إسبانيا تحتفي بالتراث الإسلامي وتطلق مبادرات للحوار بين الأديان

الأندلس تعود

بعد تدمير المعالم العمرانية، وحرق الكتب والمخطوطات، ومحو كل ما يمت  بصلة إلى الثقافة الإسلامية، إلى حد مراقبة وملاحقة المتمسكين بتطبيق الشعائر الدينية، بعد سقوط غرناطة عام 1492م و سقوط دولة بني الأحمر وتسليم مفاتيحها للملكين الكاثوليكيين فرديناند وإيزابيلا.

تغيرت النظرة إلى التاريخ، وتبلورت مراجعات نقدية عصرية دفعت إلى إعادة الاعتبار للإرث الإسلامي باعتباره جزءا لا يتجزأ من الهوية الإسبانية الحديثة، وأنه ليس مجرد بقايا ماض غابر، بل قوة فكرية ثقافية وسياحية واقتصادية فاعلة.

أن الحضارة الإسلامية في الأندلس كانت مصدر إشعاع للعلم والفكر، وأنها أثرت في لغتهم، وعلمهم، وفلسفتهم مثل الجبر، الكيمياء، الأرقام العربية ، وهم نادمين على ما تم إحراقه من آلاف الكتب التي خطتها اقلام العلماء العرب، أما اليوم  فقد تغيرت النظرة السابقة  للتاريخ  .

فقد أعلنت السلطات الإسبانية إطلاق حزمة من المبادرات الثقافية والتعليمية التي تستهدف إحياء التراث الإسلامي وتثمين إرث الحضارة الأندلسية. وتأتي هذه الخطوة في إطار استراتيجية وطنية لدعم الحوار بين الأديان، وتعزيز قيم التسامح والتعايش المشترك داخل المجتمع الإسباني، بمشاركة واسعة من المؤسسات الأكاديمية والقيادات الدينية.

إحياء الهوية الأندلسية في المناهج والأنشطة:
وتشمل الاستراتيجية الإسبانية الجديدة تحديث بعض المناهج التعليمية لإبراز المساهمات العلمية والفلسفية والمعمارية للحضارة الإسلامية في شبه الجزيرة الإيبيرية. كما تتضمن الخطة تنظيم معارض فنية دورية وجولات ثقافية في المدن التاريخية الكبرى مثل قرطبة، غرناطة، وإشبيلية، لتسليط الضوء على المعالم الأثرية التي تجسد روح العمارة الإسلامية والتلاقح الثقافي الذي ميز تلك الحقبة.

من جانبه، علق الدكتور محمد الخليل، الباحث في اتحاد المجتمعات الإسلامية في إسبانيا (UCIDE)، قائلاً: “إن التقديرات تشير إلى وجود حوالي 2.5 مليون مسلم في إسبانيا، يمثلون حوالي 5% من السكان، ومعظمهم من المواطنين الإسبان أو المغتربين المقيمين منذ عقود” .

وأضاف في تقرير سنوي أن “المدن ذات التواجد المسلم الأكبر تشمل برشلونة وسبتة ومدريد ومليلية، حيث تبرز أنشطة ثقافية وتعليمية متنوعة” .

منصات حوارية لمواجهة خطابات الكراهية

وفي الشق الديني والاجتماعي، تتضمن المبادرة تدشين مراكز بحثية ومنصات حوارية دائمة تجمع بين ممثلي الجالية الإسلامية والقيادات الدينية الأخرى في إسبانيا. وتهدف هذه المنصات إلى فتح قنوات نقاش مستمرة حول قضايا المواطنة، والاندماج، ومواجهة ظاهرة “الإسلاموفوبيا” وخطابات الكراهية، من خلال التركيز على القيم الإنسانية المشتركة.
وقد لاقت هذه الخطوة ترحيباً واسعاً من قِبل الهيئات والمراكز الإسلامية في إسبانيا، والتي اعتبرت المبادرة خطوة شجاعة لإنصاف التاريخ المشترك وتعزيز شعور المسلمين الإسبان بالانتماء.
كما أكد أكاديميون ومؤرخون أن إعادة الاعتبار للإرث الأندلسي يمثل ركيزة أساسية لفهم الهوية الإسبانية المعاصرة، ويقدم نموذجاً يحتذى به عالمياً في إدارة التنوع الثقافي والديني.
ملف التعليم:  تشير البيانات إلى أن أكثر من 390,000 طالب يدرسون الدين الإسلامي في المدارس الإسبانية، بدعم من أكثر من 300 معلم متخصص .

وعلق الدكتور عبد الرحمن بن يوسف، مدير البرنامج التعليمي في اتحاد المجتمعات الإسلامية، بأن “توفير التعليم الإسلامي في المدارس الحكومية يعزز من اندماج الطلاب المسلمين ويحترم حقهم في ممارسة معتقداتهم” .

على صعيد السياحة الثقافية:  تطلق وكالات سفر متخصصة جولات “اكتشاف الأندلس” التي تبرز المعالم الإسلامية في غرناطة وقرطبة وإشبيلية .

كما تستضيف إسبانيا “مؤتمر التاريخ الإسلامي والتراث الثقافي” في لاس بالماس، بمشاركة خبراء دوليين لاستكشاف الإرث الأندلسي وتأثيره على الهوية الإسبانية المعاصرة .

وصرحت الدكتورة إستير سيج، المنظمة للمؤتمر، بأن “التراث الإسلامي في إسبانيا يمثل ثروة ثقافية مشتركة تستحق الحماية والترويج كجسر للحوار بين الحضارات” .

وصرح السيد أحمد المرابط، مدير شركة “دار السلام للسفر”، بأن “السياحة الإسلامية المستدامة تمثل فرصة لتعزيز التفاهم الثقافي ودعم الاقتصادات المحلية” .

وتوقع الدكتور كارلوس مينديز، الباحث في جامعة برشلونة المستقلة، أن “الفترة القادمة ستشهد ازدهاراً في المشاريع الثقافية المشتركة بين المؤسسات الإسلامية والجهات الرسمية في إسبانيا، مما يعزز من مكانة التراث الإسلامي كجزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية” .

تنامٍ ديموغرافي ملحوظ
وتأتي هذه التحركات الرسمية بالتزامن مع طفرة ديموغرافية واضحة للجالية المسلمة؛ حيث تشير البيانات الإحصائية لعام 2026 إلى أن عدد المسلمين في إسبانيا يتراوح بين 2.4 و2.5 مليون نسمة، وهو ما يمثل نحو 5% من إجمالي السكان. وبحسب دراسة حديثة لمرصد “CEU”، فإن 65% من المسلمين المقيمين في البلاد هم من أصول مغربية، يليهم المنحدرون من باكستان والسنغال. كما لفتت البيانات الإسبانية الرسمية إلى بُعدٍ مستقبلي هام، حيث سُجل أن 11% من المواليد الجدد في البلاد ينحدرون من عائلات مسلمة، مما يرسخ وجود الجيلين الثاني والثالث كجزء أصيل من النسيج الوطني.
أخيراً، تبرهن الخطوات الإسبانية على إدراكٍ متقدم بأن احتضان الإرث الأندلسي ليس مجرد استدعاء عاطفي للتاريخ، بل هو ضرورة حتمية لإدارة واقع مجتمعي دائم التغير. وفي ظل التحديات المعاصرة التي تواجه القارة الأوروبية، تحاول مدريد عبر بوابات الثقافة والتعليم تقديم صيغة عملية للتعايش؛ صيغة تعيد صياغة العلاقة مع مواطنيها المسلمين من منظور الشراكة الحضارية والمواطنة الكاملة، بدلاً من قوالب التهميش والإقصاء.
مستفاد من الذكاء الاصطناعي

اترك تعليقا