليس باعتبارها خياراً بيئياً فحسب، بل كوسيلة فعالة للتحوط من تقلبات أسعار الوقود وأزمات الطاقة العالمية.
ويعتقد محللون أن هذا التحول يحمل طابعاً دائماً، إذ تظهر التجارب السابقة أن المستهلكين الذين ينتقلون إلى السيارات الكهربائية نادراً ما يعودون إلى السيارات التقليدية المعتمدة على البنزين،.. لم يقتصر التحول على قطاع السيارات فقط، بل امتد إلى أنماط السفر والتنقل، فخلال عطلة عيد العمال، تراجع السفر الجوي بنسبة 5.7% نتيجة انخفاض الرحلات الدولية، بينما ارتفعت الرحلات الإقليمية بنسبة 3.5%، وزادت رحلات السكك الحديدية بنسبة 4.6%، وتعكس هذه الأرقام توجهاً متزايداً نحو السفر المحلي والإقليمي الأقل استهلاكاً للوقود، في وقت أصبح فيه المستهلكون أكثر حساسية تجاه تكاليف الطاقة والنقل.
أوروبا تسلك الطريق نفسه..
لا تبدو الصين حالة استثنائية في هذا السياق، إذ تشهد أوروبا تحولاً مشابهاً، فمبيعات السيارات الجديدة وصلت إلى أعلى مستوياتها في “سبع سنوات” مدفوعة بنمو الطلب على السيارات الهجينة والكهربائية، كما ساهم تراجع أسعار الكهرباء الأوروبية، نتيجة الاستثمارات الضخمة في الطاقة المتجددة خلال العقد الماضي، في تعزيز جاذبية المركبات الكهربائية مقارنة بالمركبات التقليدية، ويشير ذلك إلى أن جزءاً من التحول الجاري لا يرتبط بالحرب الحالية فقط، بل يمثل اتجاهاً طويل الأجل نحو تقليل الاعتماد على النفط.
أزمة تصنع تحولات دائمة..
عقب أزمة النفط العالمية عام 1973، أطلقت الدول الصناعية سلسلة من السياسات التي هدفت إلى تقليص الاعتماد على النفط، بما في ذلك إنشاء الاحتياطيات الاستراتيجية، والتوسع في الطاقة النووية، وتطوير شبكات النقل العام، وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة، وأدت تلك الإجراءات إلى أحد أكبر الانخفاضات التاريخية في استهلاك الوقود الأحفوري، كما ساهمت في إعادة تشكيل سياسات الطاقة العالمية لعقود طويلة.
ويرى خبراء الطاقة أن الحروب والصدمات الكبرى لا تؤدي فقط إلى ارتفاع الأسعار مؤقتاً، بل تخلق أيضاً تغييرات سلوكية ومؤسسية تستمر حتى بعد انتهاء الأزمة، حيث بدأت آثار الحرب الدائرة حاليًا تظهر بوضوح على مستوى الطلب العالمي، فبحسب التقديرات.. انخفض الطلب العالمي على النفط بنحو 2.8 مليون برميل يومياً في مارس، و4.3 مليون برميل يومياً في أبريل، قبل أن يصل إلى 5.6 مليون برميل يومياً في مايو.
ورغم أن هذه الأرقام لا تزال أقل من الانخفاض التاريخي البالغ نحو 10 ملايين برميل يومياً خلال “جائحة كورونا”، فإنها تعكس واحدة من أكبر موجات تراجع الطلب منذ سنوات، وتتوقع “وكالة الطاقة الدولية” أن يظل الطلب العالمي أقل بنحو 418 ألف برميل يومياً من المستويات السابقة بحلول نهاية العام.
الطلب المفقود لن يعود بالكامل..
أحد أكثر الاستنتاجات والتوقعات أهمية يتمثل في أن جزءاً من الطلب الذي اختفى لن يعود مجدداً، فوفقاً لتقديرات “جيه بي مورغان”، فإن نحو 70% من تراجع الطلب على البنزين في السوق الصينية قد يصبح دائماً، نتيجة التحول إلى السيارات الكهربائية وتغير أنماط الاستهلاك، ويحذر محللون من أن استمرار إغلاق “مضيق هرمز” لفترة أطول قد يعمق هذه التغيرات ويحولها إلى واقع اقتصادي جديد يصعب التراجع عنه.
هل يهدد التحول الطاقي مستقبل النفط؟
رغم الحديث المتزايد عن تراجع الطلب، يؤكد خبراء الطاقة أن النفط سيظل عنصراً أساسياً في الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة، نظراً لاعتماد قطاعات الصناعة والبتروكيماويات والنقل الثقيل عليه بشكل كبير، كما أن إعادة ملىء الاحتياطيات الاستراتيجية بعد انتهاء الأزمة قد تضيف أكثر من مليون برميل يومياً إلى الطلب العالمي حتى عام 2028.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد يتعلق بمصير النفط على المدى القصير، بل بما إذا كانت الحرب الحالية قد سرعت الوصول إلى نقطة التحول التاريخية التي يبدأ عندها الطلب العالمي في التراجع التدريجي بصورة دائمة، فإذا استمرت الصين وأوروبا في تسريع التحول نحو الكهرباء والطاقة المتجددة، فقد لا يكون أكبر تهديد لسوق النفط نقص الإمدادات أو الحروب، بل نجاح المستهلكين أنفسهم في إيجاد بدائل لم يعودوا يرغبون في التخلي عنها.