الأمن المستورد

بقلم: السيد التيجاني

ليست كل حمايةٍ ضمانًا للأمان، وليست كل قوة عسكرية قادرة على ردع الأخطار قادرةً على حماية القرار الوطني. فالدول التي تبحث عن الأمن خارج حدودها قد تجد في التحالفات الدولية مظلةً تحميها من التهديدات، لكنها قد تكتشف مع مرور الوقت أن ثمن هذه المظلة يتجاوز الأموال والأسلحة، ليصل إلى استقلال القرار وحسابات السيادة.

هنا تبدأ معضلة الأمن المستورد؛ حين تتحول الحاجة المشروعة إلى الحماية إلى اعتماد طويل الأمد على قوى خارجية، وحين يصبح مستقبل الدولة مرتبطًا بإرادة حليف قد تتغير أولوياته في أي لحظة.

الحماية التي تحمل ثمنًا سياسيًا

في عالم تتزايد فيه الصراعات وتتراجع فيه الثقة بين القوى الكبرى، لم يعد الأمن قضية عسكرية منفصلة عن الاقتصاد والسياسة والطاقة. فالقواعد الأجنبية، وصفقات التسليح، واتفاقيات الدفاع المشترك، كلها أدوات يمكن أن تعزز قدرة الدول على مواجهة الأخطار، لكنها قد تخلق أيضًا علاقات غير متكافئة إذا غابت الرؤية الوطنية المستقلة.

ولا يعني ذلك أن التعاون العسكري مع الدول الأخرى خطأ في ذاته؛ فالدفاع المشترك أحد الخيارات الطبيعية في العلاقات الدولية، خصوصًا عندما تواجه دولة تهديدات تتجاوز قدراتها الذاتية. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح التعاون بديلًا عن بناء القوة الوطنية، لا وسيلةً لتعزيزها.

الدولة التي تستورد السلاح دون أن تمتلك القدرة الكافية على صيانته وتطويره، أو تعتمد على أنظمة دفاعية لا تستطيع تشغيلها بصورة مستقلة، تظل مرتبطةً بالمورد الخارجي في لحظات الخطر. وقد تجد نفسها أمام معادلة صعبة: أسلحة متطورة في المخازن، لكن استخدامها وصيانتها وتوفير ذخائرها يظل مرهونًا بقرار خارج حدودها.

واشنطن ومصالح الحلفاء

تكشف العلاقات الدولية أن التحالفات لا تقوم على العواطف، بل على المصالح. فالولايات المتحدة، مثل غيرها من القوى الكبرى، تحدد التزاماتها الخارجية وفق حسابات الأمن القومي والتوازنات الإقليمية والاعتبارات الاقتصادية والسياسية.

وقد يوفر الوجود العسكري الأمريكي لدول حليفة قدرات ردع مهمة، لكنه لا يعني بالضرورة أن واشنطن ستخوض كل حرب نيابةً عن حلفائها، أو أنها ستتبنى دائمًا تقديراتهم للمخاطر.

وتزداد أهمية هذه الحقيقة في الشرق الأوسط، حيث تتشابك ملفات أمن الخليج والممرات البحرية والطاقة والصراعات الإقليمية. فالدولة التي تبني استراتيجيتها على افتراض التدخل الخارجي التلقائي قد تواجه مفاجأة قاسية إذا تعارضت مصالح الحليف مع متطلبات المواجهة.

والدرس هنا ليس الدعوة إلى القطيعة مع الولايات المتحدة أو غيرها من القوى الدولية، بل ضرورة التعامل مع التحالفات باعتبارها شراكات قابلة للتغير، وليست ضمانات أبدية.

السلاح وحده لا يصنع الأمن

الأمن الحقيقي لا يُقاس بحجم صفقات السلاح، ولا بعدد القواعد العسكرية، ولا بقوة البيانات الصادرة عقب الأزمات. إنه منظومة متكاملة تشمل جيشًا قادرًا، واقتصادًا متماسكًا، وصناعة دفاعية وطنية، وأجهزة استخبارات كفؤة، ومجتمعًا يثق في مؤسساته.

كما يحتاج الأمن إلى سياسة خارجية متوازنة تستطيع احتواء الخلافات قبل تحولها إلى مواجهات عسكرية. فالدبلوماسية ليست نقيضًا للقوة، بل إحدى أدوات استخدامها الرشيد، وقد تنجح المفاوضات في تجنب حرب لا تستطيع الأسلحة وحدها تحديد نهايتها.

ومن هنا، فإن الدول التي تنفق مليارات الدولارات على التسليح مطالبة بطرح سؤال أساسي: هل تتحول هذه الأموال إلى قدرات مستقلة ومستدامة، أم أنها تكرس الاعتماد على الخارج؟

إن بناء قاعدة صناعية دفاعية، وتطوير الكفاءات الوطنية، وتبادل التكنولوجيا، وتنويع مصادر التسليح، كلها خطوات تقلل مخاطر الارتهان. والأهم أن ترتبط هذه السياسات باستراتيجية واضحة تحدد الأخطار الحقيقية، بدلًا من الانجراف وراء سباقات تسلح لا تنتهي.

تحالفات عربية بقرار مستقل

تحتاج الدول العربية إلى إعادة النظر في مفهوم الأمن الجماعي، بحيث لا يظل مجرد استجابة مؤقتة للأزمات، بل يتحول إلى مشروع طويل الأمد للتعاون العسكري والاستخباراتي والاقتصادي.

ويشمل ذلك تطوير منظومات الإنذار المبكر، وتبادل المعلومات، والتدريب المشترك، وتعزيز حماية الممرات البحرية، وتنسيق الصناعات الدفاعية. فالتعاون بين الدول التي تتقارب مصالحها وقدراتها يمكن أن يخلق قوة ردع أكثر فاعلية، بشرط ألا يتحول إلى تبعية لطرف خارجي.

ولا ينبغي أن يكون الهدف استبدال حليف أجنبي بآخر، بل امتلاك القدرة على الشراكة مع الجميع من موقع القوة، واتخاذ القرار وفق المصالح الوطنية والعربية.

في رأيي

إن أخطر ما في الأمن المستورد ليس وجود قوات أجنبية أو شراء أسلحة من الخارج، وإنما تحول الاعتماد إلى عقيدة سياسية تجعل الدولة عاجزة عن تصور أمنها بعيدًا عن إرادة الآخرين.

فلا توجد دولة تستطيع الاستغناء تمامًا عن التعاون الدولي، لكن هناك فارقًا كبيرًا بين دولة تستفيد من التحالفات لتعزيز قوتها، وأخرى تستمد منها أسباب بقائها.

الأولى تفاوض وتختار وتوازن، أما الثانية فتنتظر، وتراقب تحولات السياسة الدولية بقلق، خشية أن يتخلى عنها من اعتمدت عليه.

إن المطلوب ليس إغلاق الأبواب أمام الشركاء الدوليين، ولا الدخول في مواجهات غير محسوبة، بل بناء معادلة متوازنة تجمع بين الردع الوطني والتعاون الإقليمي والانفتاح الدولي.

فالأمن الذي لا تستطيع الدولة حماية مقوماته الأساسية يظل أمنًا مشروطًا، مهما بلغت كلفته. أما الأمن الحقيقي، فهو الذي يمنح الدولة القدرة على الدفاع عن أرضها، وحماية مصالحها، واتخاذ قراراتها دون خوف من أن يتحول الحليف إلى عبء أو أن تصبح الحماية وسيلة للضغط.

وفي عالم لا يعرف الصداقات الدائمة بقدر ما يعرف المصالح المتغيرة، تبقى القاعدة الأهم أن التحالف قد يساعدك على حماية أمنك، لكنه لا يستطيع أن يحل محل إرادتك الوطنية.

اترك تعليقا