ما يجب معرفته عن صندوق ترامب لمكافحة التسليح

هل سيكون حيلة جديدة لتوجيه الأموال العامة بعيدًا عن مراقبة الكونغرس والقضاء

في خطوة غير مسبوقة في التاريخ السياسي والقانوني الأمريكي، تحولت دعوى قضائية رفعها الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” ضد مؤسسات حكومية خاضعة لسلطته التنفيذية إلى مشروع مالي ضخم بقيمة 1.776 مليار دولار، يحمل اسم “صندوق مكافحة التسليح”، وبينما تصفه إدارة ترامب بأنه آلية لتعويض ضحايا الاستهداف السياسي وسوء استخدام مؤسسات الدولة، يرى منتقدوه أنه نموذج جديد لتوجيه الأموال العامة بعيدًا عن الرقابة التقليدية للكونغرس والقضاء.

وقد أثار الصندوق منذ لحظة الإعلان عنه عاصفة من الجدل السياسي والقانوني، ليس فقط بسبب حجمه المالي الهائل، بل أيضًا بسبب طبيعة المستفيدين المحتملين منه، وآليات عمله، والسلطات الاستثنائية التي يتمتع بها القائمون عليه، ومع دخول القضاء الفيدرالي على خط المواجهة وتجميد الصندوق مؤقتًا، تحولت القضية إلى اختبار دستوري وسياسي قد يرسم حدودًا جديدة لعلاقة السلطة التنفيذية بالمال العام في الولايات المتحدة.

بداية الأمر ..

تعود جذور القضية إلى الدعوى التي رفعها “ترامب” مطلع العام ضد “مصلحة الضرائب الأمريكية” و”وزارة الخزانة”، مطالبًا بتعويض قدره 10 مليارات دولار بسبب تسريب “إقراراته الضريبية لعام 2019”.

وكانت القضية تتجه نحو مواجهة قضائية معقدة، إلا أن “وزارة العدل” اختارت تسويتها قبل موعد الرد الرسمي على أسئلة المحكمة بشأن مدى قانونية الدعوى، وبموجب الاتفاق، حصل ترامب وأبناؤه ومنظمة ترامب على اعتذار رسمي، بينما لم يحصلوا على أي تعويض مالي مباشر، لكن العنصر الأكثر إثارة في التسوية لم يكن الاعتذار، بل إنشاء صندوق جديد بقيمة “1.776 مليار دولار” لتعويض أشخاص يدّعون تعرضهم لما تصفه الإدارة بـ “الملاحقات القضائية ذات الدوافع السياسية”.

ما المقصود بمكافحة التسليح ؟

أصبح هذا المصطلح أحد أكثر المصطلحات استخدامًا داخل المعسكر المحافظ الأمريكي خلال السنوات الأخيرة، ويشير المصطلح إلى استخدام مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية أو القضائية أو التنظيمية ضد خصوم سياسيين بدوافع سياسية وليس وفقًا لمعايير قانونية محايدة.

ويؤكد أنصار ترامب أن مؤسسات مثل “وزارة العدل و”مكتب التحقيقات الفيدرالي” ومصلحة الضرائب استُخدمت خلال السنوات الماضية لاستهداف المحافظين وحلفاء الرئيس الأمريكي السابق، في المقابل.. يرى “منتقدو ترامب” أن المصطلح تحول إلى أداة سياسية تُستخدم لتصوير الإجراءات القانونية الطبيعية على أنها مؤامرات حكومية، خاصة في القضايا المتعلقة بالانتخابات أو أحداث اقتحام “الكابيتول” في السادس من يناير 2021.

كيف يعمل الصندوق؟

وفقًا لما تم الإعلان عنه، فإن الصندوق لايعمل كبرنامج حكومي تقليدي يخضع لإشراف “الكونغرس” أو الوكالات الفيدرالية المعتادة، بل سيقوم “وزير العدل” بتعيين لجنة مكونة من خمسة أعضاء تتولى دراسة الطلبات وتحديد المستحقين للتعويضات، وتتمتع اللجنة بصلاحيات واسعة للغاية، إذ لا يمكن استئناف قراراتها أو الطعن فيها أمام المحاكم، كما أن الاتفاق لا يفرض الكشف العلني عن أسماء المستفيدين أو المبالغ التي حصلوا عليها.

ويستمر عمل الصندوق حتى “ديسمبر 2028″، ما يمنحه أفقًا زمنيًا يمتد لعدة سنوات تتجاوز دورة انتخابية كاملة، وتسمح التسوية كذلك باستخدام جزء من أموال الصندوق لتغطية نفقاته الإدارية والتشغيلية، بما يشمل الموظفين والسفر والمكاتب والبنية الإدارية اللازمة لإدارته.

لماذا استطاعت الإدارة تأسيسه؟

تكمن الإجابة في آلية قانونية قديمة تُعرف باسم “صندوق الأحكام”، حيث أنشأ “الكونغرس” هذا الصندوق عام 1956؛ لتسريع دفع التعويضات والأحكام القضائية والتسويات القانونية التي تتحملها الحكومة الفيدرالية دون الحاجة إلى تشريع منفصل في كل مرة.

وكان الهدف الأصلي منه تقليل البيروقراطية وتسريع تنفيذ الأحكام القضائية، في بداياته.. كان الصندوق يخضع لسقف إنفاق لا يتجاوز الـ “100 ألف دولار” لكل حالة، لكن “الكونغرس” ألغى هذا القيد عام 1978، ما فتح الباب أمام مدفوعات بـ”مئات الملايين” أو حتى “مليارات الدولارات”، واستندت “إدارة ترامب” إلى هذه الثغرة القانونية لتبرير إنشاء “صندوق مكافحة التسليح” دون العودة إلى “الكونغرس” للحصول على موافقة تشريعية مباشرة.

لماذا يثير الصندوق الجدل؟

يرى المعارضون أن القضية تتجاوز مجرد تعويض ضحايا يتم الزعم بأنهم مستهدفون سياسيًا، فبحسب المنتقدين، يخلق الصندوق سابقة تسمح للرئيس بتحويل تسوية قضائية شخصية إلى برنامج حكومي واسع النطاق يُمول من أموال دافعي الضرائب.

كما يثير غياب الشفافية مخاوف كبيرة، إذ لا توجد متطلبات واضحة للإفصاح عن هوية المستفيدين أو قيمة التعويضات التي يحصلون عليها، وتزداد المخاوف بسبب استحالة الطعن القضائي في قرارات اللجنة، وهو ما يعني فعليًا أن مليارات الدولارات قد تُصرف دون رقابة قضائية أو مساءلة عامة كافية، ويعتبر بعض الخبراء أن هذه الصيغة تمنح السلطة التنفيذية مساحة غير مسبوقة للتصرف في الأموال العامة.

من قد يحصل على الأموال؟

هذا السؤال يمثل أحد أكثر جوانب القضية إثارة للجدل، فبحسب تصريحات مسؤولي الإدارة، يمكن لأي شخص تقريبًا يدّعي تعرضه لـ”الملاحقات القضائية ذات الدوافع السياسية” أن يتقدم بطلب للحصول على تعويض، وعندما سُئل القائم بأعمال وزير العدل “تود بلانش” عما إذا كان “الأشخاص المدانون بالاعتداء على عناصر شرطة الكابيتول” سيُستبعدون من البرنامج، امتنع عن تقديم ضمانات واضحة.

كما أشار نائب الرئيس “جيه دي فانس” إلى أن شخصيات مثيرة للجدل، من بينها “تينا بيترز” وهي مسؤولة انتخابات سابقة وعضوة في الحزب الجمهوري، اتُهمت “بيترز” بالسماح لأشخاص غير مخولين بالوصول إلى أنظمة التصويت الإلكترونية في مقاطعة “ميسا” بولاية كولورادو، والتي كانت تشغل وظيفة “مسئول السجلات”، بهدف البحث عن أدلة تدعم مزاعم التلاعب بانتخابات 2020، والتي فاز فيها “جو بايدن” على “ترامب”.

وفي عام 2024 أُدينت في عدة تهم جنائية مرتبطة بخرق أنظمة الانتخابات والتلاعب بالبيانات الرسمية، وحُكم عليها بالسجن، وأصبحت بالنسبة لأنصار ترامب رمزًا لما يسمونه “الاستهداف السياسي”، و”هانتر بايدن” وهو الابن الثاني للرئيس الأمريكي السابق “جو بايدن”، وهو محامٍ ورجل أعمال أمريكي، حيث اتهمه الجمهوريون باستغلال اسم ونفوذ والده لتحقيق مكاسب تجارية، بينما اعتبر الديمقراطيون أن جزءًا كبيرًا من التحقيقات والاتهامات الموجهة إليه يحمل دوافع سياسية.

ولذلك يرى نائب الرئيس أن تلك الشخصيات قد تكون مؤهلة نظريًا للحصول على تعويضات إذا استوفت المعايير التي ستحددها اللجنة، هذا الغموض فتح الباب أمام اتهامات بأن الصندوق قد يتحول إلى وسيلة لتعويض حلفاء سياسيين أو شخصيات مرتبطة بقضايا ذات طابع حزبي.

اشتعال المعارك القضائية..

لم يمض وقت طويل قبل أن تواجه المبادرة تحديات قانونية مباشرة، فقد رفعت مجموعات قانونية وعدد من المسؤولين السابقين دعاوى قضائية تطعن في شرعية الصندوق، واعتبر المدعون أن البرنامج يمثل تجاوزًا لصلاحيات السلطة التنفيذية، ويستخدم أموالًا عامة في أغراض لم يوافق عليها الكونغرس.

كما رفع ضابطان سابقان شاركا في الدفاع عن “مبنى الكابيتول” دعوى منفصلة، محذرين من أن الأموال قد تصل إلى أفراد شاركوا في أحداث “السادس من يناير”، أو دعموا أعمال التمرد، وتستند بعض الطعون إلى التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي الذي يحظر على الحكومة تحمل التزامات مرتبطة بأعمال التمرد ضد الولايات المتحدة.

بلغت المواجهة مرحلة جديدة عندما أصدرت القاضية الفيدرالية “ليوني برينكيما” أمرًا قضائيًا مؤقتًا يمنع “وزارة العدل” من اتخاذ أي خطوات إضافية لتنفيذ الصندوق، وشمل القرار وقف تحويل الأموال ومنع دراسة الطلبات أو صرف التعويضات لحين النظر في قانونية البرنامج.

ويُعد هذا القرار أول انتكاسة قضائية كبيرة للمشروع، لكنه لا يعني إلغاءه نهائيًا، فالقضية لا تزال في مراحلها الأولى، ومن المتوقع أن تنتقل إلى مستويات قضائية أعلى إذا أصرت الإدارة على الدفاع عنه.

اختبار جديد لحدود السلطة..

لا تتوقف أهمية “صندوق مكافحة التسليح” عند قيمته المالية الضخمة أو الجدل الدائر حول المستفيدين المحتملين منه، بل تمتد إلى ما قد يؤسسه من سابقة قانونية وسياسية غير مسبوقة في إدارة المال العام الأمريكي، فالمعركة الدائرة اليوم لا تتعلق فقط ببرنامج أطلقته “إدارة ترامب”، وإنما بمستقبل العلاقة بين السلطتين التشريعية(الكونغرس)، والقضائية(المحاكم الفيدرالية)، وحدود قدرة السلطة التنفيذية على توظيف أموال الخزانة عبر تسويات قانونية بعيدًا عن المسار التشريعي التقليدي.

وإذا ما أقر القضاء شرعية هذه الآلية، فقد تجد الإدارات المقبلة، جمهورية كانت أم ديمقراطية، في “صندوق الأحكام” بوابة لتأسيس برامج مماثلة دون العودة إلى الكونغرس، وهو ما قد يعيد رسم التوازنات الدستورية التي حكمت الإنفاق الفيدرالي لعقود.

وبينما تصر “إدارة ترامب” على أن الصندوق يمثل إنصافًا لضحايا الاستهداف السياسي، يرى معارضوه أنه يفتح الباب أمام نموذج جديد للإنفاق الحكومي محدود الرقابة وواسع الصلاحيات، لذلك.. قد لا يحدد القضاء مصير الـ 1.776 مليار دولار فحسب، بل قد يحسم أيضًا واحدة من أهم المعارك المتعلقة بحدود السلطة الرئاسية والرقابة على المال العام في الولايات المتحدة خلال العقود الأخيرة.

اترك تعليقا