الصراع الروسي-الأوكراني.. كيف تحول إلى استنزاف اقتصادي؟

استهداف المصافي ومنشآت النفط أصبح أحد أبرز أدوات الضغط على موسكو

لم تقتصر «الحرب الروسية الأوكرانية» على خطوط الجبهة أو موازين القوة العسكرية، بل دخلت مرحلة جديدة تستهدف “الركائز الاقتصادية” التي تقوم عليها قدرة “موسكو” على مواصلة القتال، فمنذ بداية عام 2026، تصاعدت الهجمات الأوكرانية على «قطاع الطاقة الروسي» بوتيرة غير مسبوقة، في تحول يعكس انتقال “كييف” من استنزاف القدرات العسكرية إلى استنزاف الاقتصاد، عبر ضرب المصافي ومنشآت التكرير وموانئ تصدير النفط، وبينما تؤكد “موسكو” أن الأوضاع تحت السيطرة، تكشف التطورات على الأرض عن أزمة وقود آخذة في الاتساع، بدأت آثارها تمتد من الأسواق ومحطات الوقود إلى قطاعات النقل والزراعة، لتفتح فصلاً جديداً في حرب باتت الطاقة أحد أهم ميادينها.

من استهداف المصافي إلى استنزاف الاقتصاد..

شهدت استراتيجية “أوكرانيا” تحولاً تدريجياً خلال العامين الماضيين، ففي “عام 2024″، كانت “واشنطن” تتحفظ على استهداف «منشآت الطاقة الروسية» خشية “ارتفاع أسعار النفط عالمياً” واتساع دائرة التصعيد، إلا أن هذا الموقف تغير مع وصول إدارة الرئيس “دونالد ترامب” مطلع “عام 2025″، التي تبنت نهجاً أكثر دعماً للهجمات بعيدة المدى باعتبارها وسيلة لإضعاف «الاقتصاد الروسي» ودفع “الكرملين” نحو التفاوض.

ومع هذا التحول، توسعت الضربات الأوكرانية كماً ونوعاً، فنُفذ أكثر من “120 هجوماً” خلال “عام 2025″، قبل أن تتحول في 2026 إلى حملة ممنهجة استهدفت “موانئ التصدير” و”المصافي الكبرى” و”وحدات التكرير الحساسة”، وخلال النصف الأول من العام، تعرضت المصافي الروسية لـ”194 هجوماً”، أي بزيادة تقارب (أحد عشر ضعفاً) مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، ما أدى إلى تعطيل نحو (ثلث طاقة التكرير)، بينما هبط إنتاج المصافي إلى أدنى مستوياته منذ (16 عاماً)، كما امتدت الضربات إلى أهداف بعيدة داخل العمق الروسي، مثل مصفاة “أومسك” في “سيبيريا”، في مؤشر على تطور القدرات الأوكرانية واتساع نطاق العمليات.

أزمة الوقود تصل إلى المواطن الروسي..

انعكست هذه الضربات سريعاً على الداخل الروسي، حيث بدأت “مؤشرات نقص الوقود” بالظهور بصورة غير مسبوقة في بلد يُعد (ثاني أكبر مصدر للنفط وثالث أكبر مصدر للمنتجات البترولية المكررة عالمياً)، واضطرت “موسكو” إلى اتخاذ إجراءات استثنائية شملت حظر “صادرات الديزل” واللجوء إلى استيراد الوقود من “الهند” لتعويض النقص، في خطوة تحمل دلالة رمزية واقتصادية كبيرة.

كما اعترف نائب رئيس الوزراء “ألكسندر نوفاك” بأن الوضع أصبح معقداً، بعدما كانت التصريحات الرسمية تقلل من حجم الأزمة، وتشير التقديرات إلى أن تداعيات نقص الوقود أثرت على نحو (50 مليون روسي) في (78 منطقة)، مع انتشار طوابير طويلة أمام محطات الوقود وفرض قيود على كميات الشراء في بعض المناطق، بينما امتدت التأثيرات إلى قطاعي “النقل” و”الزراعة” مع “ارتفاع الأسعار” و”زيادة تكاليف” التشغيل، وتفاقمت الأزمة بسبب استهداف وحدات التكسير التحفيزي، (وهي منشآت داخل مصافي النفط تُستخدم لتحويل المشتقات النفطية الثقيلة ومنخفضة القيمة إلى منتجات خفيفة وعالية القيمة مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات)، كما تعتبر من أكثر مكونات المصافي تعقيداً وصعوبة في الإصلاح، خاصة في ظل “العقوبات الغربية” ونقص التكنولوجيا والمعدات المتخصصة.

رهان اقتصادي أم تصعيد مفتوح؟

تنظر “كييف” إلى “استهداف قطاع الطاقة” باعتباره أحد أكثر أدوات الضغط فاعلية، إذ تراهن على أن “تعميق الأعباء الاقتصادية” و”ارتفاع تكاليف المعيشة”، قد يزيد الضغوط الداخلية على القيادة الروسية ويدفعها إلى تقديم تنازلات على طاولة المفاوضات، وقد أيد هذا التوجه عدد من المسؤولين الغربيين، معتبرين أن تقليص قدرة “روسيا” على تمويل الحرب يخلق فرصاً أكبر للتسوية.

في المقابل، تؤكد “موسكو” أن هذه الهجمات لن تغير موقفها، بل ستدفعها إلى مواصلة العمليات العسكرية وربما توسيع نطاقها، فيما تشير رسائل مسؤولين كبار، بينهم رئيس شركة “روسنفت”، (وهي أكبر شركة نفط في روسيا، ومن أكبر شركات النفط المتكاملة في العالم)، إلى أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية النفطية غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب،  وبين الرهان الأوكراني على إنهاك “الاقتصاد الروسي” وإصرار “الكرملين” على مواصلة القتال، تبدو “حرب الطاقة” مرشحة لأن تصبح إحدى أكثر جبهات الصراع تأثيراً، ليس فقط على مستقبل الحرب، بل أيضاً على “أسواق الطاقة العالمية” واستقرار الاقتصاد العالمي.

اترك تعليقا