ندوة في رام الله تعيد صياغة نظرية الأمن القومي الفلسطيني
من مقاومة الاحتلال إلى تفكيك الأبرتهايد
- Ali Ahmed
- 8 يوليو، 2026
- اخبار عربية, تقارير وترجمات
- تابع معنا الأخبار العربية والدولية والعالم الإسلامي | أخبار الرائد
الرائد- في مؤشر على نضج الخطاب الاستراتيجي الفلسطيني وتحوله من المطالبات التقليدية بإنهاء الاحتلال إلى التركيز على تفكيك نظام الفصل العنصري، ناقشت ندوة متخصصة في مدينة رام الله سبل مناهضة الأبرتهايد في إطار نظرية الأمن القومي الفلسطيني.
الندوة التي نُظمت في (متحف ياسر عرفات) بدعوة من الحملة الأكاديمية الدولية لمناهضة الاحتلال والأبرتهايد الإسرائيلي، كشفت عن تحول جوهري في البنية الفكرية والقانونية للمواجهة، حيث لم يعد الاحتلال مجرد وجود عسكري مؤقت، بل نظاما مؤسسيا شاملا يستوجب تفكيكا جذريا.
المعطيات الميدانية: إعادة تعريف الأمن القومي
حملت الندوة عنوان (إستراتيجيات مناهضة الأبرتهايد في إطار نظرية الأمن القومي الفلسطيني)، وشارك فيها حشد من الشخصيات الوطنية والسياسية والعسكرية والأكاديمية. وأدارت الندوة مريم شومان، التي أدارت دفة الحوار نحو كيفية دمج مكافحة الفصل العنصري في صلب التخطيط الاستراتيجي الفلسطيني.
وفي معرض تعليقه على أهمية السردية والمواجهة الدولية، قال رئيس مجلس إدارة مؤسسة ياسر عرفات أحمد صبح: إننا نبذل جهدا كبيرا لتعزيز السردية الفلسطينية مقابل رواية الاحتلال الزائفة، وفلسطين أصبحت عنواناً للإنسانية في العالم، ونأمل أن تنضم قريباً دولة بلجيكا إلى الدول التي اعترفت بدولة فلسطين.
وشدد صبح على أن توثيق جرائم الاحتلال ونشرها مهم جدا، ودورنا أن نبقى متمسكين بأرضنا وبصمودنا بما يخدم أهدافنا الوطنية ويعزز البنية الذاتية الفلسطينية، وإيصال رسائلنا إلى كل دول العالم، خاصة في الغرب حيث ما زالت بعض الدول تتردد في فرض عقوبات ولو رمزية على الاحتلال.
من جهته، ركز الأمين العام للحملة الأكاديمية الدولية رمزي عودة على البعد المفاهيمي للمواجهة، مشيرا إلى أهمية فهم مكونات نظرية الأمن القومي الفلسطيني بأشكالها كافة، في مواجهة نظام الفصل العنصري. وأوضح عودة: نحن لا نطالب فقط بإنهاء الاحتلال، إنما بإنهاء نظام الفصل العنصري، وهذه رسالتنا إلى العالم، بأن معاناتنا تكمن في وجود هذا النظام إلى جانب الاحتلال.
أما المفوض العام لهيئة التوجيه الوطني والمعنوي اللواء أنور رجب، فقدم قراءة عسكرية واستراتيجية معمقة، مؤكدا أن مناهضة الأبرتهايد في إطار نظرية الأمن القومي الفلسطيني، يجب أن تكون حاضرة في كل سياستنا ورؤيتنا وخططنا المستقبلية. وقال رجب: اليوم نعيش مرحلة فيها جرائم متواصلة من المستعمرين، تستوجب منا توثيق كل هذه الجرائم للسعي في مسار قانوني نضالي يوائم تحركاتنا السياسية والدبلوماسية والدولية لحماية قضيتنا وأمننا وشعبنا.
وأضاف اللواء رجب موضحا الخصوصية الفلسطينية: الأمن القومي في الحالة الفلسطينية يتجاوز المفاهيم والتعريفات التقليدية لنظرية الأمن القومي، لأننا أمام احتلال استيطاني استعماري إحلالي يختلف عن أي احتلال في العالم، وبذلك يفرض علينا الأمن القومي فهمه بطريقة مختلفة، فنحن اليوم أمام مشروع تحرر وطني يواجه نظام فصل عنصري، يصنفه القانون الدولي كأحد أخطر الجرائم في الهيمنة وتكريس السيطرة الكاملة على الشعب المحتل.
وعلى الصعيد القانوني، أكدت المستشارة القانونية لوزارة العدل منى بركات أن الفصل العنصري يواجه الأمن القومي الفلسطيني بمفهومه الشامل، بما ينطوي عليه من سياسات ممنهجة، تستهدف الإنسان الفلسطيني والأرض والموارد والهوية والقضية والمؤسسات العامة. وقالت بركات: ولم يعد توصيف هذه الممارسات باعتبارها شكلا من أشكال التمييز العنصري مجرد موقف سياسي أو حقوقي، بل أصبح يستند إلى أسس قانونية راسخة في القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة وتقارير الهيئات الدولية المستقلة.
من التقارير الحقوقية إلى أروقة المحاكم الدولية
لفهم التحول الذي تعكسه هذه الندوة، لا بد من الوقوف على الخلفية التاريخية لكيفية تبني القيادة والمؤسسات الفلسطينية لمصطلح الأبرتهايد. تاريخيا، كان الخطاب الفلسطيني يركز على حق تقرير المصير وقرارات الشرعية الدولية الخاصة بإنهاء الاحتلال. ولكن في السنوات الأخيرة، وتحديدا بعد صدور تقارير مصيرية عن منظمات حقوقية كبرى مثل هيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية، ومنظمة بتسيلم الإسرائيلية بين عامي 2021 و2022، والتي اتهمت فيها إسرائيل بارتكاب جريمة الفصل العنصري، بدأ الخطاب الفلسطيني يتبنى هذا المصطلح كسلاح قانوني وسياسي.
بلغ هذا المسار ذروته في يوليو 2024، عندما أصدرت محكمة العدل الدولية فتواها التاريخية حول الآثار القانونية للاحتلال الإسرائيلي، والتي أكدت فيها بشكل صريح أن سياسات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة ترقى إلى مستوى الفصل العنصري. هذا التطور القانوني أجبر صناع القرار الفلسطيني على إعادة صياغة نظرية الأمن القومي، فلم يعد الأمن القومي يعني فقط حماية حدود دولة مستقبلية، بل يعني حماية الوجود الفلسطيني اليومي أمام آلة عنصرية تسعى لتهجيرهم أو إخضاعهم.
سيناريوهات المرحلة القادمة
بناء على مخرجات هذه الندوة والتوجهات الاستراتيجية الفلسطينية الحالية، يمكن استشراف عدة سيناريوهات للفترة القادمة:
أولا: التصعيد في المسار القانوني الدولي
من المتوقع أن تترجم مخرجات الندوة إلى ملفات جديدة تُقدم للمحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية. التركيز لن يكون فقط على جرائم الحرب، بل على جريمة مستمرة وهي جريمة الأبرتهايد، مما يفتح الباب لمساءلة قادة إسرائيليين بتهم أخطر وأوسع.
ثانيا: إعادة توجيه البوصلة الدبلوماسية الغربية
كما أشار أحمد صبح إلى التردد الغربي في فرض العقوبات، فإن التوقعات تشير إلى أن الدبلوماسية الفلسطينية ستكثف حملاتها في أوروبا، وتحديدا في دول مثل بلجيكا، للضغط من أجل الاعتراف بالدولة الفلسطينية وفرض عقوبات على المستوطنات، مستندة في ذلك إلى التوصيف القانوني الجديد للأبرتهايد الذي يُلزم الدول الثالثة بعدم الاعتراف بهذا الوضع غير القانوني.
ثالثا: تفعيل المقاطعة الأكاديمية والثقافية
بما أن الندوة جاءت بدعوة من الحملة الأكاديمية الدولية، فإن التوقعات تشير إلى تصعيد حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على المؤسسات الإسرائيلية والمتواطئة معها، باعتبارها أدوات فاعلة في ترسيخ نظام الفصل العنصري.
رابعا: إعادة صياغة مفهوم الحل السياسي
إن التركيز على تفكيك الأبرتهايد يعني ضمنيا أن أي حل سياسي مستقبلي لن يُقاس فقط بإقامة دولة فلسطينية، بل سيشترط تفكيك القوانين والممارسات التمييزية، وضمان المساواة الكاملة، مما يضع المجتمع الدولي أمام خيارين: إما دولة ديمقراطية واحدة متساوية الحقوق، أو تفكيك كامل لنظام الأبرتهايد.
الخاتمة
إن الندوة التي عُقدت في متحف ياسر عرفات ليست مجرد حوار فكري عابر، بل هي إعلان عن نضج الاستراتيجية الفلسطينية. لقد أدركت النخب الفلسطينية السياسية والقانونية والأكاديمية أن المعركة لم تعد فقط ضد جيش يحتل الأرض، بل ضد نظام قانوني وسياسي واقتصادي مصمم لتهويد المكان وإنسانه. إن دمج مناهضة الأبرتهايد في نظرية الأمن القومي الفلسطيني يمثل نقلة نوعية، تحول فيها الضحية من طالب للشفقة إلى طالب للعدالة الدولية الملزمة، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي: هل سيستمر في التعامل مع الأعراض، أم سيواجه الجذر وهو نظام الفصل العنصري؟
المصادر والمراجع
1. متحف ياسر عرفات والحملة الأكاديمية الدولية لمناهضة الاحتلال والأبرتهايد: البيان الرسمي ومخرجات ندوة إستراتيجيات مناهضة الأبرتهايد في إطار نظرية الأمن القومي الفلسطيني، رام الله، يوليو 2026.
2. تصريحات أحمد صبح، رئيس مجلس إدارة مؤسسة ياسر عرفات، حول السردية الفلسطينية والدور الأوروبي والاعتراف بدولة فلسطين.
3. تصريحات اللواء أنور رجب، المفوض العام لهيئة التوجيه الوطني والمعنوي، حول خصوصية الأمن القومي الفلسطيني وطبيعة الاحتلال الاستيطاني الإحلالي.
4. تصريحات منى بركات، المستشارة القانونية لوزارة العدل، حول الأسس القانونية لوصف الممارسات الإسرائيلية كأبرتهايد وفق القانون الدولي.
5. محكمة العدل الدولية: الفتوى القانونية التاريخية الصادرة في يوليو 2024 حول الآثار القانونية للاحتلال الإسرائيلي، والتي أكدت على وجود ممارسات فصل عنصري.
6. تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية (هيومن رايتس ووتش، العفو الدولية، بتسيلم): التقارير الصادرة بين 2021 و2022 والتي أسست قانونيا لوصف النظام الإسرائيلي كنظام فصل عنصري.
7. تصريحات رمزي عودة، الأمين العام للحملة الأكاديمية الدولية، حول ضرورة إنهاء نظام الفصل العنصري وليس الاحتلال فحسب.
