يوم كشميرالأسود.. بداية نضال لم ينتهِ  

بقلم: مهر النساء رحمن

شكّل يوم 27 أكتوبر 1947 نقطة تحول في تاريخ كشمير. ففي هذا اليوم، وصلت القوات الهندية إلى سريناغار، عقب توقيع المهراجا على وثيقة الانضمام المثيرة للجدل إلى الهند. ويحيي الكشميريون هذه الذكرى باعتبارها «اليوم الأسود»، لأن المستقبل السياسي لوطنهم تقرر دون استشارة السكان الذين كانت حياتهم ومصائرهم على المحك. وبعد ما يقرب من ثمانية عقود، لا يزال السؤال الأساسي بلا إجابة: كيف يمكن اعتبار الانضمام تسوية نهائية، في حين لم تُحدَّد إرادة الشعب المعني بحرية؟

الجدل حول وثيقة الانضمام

يكمن الجدل بشأن انضمام كشمير في قلب النزاع. فمع انتهاء السيادة البريطانية عام 1947، واجهت الولايات الأميرية قرارات تتعلق بمستقبلها السياسي. وتردد المهراجا هاري سينغ، حاكم جامو وكشمير، في البداية في الانضمام إلى الهند أو باكستان.

وكانت الولاية ذات أغلبية سكانية مسلمة، ولها روابط جغرافية وثقافية واقتصادية مع الدولتين اللتين حصلتا حديثًا على الاستقلال، بينما لم تكن التوجهات السياسية لحاكمها بالضرورة معبرة عن إرادة رعاياه.

وفي ظل تصاعد أعمال العنف والغموض السياسي، وقّع المهراجا وثيقة الانضمام إلى الهند في 26 أكتوبر 1947، وفق الرواية الرسمية الهندية. ووصلت القوات الهندية إلى سريناغار في اليوم التالي، 27 أكتوبر.

وتؤكد الهند أن الوثيقة وفّرت الأساس القانوني لمطالبتها بالسيادة على كشمير. غير أن الظروف المحيطة بالوثيقة، والشروط التي وُقّعت في ظلها، والأهم من ذلك غياب موافقة السكان، ظلت جميعها في صلب الجدل.

ولا تتعلق المشكلة الأساسية بمجرد توقيع وثيقة، بل بمدى إمكانية أن تحسم هذه الوثيقة المستقبل السياسي لشعب بأكمله دون مشاركته. فالمهراجا كان حاكمًا، وليس ممثلًا منتخبًا لسكان كشمير، ولا يمكن اعتبار قراره تلقائيًا تعبيرًا عن الإرادة الحرة لملايين الأشخاص.

ولا تستطيع وثيقة قانونية يستند إليها أحد أطراف النزاع أن تلغي، بمفردها، التساؤلات المتعلقة بشرعية القرار السياسي.

الأمم المتحدة والاستفتاء الذي لم يُجرَ

زاد الموقف الدولي من تعقيد ادعاء الهند بأن الانضمام حسم القضية. ففي يناير 1948، أحالت الهند النزاع بشأن كشمير إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

وفي 21 أبريل 1948، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 47، الذي أوصى باتخاذ تدابير تهدف إلى تهيئة الظروف اللازمة لإجراء استفتاء شعبي يحدد مستقبل جامو وكشمير.

كما تناولت القرارات اللاحقة الصادرة عن لجنة الأمم المتحدة للهند وباكستان قضايا وقف إطلاق النار ونزع السلاح المقترح والاستفتاء.

لكن التصويت الشعبي المقترح لم يُجرَ قط. واستمر الخلاف بين الهند وباكستان بشأن تنفيذ الإطار الذي وضعته الأمم المتحدة، في وقت أسهمت فيه الحروب والمواجهات الدبلوماسية والتحولات السياسية في ترسيخ انقسام الإقليم.

ومع ذلك، فإن مرور الزمن لا يمكن أن يكون بديلًا عن الموافقة الشعبية التي لم تتحقق من خلال الاستفتاء المقترح. كما أن عدم تنفيذ إطار الأمم المتحدة لا يلغي تطلعات الكشميريين السياسية ولا ينهي التساؤلات المتعلقة بمستقبلهم.

الثمن الإنساني للنزاع

على مدى العقود الماضية، تكبد السكان كلفة إنسانية باهظة جراء النزاع. فقد ترك العنف والوجود العسكري المكثف والاحتجاز والقيود المفروضة على التعبير السياسي وانتهاكات حقوق الإنسان آثارًا عميقة على حياة المدنيين.

وعانت أسر كثيرة من فقدان ذويها والنزوح والعيش في ظل حالة مستمرة من عدم اليقين.

ولا يمكن اختزال التداعيات الإنسانية للنزاع في مجرد خلاف على الحدود أو تنافس بين روايات وطنية متعارضة، إذ يتعلق الأمر بحياة الناس وحقوقهم الأساسية وأمنهم ومستقبل أجيالهم.

تغييرات عام 2019 وتجدد المخاوف

تصاعدت المخاوف بعد التطورات التي شهدتها كشمير في أغسطس 2019، عندما عطّلت الحكومة الهندية إلى حد كبير العمل بالمادة 370 من الدستور، وأعادت تنظيم الولاية السابقة إلى إقليمين اتحاديين.

ودافعت الهند عن هذه الإجراءات باعتبارها تغييرات دستورية تستهدف تحسين الإدارة وتعزيز الاندماج. في المقابل، رأى منتقدوها أن هذه الخطوات غيّرت بصورة جوهرية الوضع الدستوري للإقليم دون موافقة سكانه.

وبغض النظر عن المواقف القانونية المتعارضة، فإن إعادة التنظيم الإداري وحدها لا تستطيع تسوية نزاع تتجذر أسبابه في قضايا الشرعية السياسية وتقرير المصير.

كشمير وأمن جنوب آسيا

لا تقتصر تداعيات النزاع على سكان كشمير وحدهم، بل تمتد إلى المنطقة بأسرها. فالهند وباكستان دولتان تمتلكان أسلحة نووية، وتشكّل التوترات المتكررة بينهما تهديدًا للسلام والأمن الإقليميين.

كما يعرقل النزاع غير المحسوم التعاون بين دول المنطقة، ويستنزف الموارد التي كان من الممكن توجيهها إلى الأولويات الاجتماعية والاقتصادية المشتركة.

ومن ثم، فإن التوصل إلى تسوية سلمية لا يمثل مجرد قضية ثنائية بين الهند وباكستان، بل يشكل ضرورة لاستقرار جنوب آسيا بأكملها.

نحو تسوية تعترف بإرادة الكشميريين

يجب أن يكون إحياء ذكرى اليوم الأسود تذكيرًا بأن السيطرة على الأراضي والشرعية السياسية أمران مختلفان. فلا يمكن حسم القضية بمجرد الاستناد إلى وثيقة تاريخية مثيرة للجدل، أو ممارسة السلطة الإدارية، أو الإبقاء على وجود عسكري.

إن تحقيق سلام دائم يتطلب التعامل الجاد مع التطلعات السياسية لسكان كشمير وحقوقهم الأساسية.

ويتعيّن على الهند وباكستان تجاوز مواقفهما المتصلبة ودعم مسار سلمي موثوق يضع تطلعات الكشميريين في الاعتبار بصورة حقيقية. كما ينبغي للمجتمع الدولي مواصلة تشجيع الحوار، والدفاع عن حقوق الإنسان، والتعامل بجدية مع الالتزامات التي لا تزال عالقة بشأن النزاع.

في يوم 27 أكتوبر، يستحضر الكشميريون ذكرى قرار شكّل تاريخهم دون منحهم صوتًا حاسمًا في تحديد مستقبلهم. ولذلك، لا يمثل الجدل بشأن وثيقة الانضمام مجرد خلاف تاريخي، بل يتعلق بشرعية السلطة السياسية وحق الشعب في المشاركة في تقرير مصيره.

وإلى أن تتم معالجة إرادة الشعب الكشميري بصورة حقيقية، سيظل الجدل بشأن الانضمام دون حل، وسيواصل اليوم الأسود رمزيته بوصفه تعبيرًا عن النضال من أجل الكرامة السياسية والعدالة وتقرير المصير.

اترك تعليقا