نقص التمويل يهدد لاجئي جنوب السودان
وسط تحذيرات من كارثة إنسانية
- السيد التيجاني
- 14 أغسطس، 2026
- تقارير وترجمات
- المساعدات الإنسانية, جنوب السودان., كارثة غذائية, مجاعة, نقص التمويل
تقترب أزمة الغذاء في جنوب السودان من مرحلة أكثر خطورة، بعدما حذرت الأمم المتحدة من أن أكثر من 650 ألف لاجئ وطالب لجوء قد يفقدون المساعدات الغذائية والتغذوية المنقذة للحياة خلال أسابيع، بسبب فجوة تمويلية حادة تهدد استمرار برامج الإغاثة.
وجاء التحذير المشترك من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وبرنامج الأغذية العالمي في 14 أغسطس/آب 2026، في وقت يعيش فيه جنوب السودان واحدة من أكثر الأزمات الغذائية حدة في العالم. ووفق أحدث البيانات الأممية، يواجه أكثر من 7.8 ملايين شخص مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، فيما يعاني نحو 2.2 مليون طفل من سوء التغذية الحاد.
مساعدات على وشك التوقف
تكمن الخطورة المباشرة في أن نحو 240 ألفاً من أشد اللاجئين احتياجاً قد يحصلون على آخر توزيعات غذائية لهم خلال سبتمبر، ما لم تصل تمويلات عاجلة. وتأتي هذه التحذيرات بعد أن اضطر برنامج الأغذية العالمي بالفعل إلى تقليص المساعدات، بينما يحصل المستفيدون الأكثر ضعفاً على حصص مخفضة.
ولا تتوقف المشكلة عند هذه المجموعة؛ إذ تحذر الأمم المتحدة من أن استمرار نقص التمويل قد يؤدي إلى توقف المساعدات الغذائية لجميع اللاجئين بحلول أكتوبر، في حال عدم توفير الموارد اللازمة.
ويحتاج برنامج الأغذية العالمي بصورة عاجلة إلى 37 مليون دولار لتغطية استجابته للاجئين، بينما يواجه فجوة تمويلية إجمالية تبلغ 258 مليون دولار لبقية عملياته في جنوب السودان خلال عام 2026، الأمر الذي يهدد المساعدات المقدمة إلى نحو 4.2 ملايين شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي.
أما مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فقد حصلت حتى الآن على 28% فقط من التمويل المطلوب، البالغ 286 مليون دولار لعام 2026، لمواصلة برامج الحماية والمساعدة لنحو أربعة ملايين لاجئ ونازح وعائد وأفراد من المجتمعات المضيفة الضعيفة.
خبراء يحذرون من تحول الجوع إلى كارثة
ويحذر المسؤولون الإنسانيون من أن القضية لم تعد مجرد نقص في المواد الغذائية، وإنما باتت مرتبطة بقدرة الأسر على البقاء.
وقال آدم أفندي، نائب المدير القطري لبرنامج الأغذية العالمي في جنوب السودان، إن المساعدة الغذائية تمثل في كثير من الحالات الفارق بين قدرة اللاجئين والمجتمعات المضيفة على الصمود وبين الانزلاق إلى أزمة أشد. ودعا إلى تحرك عاجل لتوفير الموارد اللازمة لإنقاذ الأرواح والحفاظ على سبل المعيشة.
وتكتسب تصريحات أفندي أهمية خاصة لأن تقليص المساعدات يأتي في وقت أصبحت فيه الأسر أكثر اعتماداً على برامج الإغاثة نتيجة ارتفاع الاحتياجات وضعف فرص العمل وارتفاع أسعار الغذاء.
من جانبه، حذر مسفين ديغيفو، نائب ممثل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في جنوب السودان، من الظروف القاسية التي يصل بها اللاجئون والعائدون من السودان. وأشار إلى أن آلاف الأشخاص يصلون أسبوعياً وهم في حالة إنهاك وجوع ويحتاجون بصورة عاجلة إلى الغذاء والحماية والمساعدة الإنسانية.
وتكشف تصريحات المسؤولين أن الأزمة لا تتعلق فقط بمن يعيشون داخل مخيمات اللاجئين، بل تمتد إلى المجتمعات المحلية التي تستضيف الوافدين، والتي تعاني أصلاً من ضعف الخدمات ونقص الموارد.
حرب السودان تضاعف الضغط
ويأتي جزء كبير من الضغط الحالي نتيجة استمرار الحرب في السودان منذ عام 2023. فقد تحول جنوب السودان إلى واحدة من أبرز وجهات الفارين من الصراع، حيث يصل إليه نحو ثلاثة آلاف لاجئ وعائد أسبوعياً، فيما تجاوز عدد الذين عبروا الحدود منذ اندلاع الحرب 1.4 مليون شخص، وفق المعطيات التي أوردتها وكالات الأمم المتحدة.
وهذا التدفق يعني أن الأزمة الإنسانية تتجدد بصورة مستمرة. فكل أسبوع يحمل معه آلاف الأشخاص الذين يحتاجون إلى الغذاء والمياه والمأوى والرعاية الصحية والحماية، بينما لا تملك الدولة المضيفة موارد كافية للتعامل مع الاحتياجات المتزايدة.
وفي المقابل، لا يستطيع كثير من اللاجئين العودة إلى السودان بسبب استمرار الصراع وانعدام الأمن، ما يجعل جنوب السودان أمام أزمة مفتوحة زمنياً لا يمكن احتواؤها بمجرد مساعدات مؤقتة.
العالم أمام اختبار أخلاقي
تثير الأزمة سؤالاً أكثر اتساعاً بشأن تعامل المجتمع الدولي مع الكوارث الإنسانية في إفريقيا. فالمشكلة، وفق الأرقام الأممية، ليست غياب المؤسسات القادرة على إيصال المساعدات، بل عدم توفير التمويل الكافي لها.
ويبدو التناقض واضحاً: أكثر من نصف سكان جنوب السودان يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، وآلاف اللاجئين يصلون أسبوعياً، بينما لا تحصل وكالات الأمم المتحدة إلا على جزء محدود من الأموال المطلوبة.
وهنا تظهر ملامح ما يمكن وصفه بتراجع الاهتمام الدولي بالأزمات الإنسانية الممتدة. فالأزمات التي لا تحظى بتغطية إعلامية واسعة أو لا ترتبط مباشرة بمصالح القوى الكبرى تواجه غالباً صعوبة أكبر في جذب التمويل، رغم أن آثارها الإنسانية قد تكون أكثر خطورة من أزمات أخرى تحظى باهتمام سياسي وإعلامي كبير.
وتؤكد بيانات الأمم المتحدة أن التخفيضات في التمويل الإنساني أصبحت تؤثر بصورة مباشرة في الفئات الأكثر ضعفاً حول العالم، بينما تتسع الفجوة بين حجم الاحتياجات والموارد المتاحة.
لكن وصف الوضع بأنه “تخاذل عالمي” يبقى توصيفاً تحليلياً وليس اتهاماً رسمياً صادراً عن الأمم المتحدة. ومع ذلك، فإن الفجوة الكبيرة بين التمويل المطلوب وما تم توفيره تعكس بوضوح حجم الأزمة التي تواجهها منظومة المساعدات الدولية.
الأطفال في مقدمة الخطر
ويعد الأطفال الفئة الأكثر تعرضاً لتداعيات نقص الغذاء. فوجود 2.2 مليون طفل يعانون سوء التغذية الحاد يجعل أي تقليص جديد للمساعدات تهديداً مباشراً للصحة والحياة، خصوصاً في المناطق التي تعاني من ضعف الخدمات الطبية.
وفي أبريل الماضي، أشارت بيانات الأمن الغذائي إلى وجود نحو 73 ألف شخص في مستويات كارثية من انعدام الأمن الغذائي، وهي المرحلة التي ترتبط بفجوات غذائية شديدة وارتفاع خطر الوفاة وانهيار سبل المعيشة.
ويحذر خبراء التغذية والصحة العامة من أن الجوع وسوء التغذية لا يعملان بمعزل عن الأمراض. فالطفل الذي يعاني سوء التغذية يصبح أكثر عرضة للعدوى، بينما تؤدي الأمراض بدورها إلى زيادة ضعف الجسم وسوء الحالة الغذائية.
وقد سبق أن حذر الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، من أن أزمة الغذاء هي في الوقت نفسه أزمة صحية، وأن سوء التغذية والمرض يمكن أن يدخلا الأطفال في دائرة خطرة يصعب كسرها دون تدخل مبكر.
موسم الأمطار يزيد التعقيدات
ولا تأتي أزمة التمويل في فراغ. فجنوب السودان يواجه خلال موسم الأمطار صعوبات إضافية في إيصال المساعدات، نتيجة تدهور الطرق والفيضانات وارتفاع تكلفة النقل.
وهذا يعني أن كل دولار مخصص للإغاثة يصبح أكثر أهمية، لأن إيصال الغذاء إلى بعض المناطق النائية يتطلب عمليات لوجستية معقدة ومكلفة.
كما أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية وضعف القوة الشرائية يدفعان الأسر إلى تقليص الوجبات، والاقتراض، وبيع الممتلكات، وتقليل الإنفاق على التعليم والصحة.
وبذلك يتحول نقص المساعدات من أزمة غذاء آنية إلى عامل يدفع الأسر نحو مزيد من الفقر ويقوض قدرتها على التعافي مستقبلاً.
ماذا ينتظر جنوب السودان؟
إذا لم تصل التمويلات المطلوبة خلال الأسابيع المقبلة، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في اتساع نطاق تقليص المساعدات، بدءاً من اللاجئين الأكثر اعتماداً عليها، ثم انتقال آثار الأزمة إلى النازحين والمجتمعات المضيفة والفئات التي تعيش بالفعل في مناطق معرضة لخطر المجاعة.
كما يمكن أن يرتفع سوء التغذية بين الأطفال، وتزداد معدلات التسرب من المدارس، وتتوسع آليات التكيف السلبية مثل العمل القسري والاستغلال وبيع الممتلكات.
وتحذر الأمم المتحدة أيضاً من أن استمرار تراجع المساعدات قد يزيد الضغط على اللاجئين للعودة إلى السودان أو البحث عن طرق أخرى للحصول على الغذاء والمساعدة، رغم أن العودة إلى مناطق الصراع لا توفر بالضرورة بيئة آمنة.
أما السيناريو الأسوأ فيتمثل في تزامن ثلاثة عوامل: استمرار تدفق اللاجئين من السودان، وتراجع التمويل الدولي، وتفاقم انعدام الأمن الغذائي داخل جنوب السودان. وعند اجتماع هذه العوامل، يمكن أن تتحول أزمة المساعدات إلى أزمة جوع واسعة يصعب احتواؤها بسرعة.
الفرصة الأخيرة قبل الانهيار
ورغم قتامة المشهد، لا تزال هناك فرصة لتجنب الأسوأ، إذا تحرك المانحون بسرعة لتغطية فجوة التمويل. فالاستجابة المبكرة أقل تكلفة من التعامل لاحقاً مع حالات سوء التغذية الشديد، والنزوح الجديد، وانتشار الأمراض، وانهيار سبل المعيشة.
وتؤكد تجربة جنوب السودان أن الغذاء ليس مجرد مساعدة مؤقتة، بل أداة لمنع انهيار المجتمعات الأكثر هشاشة. فالحفاظ على المساعدات يعني أيضاً إبقاء الأطفال في المدارس، وتقليل مخاطر الاستغلال، ومنح الأسر فرصة للبقاء دون بيع ممتلكاتها أو مغادرة مناطقها.
وفي النهاية، تقف أزمة اللاجئين في جنوب السودان أمام اختبار حقيقي للمجتمع الدولي. فالأرقام لم تعد مجرد إحصاءات: 650 ألف لاجئ معرضون لفقدان الغذاء، و7.8 ملايين شخص يواجهون انعدام الأمن الغذائي الحاد، و2.2 مليون طفل يعانون سوء التغذية.
وإذا لم تتحول التحذيرات الأممية إلى تمويل فعلي، فقد يصبح سبتمبر نقطة تحول في الأزمة، ليس لأن الغذاء غير موجود، وإنما لأن الأموال اللازمة لإيصاله إلى من يحتاجه لم تصل في الوقت المناسب.
وتبقى الرسالة الأبرز أن إنقاذ جنوب السودان من كارثة غذائية أوسع لا يتطلب بيانات جديدة بقدر ما يتطلب قراراً دولياً سريعاً: تمويل المساعدات، دعم الدول المضيفة، حماية اللاجئين، ومعالجة جذور النزوح المرتبطة بالحرب في السودان.
وكل تأخير في هذا التحرك قد يجعل فاتورة الأزمة الإنسانية أكبر، بينما يدفع الأطفال والأسر الأشد فقراً الثمن الأكبر.