العلمانية وفصل الدين عن الدولة وعن القيم وعن الحياة
د. ياسر عبد التواب يكتب
- dr-naga
- 23 نوفمبر، 2025
- رأي وتحليلات
- الحياة, العلمانية, المواثيق والقوانين, جريدة الأمة الإلكترونية, د. ياسر عبد التواب, فصل الدين عن الدولة
العلمانية تعني في جانبها السياسي اللادينية في الحكم وفصل الدين عن الدولة، وهي اصطلاح لا صلة له بكلمة “العلم” (SCIENCE) التي اشتُقَّت منها، ومعناها الأقرب إلى الصحة هو “الدنيوية” و”اللادينية”، وهي دعوة إلى إقامة الحياة على العلم الوضعي والعقل، وحساب المصلحة بعيدا عن الدين.
ويبدو أن الأوائل الذين أدخلوا هذا المفهوم إلى اللغة العربية بدا لهم المصطلح صادما بحمولته هذه التي تلغي الدين من حياة الناس؛ فاختاروا ترجمة تقترب من العِلم وتُيسر انسيابية المفهوم إلى داخل المجتمعات المسلمة.
فمدلول العلمانية المتفق عليه يعني عزل الدين عن الدولة وعن حياة المجتمع، وإبقاءه حبيسا في ضمير الفرد لا يتجاوز العلاقة الخاصة بينه وبين ربه؛ فإن سمح له بالتعبير عن نفسه ففي الشعائر التعبدية والمراسيم المتعلقة بالزواج والوفاة ونحوهما فقط.
ويستخدم في الفضاء الفرنكفوني مصطلح آخر؛ هو اللائيكية (Laïcité). وهو يحمل في طياته معنى خاصا مرتبطا بفرنسا تحديدا. وقد عرَّفَ المفكر الفرنسي “موريس باربييه” (Maurice Barbier) اللائكية في مفهومها الواسع بأنها “الفصل بين الدين والحقائق الدنيوية” (les réalités profanes).)
وحرصت العلمانية على التحكم في كافة المواثيق والقوانين الإنسانية
حتى تلك المواثيق التي وضعوها في المؤسسات للنظام الدولي الجديد ( الأمم المتحدة وما يتبعها من مؤسسات ووكالات )
وكذلك القوانين الدولية والمحاكم الأممية ومحكمة العدل الدولية وما يشابهها كلها مؤسسات تقوم وتتبنى مفاهيم ومواثيق علمانية تحاول أن تضع نظاما خاصا وتتعمد مخالفة الدين ومعتمدة بشكل أساس على مفاهيم العلمانية التي لا تنتمي للدين والتي صارت حاليا كأنها دين جديد
وبما أن نظام العلمانية الحالي يقوم على تجاهل الدين وعلى التعامل المادي مع الحياة فإنها وبمعزل عن الانضباط القيمي والعقدي والأخلاقي لم تتمكن من صياغة أية قوانين مستمدة من الأديان التي تذخر بتلك القيم فكان الناتج هو مجموعة من القوانين الجافة التي لا تجد القوى المتنفذة في الدول والنظام العالمي أية غضاضة في مخالفتها فهم بنوا تلك الأصنام من العجوة وهم من يأكلونها حين يريدون
بل ما يحدث من إبادات جماعية في فلسطين مثلا وفي قتل آلاف الأطفال والنساء أثناء مجازر غزة عام 23/24م والإبادات العنصرية التي قام بها الصهاينة تجعلهم يغضون الطرف ويمتنعون من الإدانة أو العقاب و يقفون عاجزين عن تنفيذ أية أحكام بل حتى عاجزين عن مجرد الإدانة للمجرمين لأنهم يعملون تحت حماية دول متنفذة في العالم كأمريكا وهذه كلها سلوكيات يمكن وصمها بالعنصرية ولو حتى عنصرية “غير متعمدة ” او انها مفروضة بشكل غير مباشر من خلال النسق العام للنظم المتحكمة
ولم يكن الأمر بعيدا عن نفس الإشكاليات حين تعلق الأمر بروسيا واعتداءاتها على شعوب بأكملها كسوريا ولا كذلك إيران في تحكمها في دول عن طريق أذرعها
وانظمة الحكم في البلاد الاسلامية في حصرها الدين في شعائر تعبدية وقصر اجماهير على قبول المطالم والاستبدال لأحكام الشريعة ومحاربة كل دعاوى الأصالة والخروج من التبعية
وهلم جرا في كل من لديه القوة لتفرض ما تريد
فتلك كلها نتاجات العلمانية وقوانينها المفتقرة لأي ارتباط رباني أو أية مناهج محايدة حقيقية لوضع النظم ومن ثم لافتقارها لأسس عدالة حقيقة تنظم شؤون البشرية
نتج عن ذلك التسلط العلماني العاجز عن العدل الحقيقي أمران :
أ- قوانين تجامل المتنفذين وتمنحهم ما يسمونها حقوقا كذلك الحق المعيب المسمى ب (حق النقض ) في مجلس الأمن الذي يضع كافة السلطات والأحكام مشروطة بموافقتهم ولتتسلط عليها الدول الخمس دائمة العضوية فتنفذها او تعطلها متى ارادت
ب- حتى تطبيق تلك القوانين على ما فيها من خلل أيضا يتحكم فيه المتنفذون وبطريقة انتقائية عبرت عنها مقولة أحد الأمريكان المتعصبين (نحن نضع القوانين لنحكم بها غيرنا كالأفارقة ومن يشبههم وليس لنتحاكم نحن إليها )
نحن كمنهج إسلامي لا نجد في قيمنا ولا في حياتنا الاجتماعية تلك المشاكل المتعلقة بالتغول على الأديان الأخرى والتي اتخذتها العلمانية مبررا لتنحية الدين بالكلية ومن ثم روجت للإلحاد كبديل
لذا فليست تلك مشكلتنا لتكون العلمانية علاجها حين نجحت في كبح جماح وجنوح الكهنوت الكنسي
فلا في الاسلام كهنوت ولا هو يرضى بالظلم ولا كذلك يطلق يد ابنائه ليؤذوا المخالفين او يقتلوهم على الهوية
ان الاسلام دين رباني رصين متوازن وهذا ما امده بالحياة والقوة والقبول
وهو من امرنا ان نذعن لأحكامه العادلة فله الخلق وله الأمر
هناك في الاسلام عبادات ولها حدودها وضوابطها وهناك ايضا اخلاق وقيم واداب وصفات وحلال وحرام ومكروه ومندوب ومباح وكل ذلك له ضوابطه
وكذا هناك معاملات بين الافراد ( من المسلمين وغيرهم ) او الأمم والعلاقات معها ولها قواعدها العامة سواء في الحرب او السلم او في التجارة او الاجارة او احكام الزواج والطلاق والميراث وغيرها
فهذا بمجموعه من الإسلام ومن متطلبات الإسلام والتزام احكامه ومنهج حياته هو واجب على كل مسلم
وهو بذلك يخالف العلمانية بشكل كبير ولا يوافقها فقط الا في مسألة محاربة تغول الكهنوت ومع ذلك فهذا اسلاميا من منطلق رباني
وليس ماديا دنيويا كما في العلمانية التي فشلت في طرح منهج حياة متوازن بين الروح والمادة وبين القيم والانتهازية والظلم
ان ملايين من البشر الذين قتلوا في المجازر البشرية والحروب العالمية واحتلال الشعوب ومحو هويتها لصالح المحتل بل وابادتهم ليحلوا محلهم محتلين متوحشين كل ذلك نتاج العلمانية التي نحت القيم واعلت المادية فجر ذلك على البشرية هذا السعار المادي والتغول لأصحاب النفوذ والقوة
اما الاسلام فقد كان سمحا حين تعامل عدلا اذا قضى رحيما بالضعفاء كريما مع الفقراء حازما مع المنحرفين لطيفا بالتائبين والعائدين
ان جاهد فلنشر الحق وقمع الظلم وان اعطى فبكرم وان منع فبرحمة وهذا كله بناء الاسلام الذي بعث نبيه رحمة للعالمين وجاء ليتمم مكارم الاخلاق ويعبد الناس لربهم ويحببهم فيه ويرشدهم الى كمال الحب وكمال الخضوع لله رب العالمين
وقد انزل الله في محكم التنزيل ما يفيد بعدم قبول ان يؤمن المسلم ببعض الكتاب واحكامه ويتخلى عن البعض فال تعالى ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ؟ فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون ) البقرةً
المصدر: جريدة الأمة الإلكترونية