بيان بشأن حراك السجون في مصر : أفرجوا عن الأسرى والمعتقلين
الشيخ محمد عبد المقصود
- dr-naga
- 30 سبتمبر، 2026
- مقالات وتحليلات
- الأسرى والمعتقلين, السجون في مصر
بسم الله القائل {ولقد كرمنا بني آدم}، والحمد لله الذي قال {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا}، والصلاة والسلام على رسول الله الذي قال: “فكوا العاني”، وعلى آله وصحبه وسلم.
وأما بعد..
فقد تابع العلماء والدعاة أخبار الحراك الحالي في السجون المصرية، حيث بدأت بوادر انتفاضة الأسرى الذين طال ظلمهم وتطاول حبسهم وتضاءل الأمل في نفوسهم أن يحصلوا على شيء من العدل! فقد قضى بعضهم أكثر من ثلاثة عشر عاما في السجن، وبعضهم ما زال مختفيا منذ ثلاثة عشر عاما لا يُعلم مصيره، وبعضهم قد تضاعفت عليه المؤبدات وأحكام الإعدام حتى صار عدُّها من العبث وأبواب السخرية والطرائف! فضلا عما يلاقيه الأسرى من انتهاك كرامتهم وإذلال نفوسهم والتضييق عليهم في الزيارات وفي التريض وفي حقوقهم الأساسية من طعام وشراب واستنشاق هواء وخروج إلى التريض، فإذا السجون المصرية طبقات من الظلم والظلمات بعضها فوق بعض!
وذلك كله مما يسخط الله ورسوله، لو كان هؤلاء الأسرى قد سُجِنوا بحق، فكيف يكون الحال وقد سُجِنوا ظلما وعدوانا، فحتى القضاء الوضعي الفاسد لم يكن مواتيا لسجن هؤلاء، فاصطُنِعت لهم دوائر خاصة، لم يقبل بالعمل فيها إلا أفسد الفاسدين من طبقة القضاة، ممن يتلقون الأحكام بالهاتف فلا يراعون حق الله ولا حتى حق القانون الوضعي في محاكمة طبيعية للمتهم، وكم كان في المتهمين من نطقت أجسادهم بعلامات التعذيب الرهيب ثم لم يُغْنِ عنهم هذا شيئا. فويلٌ لقاضي الأرض من قاضي السماء!
إن ما يشيع في مصر من المظالم الشديدة هو مما يفسر هذا المقت والغضب الإلهي الذي ينزل بالبلد، فلقد تحولت حياة الجميع جحيما، بين شيوع المفاسد واكتواء الجميع بغلاء الأسعار وانحلال الأخلاق وزيادة الجرائم!
وهذا الظلم الذي ينزل بالأسرى وأهليهم هو من أوجب الأمور التي يؤمر فيها بالمعروف ويُنهى فيها عن المنكر ويُجهر فيها بكلمة الحق عند الحاكم الجائر.
ولقد أوصى النبي ﷺ بالأسرى خيرا، وأمر بإطعامهم وسقيهم ونهى عن الإساءة إليهم –بله تعذيبهم-، وقد كانوا كفارا محاربين أخذوا من أرض الحرب، فكيف بهؤلاء الذين أُخِذ أغلبهم من فراشه أو من مقر عمله، ولم يكن يحمل سلاحا ولا حتى عصا، بل إن كثيرا منهم سُجِن لقولٍ قاله أو منشور كتبه؟!
وأمر النبي ﷺ أمته بالسعي في فك الأسرى فقال: “فكوا العاني” (البخاري)، واحتفظ علي بوصيته التي فيها “فكاك الأسير” (البخاري). بل أمر النبي بإعانة المسلم فيما هو أهون من الأسر، فقال ﷺ: “من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة” (البخاري ومسلم). بل لقد أخبر النبي ﷺ أن امرأة قد دخلت النار في هرة حبستها، فكيف بالبشر الذين كرمهم الله وخلقهم بيده ونهى عن ظلمهم؟!
وقد تردد في أقوال أهل العلم عبر الأعصار والأمصار والمذاهب، وجوب السعي الحثيث في استنقاذ الأسرى فقال ابن الهمام الحنفي: “إنقاذ الأسير وجوبه على الكل متجه من أهل المشرق والمغرب ممن عَلِم” (حاشية ابن عابدين 4/126)، وقال ابن العربي المالكي “الولاية معهم قائمة، والنصرة لهم واجبة بالبدن بألا يبقى منا عين تطرف حتى نخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم، حتى لا يبقى لأحد درهم” (أحكام القرآن 2/440)، وقال ابن تيمية الحنبلي: “فكاك الأسارى من أعظم الواجبات، وبذل المال الموقوف وغيره في ذلك من أعظم القربات” (مجموع الفتاوى 28/642). والأقوال كثيرة!
وبناء على ماسبق، وقياما بالواجب الذي ألقاه الله على عاتق أهل العلم، فإنهم يقررون الآتي:
1. إنهم يدعمون كل حراك يسعى إلى الإفراج عن المعتقلين والأسرى، ويضعون وراءه ثقلهم العلمي والدعوي، ويدعون إلى أن ينضم سائر أهل العلم إليهم في هذه القضية الواضحة الساطعة التي هي: نصرة المظلوم وتفريج كرب المكروب وإغاثة الملهوف وإعانة الضعيف.
2. إن استمرار حبس أي مظلوم ولو لساعة واحدة هو إجرام كبير وذنب عظيم تقع عقوبته على سائر المسؤولين بداية من رأس الدولة وحتى أصغر جندي فيها، ويشمل ذلك الذنب سائر من رضي بذلك أو أقره أو فرح به أو عمل على استمراره، سواءٌ أكان ذلك قاضيا أو إعلاميا أو كاتبا أو غير ذي صفة.
3. إن الواجب الشرعي، قبل القانوني، يفرض على السلطة المصرية الإفراج عن سائر هؤلاء المأسورين، وقد علم الجميع أن سجنهم لم يكن نتيجة تحقيق نزيه ولا تحريات وافية ولا قضاء عادل.
4. إن كل من يسعى في فك أسر هؤلاء الأسرى، إنما يقوم بعمل عظيم الأجر والمثوبة عند الله، سواءٌ أنجح في ذلك أم لم ينجح، وهو بذلك يرفع عن نفسه إثم السكوت عن الظلم والتفريط في حق أخيه المظلوم.
5. لا ريب أنه إذا سقط في هذه الانتفاضة أحد من الأسرى أو من الساعين في فك أسرهم، فإنه بإذن الله ينال أجر الشهادة ما دام مخلصا لله محتسبا، وقد رتب النبي ﷺ أجر الشهادة لمن دفع عن نفسه وعن عرضه وعن ماله! فقد اجتمع في حق الأسير المظلوم هذه الثلاثة: النفس والعرض والمال! فهو أولى بهذه المرتبة وأجدر.
ولا زال الموقعون على هذا البيان يأملون في أن يتحرك العقلاء من ذوي القدر والمكانة، وفي الطليعة منهم فضيلة شيخ الأزهر، لطي هذا الملف الأليم، وعسى أن يكون تدخله في صحائف أعماله الصالحة، ويكون سعيه في هذا مما يمنح السلطة القائمة بعضا من العذر وحفظ ماء الوجه.
إن الظلم مرتعه وخيم، وإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وها نحن نرى الجميع يموت ويذهب إلى ربه وقد انخلع من سلطته وألقابه ونفوذه، وكم من القضاة والجلادين قد شهدنا في الأيام الماضية رحيلهم، فلتكن هذه الفرصة لحظة توبة ورجوع إلى الحق، قبل أن يأتي أمر الله! فإن أمر الله لا مردّ له!