هل تستطيع إسرائيل الاستغناء عن المساعدات العسكرية الأميركية؟
نتنياهو يطرح إنهاء الاعتماد التدريجي على واشنطن
- محمود الشاذلي
- 16 مايو، 2026
- تقارير
- إسرائيل, المساعدات العسكرية الأميركية
أثار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو جدلاً واسعاً بعد دعوته إلى إنهاء الاعتماد التدريجي على المساعدات العسكرية الأميركية، في خطوة يرى محللون أنها قد تمنح إسرائيل هامشاً أوسع لتنويع مصادر تسليحها، لكنها تظل بعيدة عن تحقيق اكتفاء عسكري كامل في المستقبل القريب.
وتحصل إسرائيل حالياً على مساعدات عسكرية أميركية تُقدّر بنحو 3.8 مليار دولار سنوياً، بموجب مذكرة تفاهم مدتها عشر سنوات وُقّعت عام 2016 خلال إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، وتنص على إنفاق الجزء الأكبر من هذه الأموال على شراء معدات ومنظومات عسكرية أميركية الصنع.
ومن المتوقع أن تبدأ خلال الأشهر المقبلة مفاوضات بين واشنطن وتل أبيب بشأن اتفاق جديد قد يبدأ تطبيقه اعتباراً من عام 2028، وسط تصاعد النقاش داخل إسرائيل حول مستقبل الاعتماد العسكري على الولايات المتحدة.
وخلال مقابلة مع شبكة سي بي إس نيوز، قال نتنياهو إنه طلب من الرئيس الأميركي دونالد ترامب العمل على تقليص المساعدات العسكرية تدريجياً وصولاً إلى “الصفر”، مضيفاً أن “الوقت قد حان لأن نستغني عمّا تبقى من مساعدات عسكرية”.
وبحسب بيانات مجلس العلاقات الخارجية، فقد تلقت إسرائيل منذ تأسيسها عام 1948 أكثر من 300 مليار دولار من المساعدات الاقتصادية والعسكرية الأميركية بعد احتساب التضخم، وهو ما يجعلها أكبر متلقٍ للمساعدات الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وأشار المجلس إلى أن قيمة الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل ارتفعت خلال عام 2024 إلى أعلى مستوياتها منذ عقود، في ظل الحرب المستمرة في قطاع غزة والتصعيد الإقليمي.
وتأتي تصريحات نتنياهو في وقت تشير فيه استطلاعات الرأي داخل الولايات المتحدة إلى تراجع التأييد الشعبي لإسرائيل، حيث أظهر استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث في مارس 2026 أن نحو 60 بالمئة من الأميركيين يحملون انطباعات سلبية تجاه إسرائيل.
ويرى المؤرخ العسكري الإسرائيلي داني أورباخ أن التحولات في الرأي العام الأميركي، سواء داخل اليمين أو اليسار، تدفع إسرائيل للتفكير بجدية في تقليل اعتمادها على المساعدات الخارجية.
وقال أورباخ إن “التخلي التدريجي عن المساعدات قد يكون أفضل من انتظار فرض هذا التغيير مستقبلاً بفعل التحولات السياسية داخل الولايات المتحدة”.
وفي الداخل الإسرائيلي، تزايدت خلال الأشهر الأخيرة المخاوف المرتبطة بالاعتماد الكبير على الموردين الأجانب، خاصة بعد تقارير تحدثت عن ضغوط على سلاسل الإمداد ونقص في بعض أنظمة الاعتراض الجوي والذخائر خلال الحرب الحالية.
وأصدرت هيئة الرقابة الرسمية في إسرائيل مؤخراً تقريراً انتقد الحكومات المتعاقبة بسبب ما وصفته بإهمال الإنتاج المحلي للأسلحة وعدم الحفاظ على احتياطيات استراتيجية كافية من المواد الخام والذخائر.
كما أثارت تقارير عن انخفاض مخزون منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، مثل نظام “سهم” الدفاعي، نقاشاً واسعاً داخل الأوساط العسكرية حول ضرورة تعزيز التصنيع الدفاعي المحلي وتقليل الاعتماد الخارجي.
ورغم ذلك، يؤكد خبراء عسكريون أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ما زالت تعتمد بصورة كبيرة على الولايات المتحدة في الحصول على الطائرات المقاتلة المتقدمة والغواصات وأنظمة التسليح وقطع الغيار الأساسية.
ويقول محللون إن فكرة تحقيق اكتفاء ذاتي عسكري كامل، والتي سبق أن تحدث عنها نتنياهو عبر تشبيه إسرائيل بـ”إسبرطة”، لا تزال بعيدة عن الواقع في ظل طبيعة التهديدات الأمنية المحيطة بإسرائيل.
في المقابل، يشير مسؤولون وخبراء اقتصاديون إلى أن النمو الاقتصادي الإسرائيلي خلال السنوات الماضية خفف نسبياً من الاعتماد المالي على المساعدات الأميركية.
وقال الدبلوماسي الإسرائيلي السابق ياكي دايان إن الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل ارتفع من نحو 320 مليار دولار عام 2016 إلى ما يقارب 720 مليار دولار حالياً، ما يعني أن نسبة المساعدات الأميركية إلى الاقتصاد الإسرائيلي أصبحت أقل تأثيراً مقارنة بالسنوات الماضية.
وأضاف أن العلاقة الدفاعية بين واشنطن وتل أبيب ليست أحادية الاتجاه، موضحاً أن إسرائيل تمثل أيضاً “ميدان اختبار” للعديد من أنظمة التسليح الأميركية، وهو ما يساهم في تطوير الصناعات الدفاعية الأميركية نفسها.
ويرى محللون أن أي تقليص للاعتماد على واشنطن قد يمنح إسرائيل مساحة أكبر لتنويع مصادر تسليحها عبر تعزيز التعاون الدفاعي مع دول مثل الهند واليونان وصربيا، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة.
كما يُتوقع أن يؤدي تعزيز التصنيع العسكري المحلي إلى توسيع صادرات السلاح الإسرائيلية، خاصة بعد توقيع صفقات كبيرة لتصدير منظومات دفاعية مثل نظام “سهم” إلى دول أوروبية، بينها ألمانيا.
ومع ذلك، تستبعد غالبية التقديرات الأمنية إمكانية استغناء إسرائيل بالكامل عن الدعم العسكري الأميركي في المستقبل القريب، في ظل البيئة الأمنية المعقدة التي تواجهها.
وقالت الخبيرة العسكرية الإسرائيلية آدي برشدسكي إن إنهاء التحالف العسكري مع الولايات المتحدة بشكل كامل “قد يضر بالأمن القومي الإسرائيلي بصورة كبيرة”، مشيرة إلى أن إسرائيل “دولة صغيرة تواجه تهديدات مستمرة ولا تمتلك عمقاً استراتيجياً أو تحالفاً دفاعياً جماعياً شبيهاً بحلف الناتو”.
وأضافت أن الواقع الجيوسياسي في المنطقة يجعل استمرار الشراكة العسكرية مع واشنطن ضرورة استراتيجية بالنسبة لإسرائيل خلال السنوات المقبلة.