واشنطن وميانمار مصالح استراتيجية وحقوق معلقة
سنوات من العقوبات والعزلة
- dr-naga
- 16 أكتوبر، 2026
- تقارير وترجمات, حقوق الإنسان
- الصين, العزلة, العقوبات, حقوق الإنسان, شرق آسيا, ملف ميانمار, ميانمار, واشنطن
تكشف جولة المحادثات الأمريكية الجديدة مع السلطات العسكرية في ميانمار عن تحول في طريقة تعامل واشنطن مع واحدة من أكثر الأزمات السياسية والإنسانية تعقيدًا في جنوب شرق آسيا. فبعد سنوات من العقوبات والعزلة التي أعقبت انقلاب فبراير 2021، أجرت الولايات المتحدة محادثات مباشرة جديدة مع ممثلين عن السلطة التي يقودها مين أونغ هلاينغ، خلال الأسبوع الماضي في طوكيو، وفق تقرير نشرته وكالة رويترز في 16 أكتوبر 2026.
وتشير المعلومات المتاحة إلى أن الاتصالات تركز على مكافحة مراكز الاحتيال الإلكتروني التي تستهدف أمريكيين، ومعالجة قضايا مواطنين أمريكيين، مع احتمال بحث المصالح الأمريكية المتعلقة بالمعادن الأرضية النادرة. لكن تفاصيل الجولة الأخيرة لم تُعلن رسميًا، ولم يُكشف عن أسماء ممثلي الجانب الميانماري أو عن اتفاقات محددة نتجت عنها. ولذلك ينبغي التمييز بين ما ثبت بشأن انعقاد المحادثات، وما تطرحه المصادر من احتمالات حول أهدافها الأوسع.
الموقف الأمريكي: الحوار لخدمة المصالح
تقدم إدارة الرئيس دونالد ترامب انخراطها المباشر باعتباره وسيلة للتعامل مع مشكلات لا يمكن حلها بمجرد قطع الاتصالات. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، تومي بيغوت، في تصريحات نقلتها رويترز يوم 8 أكتوبر، إن حل المشكلات يتطلب التعامل معها، موضحًا أن واشنطن تتواصل مع أطراف متعددة في ميانمار بشأن القضايا التي تمس المصالح الأمريكية.
ويشمل ذلك السعي إلى تفكيك شبكات الاحتيال الإلكتروني التي تكبد الأمريكيين خسائر مالية كبيرة، فضلًا عن معالجة ملفات تتعلق بمواطنين أمريكيين. وتقول مصادر مطلعة إن الاتصالات قد تتيح أيضًا مناقشة إمدادات العناصر الأرضية النادرة التي تحتاج إليها الصناعات الأمريكية.
ومن منظور عملي، يمكن الدفاع عن التواصل الدبلوماسي باعتباره أداة للحصول على نتائج محددة، خصوصًا عندما تكون لدى الطرف الآخر القدرة على التأثير في الملفات المطروحة. لكن نجاح هذا النهج يتوقف على ما إذا كان سيحقق نتائج قابلة للقياس، أم سيمنح السلطة العسكرية مكاسب سياسية ودبلوماسية دون مقابل ملموس في ملفات العنف والحريات.
وتؤكد وزارة الخارجية الأمريكية أن التواصل مع السلطة لا يعني التخلي عن العلاقات مع المعارضة والجماعات العرقية المسلحة، وأن واشنطن ما زالت تقدم مساعدات لمناطق خارج سيطرة الجيش. إلا أن مسؤولين أمريكيين سابقين انتقدوا تقليص بعض برامج دعم الديمقراطية، معتبرين أن توسيع العلاقات مع السلطة العسكرية، بالتزامن مع إضعاف بعض أدوات دعم المعارضة، قد يغيّر ميزان السياسة الأمريكية تجاه الأزمة.
حكومة ميانمار ومكاسب الانفتاح الخارجي
يسعى مين أونغ هلاينغ إلى توسيع الاتصالات الخارجية وتقديم حكومته باعتبارها سلطة قادرة على استعادة الاستقرار. وقد زار أو تواصل مع دول إقليمية ودولية، بينها الصين والهند وروسيا وماليزيا، في وقت لا يزال فيه الصراع الداخلي مستمرًا.
ومن وجهة نظر السلطة، قد تساعد العلاقات الخارجية في معالجة مشكلات الحدود والاحتيال والجريمة المنظمة، وجذب الاستثمارات، وفتح قنوات اقتصادية ودبلوماسية كانت محدودة بعد الانقلاب. كما يمكن أن يتيح التواصل مع واشنطن معالجة ملفات محددة لا تستطيع الأطراف المعنية تسويتها بسهولة عبر القنوات غير الرسمية.
لكن هذه المكاسب لا تعني أن الأزمة الداخلية قد حُلّت. فقد استمر القتال في مناطق واسعة، وتواصلت الغارات الجوية التي تسببت في سقوط مدنيين، بينما لا تزال المعارضة السياسية وقوى عرقية مسلحة ترفض جوانب أساسية من ترتيبات الحكم الحالية.
ويؤكد هذا التباين أن استعادة العلاقات الخارجية ليست مرادفًا لاستعادة التوافق الداخلي. فالدعم الدبلوماسي أو الاقتصادي قد يساعد السلطة على إدارة بعض الملفات، لكنه لا يحسم الخلاف بشأن شرعية الحكم أو مستقبل العملية السياسية.
لماذا يثير الانفتاح الأمريكي الجدل؟
تعود جذور الأزمة إلى انقلاب فبراير 2021، حين أطاح الجيش بالحكومة المدنية واحتجز قيادات سياسية، بينها أونغ سان سو تشي. ومنذ ذلك الحين، توسعت المواجهات المسلحة بين الجيش وقوى المعارضة وجماعات عرقية، وأصبحت أجزاء من البلاد خارج السيطرة الفعلية للسلطات العسكرية.
وفي تقرير للأمم المتحدة صدر في 1 فبراير 2026، حذر الأمين العام من استمرار الانتهاكات الجسيمة، وتزايد النزوح، وتدهور الأمن الغذائي، وتصاعد الهجمات الجوية التي تستهدف مناطق مدنية. وأشار التقرير إلى أن الأزمة الإنسانية تشمل ملايين الأشخاص داخل ميانمار وعبر حدودها.
كما انتقد مسؤولون أمريكيون معارضون للسياسة الجديدة توسيع الاتصالات مع القيادة العسكرية دون تنفيذ الضغوط المفروضة عليها بصورة كاملة. وقال النائب الديمقراطي غريغوري ميكس، العضو البارز في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي، إن هذا التحول قد يمنح السلطة العسكرية شرعية دولية إضافية، في وقت لم يتحقق فيه تقدم كافٍ في دعم المسار الديمقراطي.
وفي المقابل، يرى المدافعون عن الحوار أن العزلة وحدها لم تنهِ الحرب، وأن التواصل مع أصحاب السيطرة الفعلية على مؤسسات الدولة قد يكون ضروريًا للوصول إلى تفاهمات عملية. وهنا يقع الخلاف الحقيقي: ليس بين من يريد السلام ومن يرفضه بالضرورة، بل بين من يعطي الأولوية للضغط والعقوبات، ومن يرى أن الانخراط المباشر يمكن أن يفتح مسارات لا تتيحها العزلة.
رأي تحليلي محايد: المصالح لا تعني بالضرورة التطبيع الكامل
تقدم المحللة بريدجيت ويلش، الباحثة المشاركة الفخرية في معهد أبحاث آسيا بجامعة نوتنغهام، قراءة ناقدة للانفتاح الإقليمي على مين أونغ هلاينغ. وفي تحليل نشرته الجزيرة الإنجليزية في 16 أكتوبر، قالت إن استقبال قادة إقليميين له رغم الاتهامات المتعلقة بجرائم خطيرة يعكس تقديم الاعتبارات العملية على حقوق الإنسان، وحذرت من أن ذلك قد يمنح المؤسسة العسكرية شرعية دولية من دون أن يحقق تقدمًا واضحًا في تسوية الأزمة.
وفي قراءة مختلفة من زاوية الدبلوماسية، ترى ليتيسيا فان دن أسوم، الدبلوماسية الهولندية السابقة، أن الجيش لن يكون قادرًا بسهولة على استعادة السيطرة على كامل البلاد، وأن وقف إطلاق النار المحدود قد يتيح له نقل قواته إلى مناطق أخرى بدل إنهاء الصراع. ويعكس هذا التقدير مخاطر الاعتماد على اتفاقات جزئية لا تترافق مع تسوية سياسية شاملة.
أما كين زاو وين، مدير معهد تامبادِيبا في يانغون، فيربط التقارب الإقليمي بمصالح الدول المجاورة التي تتأثر مباشرة بالحرب وتدفق اللاجئين وتعطل التجارة والاشتباكات الحدودية. ووفق قراءته، فإن اعتبارات الاستقرار والمصلحة الوطنية تسهم في تفسير الانفتاح على السلطة العسكرية.
هذه آراء تحليلية مختلفة وليست مواقف موحدة للمجتمع الدولي. لكنها تساعد على فهم دوافع الانفتاح، كما توضح أن العلاقات الدبلوماسية يمكن أن تتحسن بينما تبقى الأزمة السياسية والإنسانية دون حل.
الروهينغا المسلمون: الغائب الأبرز عن حسابات المصالح
يمثل وضع الروهينغا المسلمين أحد أهم الاختبارات لأي تحول في السياسة الدولية تجاه ميانمار. فقد فرّ أكثر من 700 ألف منهم إلى بنغلاديش عقب العمليات العسكرية التي شهدتها ولاية راخين عام 2017، والتي وصفتها الولايات المتحدة بأنها إبادة جماعية. ولا يزال كثيرون منهم محرومين من الجنسية، ويواجهون قيودًا على الحركة ومخاطر أمنية وإنسانية.
وفي تقرير نشره مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في 25 أغسطس 2026، وثّق المكتب تدهور أوضاع الروهينغا والأقليات الأخرى، وتناول الانتهاكات المنسوبة إلى الجيش وجيش أراكان، إلى جانب تأثير النزاع والاقتصادات غير المشروعة على المدنيين. ويؤكد التقرير أن مسؤولية حماية السكان لا يمكن حصرها في طرف واحد عندما تتعدد الجهات المسلحة التي ترتكب الانتهاكات.
وفي مقال رأي نُشر في 12 أكتوبر، دعا كياو وين، المدير التنفيذي لشبكة بورما لحقوق الإنسان، منظمة التعاون الإسلامي إلى تحويل دعمها لقضية الروهينغا إلى إجراءات عملية، تشمل رفض إعادتهم قسرًا إلى مناطق الخطر، وتوفير الحماية للاجئين، واستمرار المساعدات، ودعم المساءلة الدولية. وانتقد الكاتب الفجوة بين بيانات التضامن الإسلامي وبين ما يحصل عليه اللاجئون فعليًا من حماية.
ويكتسب هذا الرأي أهمية لأنه يصدر عن ناشط حقوقي يتابع قضية الروهينغا، لكنه يظل موقف الكاتب، ولا ينبغي تقديمه باعتباره رأيًا جامعًا لجميع المسلمين أو حكومات منظمة التعاون الإسلامي. كما أن الموقف الرسمي للمنظمة يتضمن دعم المسار القضائي الدولي في قضية الروهينغا، بينما يطالب منتقدون بأن تُترجم هذه المواقف إلى حماية أكبر للاجئين وإجراءات دبلوماسية أكثر فاعلية.
وتظهر هنا مفارقة سياسية واضحة: قد تحقق واشنطن مكاسب في ملف الاحتيال الإلكتروني أو المعادن، وقد تستفيد دول الجوار من تخفيف التوترات الحدودية، لكن هذه النتائج لا تعني بالضرورة تحسن أوضاع الروهينغا أو بقية المدنيين. ومن ثم، فإن قياس نجاح الانفتاح ينبغي أن يشمل نتائج إنسانية وسياسية، لا المصالح الأمنية والتجارية وحدها.
المعادن النادرة والتنافس مع الصين
تولي الولايات المتحدة اهتمامًا بالعناصر الأرضية النادرة الثقيلة الموجودة في ميانمار، لأنها تدخل في تصنيع منتجات وتقنيات متعددة، بينها المحركات الكهربائية وتوربينات الرياح وبعض التطبيقات الدفاعية. وتسعى واشنطن إلى تنويع سلاسل التوريد وتقليل اعتمادها على الصين في هذا المجال.
لكن الوصول إلى هذه الموارد ليس مسألة دبلوماسية فحسب؛ إذ توجد مواقع تعدين مهمة في مناطق تسيطر عليها جماعات عرقية مسلحة، بعضها يقاتل الجيش، كما أن الصين تعد مستوردًا رئيسيًا لهذه المعادن. ولذلك، فإن أي دور أمريكي محتمل سيواجه عقبات أمنية وسياسية وتجارية.
ويجب هنا الفصل بين الاهتمام الاستراتيجي الذي أوردته التقارير وبين وجود اتفاق فعلي على التعدين أو الاستثمار. فلم يُعلن عن صفقة أمريكية جديدة، ولم تثبت المعلومات المنشورة أن الجولة الأخيرة أفضت إلى ترتيبات للوصول إلى المناجم.
أما بالنسبة إلى السلطة العسكرية في ميانمار، فإن جذب اهتمام واشنطن قد يوسع خياراتها الخارجية ويقلل اعتمادها على عدد محدود من الشركاء. لكن تحقيق ذلك يتطلب أكثر من عقد اجتماعات؛ إذ يرتبط بالأمن والاستقرار وحقوق المجتمعات المحلية التي تعيش في مناطق التعدين.
ما الذي ينبغي مراقبته؟
هناك ثلاثة مؤشرات ستحدد معنى هذه المحادثات خلال الفترة المقبلة.
أولًا، ما إذا كانت ستؤدي إلى نتائج موثقة في مكافحة الاحتيال الإلكتروني وحماية المواطنين، أم ستظل اتصالات محدودة دون التزامات واضحة.
ثانيًا، ما إذا كانت واشنطن ستربط أي توسع في التعاون بتقدم في حماية المدنيين وإطلاق السجناء السياسيين وإتاحة المساعدات الإنسانية، أم ستفصل المصالح الأمنية والاقتصادية عن الملفات السياسية والحقوقية.
ثالثًا، ما إذا كانت الدول الإسلامية ومنظمة التعاون الإسلامي ستواصل الدفع نحو حماية الروهينغا ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات، بالتوازي مع دعم الحلول الدبلوماسية، بدل أن تتراجع القضية أمام المصالح التجارية والأمنية.
والخلاصة أن الانفتاح الأمريكي على ميانمار لا يثبت وحده تخلي واشنطن عن حقوق الإنسان، لكنه يطرح سؤالًا مشروعًا عن ترتيب الأولويات: هل سيُستخدم الحوار لتحقيق نتائج أوسع تشمل المدنيين والمعارضة والروهينغا، أم سيقتصر على الملفات التي تمس المصالح الأمريكية المباشرة؟ الإجابة لن تُحسم بالنوايا المعلنة، بل بما ستنتجه الاتصالات من خطوات قابلة للتحقق.
——
المصادر
وكالة رويترز
الأمم المتحدة
مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان
بريدجيت ويلش، وليتيسيا فان دن أسوم، وكين زاو وين، آراء تحليلية نقلها تقرير الجزيرة الإنجليزية عن عودة السلطة العسكرية في ميانمار إلى الاتصالات الإقليمية والدولية، 16 أكتوبر 2026.