مفاتيح العنصرية عبر التاريخ (2)

د. ياسر عبد التواب يكتب

وفي المذاهب الأرضية والثورات والحركات تتواجد العنصريةبصورة أو بأخرى حتى أنه قتل ملايين من البشر إبان الثورتين الأمريكية والفرنسية وكان القتل على شبهات الانتماء للجهات الأخرى شيئا عاديا وبدون قواعد ولا حساب هذا

فضلا عن قتل أفراد بشبهات مثل ممارسة السحر أو التدين المخالف لوجهة نظر الحاكم أو نظامه وكم قتل بسبب ذلك من مئات أو آلاف دون تحقق بله دون مبرر صحيح وجرائم مستحقة

إن أتباع المنهج الأتاتوركي -مثلا- في دولة تركيا يعاملون غيرهم من مواطنيهم على أنهم (درجة ثانية)  في الدولة وهو الأمر الذي عبر عنه لاحقا الرئيس رجب طيب أردوغان بأن هناك (أتراك بيض وأتراك سود) وبقصد نظرة الأتاتوركيين والمتغربين نظرة احتقار لغيرهم وما ضخوه في أنفسهم من استعلاء على المتدينين رغم أنهم أبناء نفس الوطن فما بالك بنظرتهم تجاه غير الأتراك وبذا نفهم بعض صور العنصرية في تركيا وهو ما تزكيه أيضا المناهج الدراسية والتاريخية بدعوى العداء والخيانات العربية المزعومة للأتراك ؛وكذلك اختلاف الصوفية في البلد عن تدين العرب السني  تعطي صورة أخرى من الاختلاف المذكي للتمييز أو الاستعلاء وهي مفاتيح العنصرية

وقل مثل ذلك عن النظرة الفارسية للعرب بشكل خاص سواء بالتواري خلف التشيع لمعاداتهم واحتلالهم والسيطرة على بلادهم او باستخدام من يرضخ لهم لصالح الدولة الفارسية الاثنا عشرية التي تنخر في بناء الأمة المسلمة المتهالك أساسا

بل وبصورة مشابهة يروج بعض حكام المسلمين لصورة شرفهم ونسبهم التي تمنحهم الحق في الحكم المطلق وسحق المعارضين

وهناك طوائف في كافة الأديان تحتكر الشرف ومن ثم تعلي مبادئ الاستعلاء والتكبر وهي مداخل التمييز والذي هو الباب الأكبر للعنصرية

حتى إنه يروج للبعض ممن يحملون نسبا شريفا للرسول -سواء بصدق أو بادعاء- أن ذنوبهم مغفورة مهما عملوا وأن لهم حقا مكتسبا في أموال الناس يجب عليهم أن يؤدوه لهم

وهذا بارز وواضح في سلوكيات منحرفة يمارسونها يخالفون بذلك كل تعليمات الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه!

هذا نوع العنصرية الدينية وهي بالعموم أوسع انتشارا من العنصرية العرقية لاتساع رقعة معتنقي الأديان الكبرى

**

وهناك عنصرية أججتها نظريات -مجرد نظريات- بررت التفرقة بين البشر على أساس التفوق العقلي كنظريات التطور التي ادعت أن البشر متطورين من القرود وهم الذين تطوروا قبل ذلك من كائنات أدنى وصولا للخلايا الأولية التي هي بداية كل الكائنات الحية بزعمهم

وفسرها البعض أن الأجناس البيضاء أكثر تطورا من الأجناس الأخرى كالسود أو الملونين فلا حرج على الأكثر تطورا في أن يجبر الأقل تطورا على ما يريد أو عن أن يمتلك ماله ويعتدي على حقوقه وممتلكاته أو يضعه في أقفاص في حدائق الحيوان (حدث هذا بالفعل ) وتم إلى أجل قريب منح تراخيص لصيد الأفارقة (البوشمن) كما تصاد الحيوانات

وكان كذلك يمنع دخول السود كما يمنع دخول الكلاب  إلى المطاعم كما حدث في أمريكا سابقا؛ فنجد تطبيقا وانعكاسا لتلك العنصرية المتذرعة بالعلم المغلوط -مع أسباب أخرى سياسية واقتصادية شجعت-  ما فعله الإنجليز في سكان استراليا والمناطق والجزر المحيطة أو ما قام به الأمريكان والإسبان والفرنسيين واحتلالاتهم وغيرهم في السكان الأصليين في قارتي أمريكا وإفريقيا وكذا في كافة المستعمرات إبادات واعتداءات وسرقات دون رأفة ولا رحمة

إن باب الشر مفتوح على مصراعيه والمبررات الدينية والنفسية و«العلمية المدعاة» تعطي غطاء (أخلاقيا) لممارسة العنصرية باسم الدين وباسم نشر الحضارة ومسؤولية الرجل الأبيض الذي لم يدخر جهدا في الإبادات والقتل والاحتلال تحت هذا الغطاء

قال تعالى (كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة، يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقين) التوبة – 10

لا بد من مبررات عنصرية تؤجج حالة القتل والاعتداء وتبرر الجرائم والإبادة لتمر الجرائم البشعة

التي تعامل الناس من غيرهم من الأعراق أو الأديان كمثل البق يجب التخلص منهم وكأن هذا واجبا أخلاقيا!

**

وفي العنصرية العرقية أو المكانية كمثال لذلك ألمانيا النازية وفيها تجد العنصريين: (أناسا يؤمنون بأن الميزات الفطرية الموروثة تحدد سلوك الإنسان من الناحية البيولوجية. ويؤكد مذهب العنصرية على أن الدماء هي العامل المحدد للهوية العرقية القومية. فكانت العنصرية, بما في ذلك المعاداة العرقية للسامية (التحيز ضد اليهود أو كراهيتهم بناءً على نظريات بيولوجية خاطئة)، دائمًا جزءًا لا يتجزأ من الاشتراكية القومية الألمانية (النازية).

وقد نظر النازيون للتاريخ البشري بأكمله على أنه تاريخ من الصراع البيولوجي المحدد بين أشخاص من سلالات مختلفة. وبعد وصول النازيين إلى السلطة, قاموا بوضع قوانين (نورمبرج) في عام 1935, والتي قدمت تعريفيًا بيولوجيًا افتراضيًا لليهودية.

ووفقًا للنظريات النازية للسلالات، كان الألمان وغيرهم من الأوروبيين الشماليين “آريين”، ويعتبرونه عرقا أعلى مقامًا.

ورغم ادعاء هتلر بإيمانه بالمسيحية فإنه لواها لصالح أفكاره العنصرية فوصف السيد المسيح في كتابه كفاحي  بأنه «المقاتل الآري» الذي ناضل ضد «قوة الفريسيين الفاسدين» والمادية اليهودية

وقال كذلك: لا نريد إلهًا آخر غير ألمانيا نفسها. ومن الضروري أن نتحلى بإيمان وأمل وحب يتصفون بالتعصب لألمانيا ولصالح ألمانيا)

ومما لا يعرفه كثيرون فقد أثرت العنصرية الأمركية التي مورست إبان نشأة أمريكا على الأفكار النازية

(وقد أسّست النصوص الأميركية السابقة لنصوص نازية حاسمة أخرى، بما في ذلك الدليل الاشتراكي الوطني للقانون والتشريع لعام (1934-1935) الذي حرره مَن أصبح بعد ذلك الحاكم العام لبولندا، هانز فرانك، والذي شنق في وقت لاحق في نورمبرغ. وخصّصت “توصيات هربرت كيير لتشريعات العِرْق” ربع صفحاتها لتشريعات الولايات المتحدة التي تجاوزت الفصل العنصري لتشمل قواعد تحكم الهنود الأميركيين ومعايير المواطنة للفلبينيين والبورتوريكيين وكذلك الأميركيين من أصل أفريقي، وتنظيمات الهجرة، وحظر الاختلاط العِرْقي في حوالي 30 ولاية. ولا يمتلك بلد آخر، ولا حتى جنوب أفريقيا، مجموعة متطورة نسبيا من القوانين المماثلة.

كانت كتابات المحامي الألماني هاينريش كريجر مميزة للغاية، وهو «أكبر رموز المحاكاة النازية لقانون العِرْق الأميركي»، والذي أمضى العام الدراسي (1933-1934) في فايتفيل كطالب تبادل في كلية الحقوق بجامعة أركنساس. وسعيا إلى نشر المعرفة التاريخية والقانونية في خدمة النقاء العِرْقي الآري درس كريجر مجموعة من أنظمة العِرْق في الخارج، بما في ذلك جنوب أفريقيا المعاصرة، لكنه اكتشف أساسه في القانون الأميركي.

 

وبدأت كتاباته المتعمقة عن الولايات المتحدة بمقالات في عام 1934، بعضها يتعلق بالهنود الأميركيين وغيرها تسعى إلى تقييم شامل لتشريعات العِرْق الأميركية، كل منها مقدمة لكتابه التاريخي 1936 “Das Rassenrecht in den Vereingten Staaten” (قانون العِرْق في الولايات المتحدة الأميركية). والدليل الدامغ الذي قدمه ويتمان هو نسخة مكتوبة لتسجيل مؤتمر 5 (يونيو/حزيران) 1934 الذي تجمّع فيه كبار المحامين الألمانيين لتبادل الأفكار عن الطريقة المثلى ليعمل نظام عنصري. ويعكس التسجيل كيف انجذب الأكثر تطرفا بينهم -الذين اعتمدوا على منح كريجر سينوبتيك الدراسية- تحديدا إلى القوانين الأميركية على أسس تفوّق العِرْق الأبيض)

 

وأثناء الحرب العالمية الثانية أجرى الأطباء النازيون تجارب طبية زائفة تهدف للوصول إلى الدليل المادي على سيادة الجنس الآري وانحطاط الأجناس الأخرى غير الآرية.

وعلى الرغم من قتل أعداد لا تحصى من المسجونين غير الآريين أثناء تلك التجارب، فلم يتمكن النازيون من العثور على أي دليل على نظرياتهم حول الاختلافات العرقية البيولوجية بين البشر.

ترتب على العنصرية النازية جرائم قتل على نطاق غير مسبوق.

وأثناء الحرب العالمية الثانية، بدأت القيادة النازية ما أشارت إليه بـ«التطهير العرقي» في الأراضي الشرقية المحتلة في بولندا والاتحاد السوفيتي. وتضمنت هذه السياسة قتل وإبادة ما يطلق عليه «سلالات» العدو، بما في ذلك الإبادة الجماعية لليهود في أوروبا وتدمير قيادة الشعوب السلافية. وقد اعتبر العنصريون النازيون المرض العقلي والجسدي خطرًا بيولوجيًا على نقاء الجنس الآري. وبعد التخطيط الحذر، بدأ الأطباء الألمان في قتل النزلاء المعاقين بالمصحات بجميع أنحاء ألمانيا في عملية أطلقوا عليها التعبير الملطف «القتل الرحيم».

اترك تعليقا