بين الضغوط السياسية والحسابات الاقتصادية.. طهران أمام اختبار معقد

ثلاثة مسارات أمام إيران، ولا يوجد خيار يخلو من كلفة سياسية أو عسكرية

بعد أيام من المواجهة العسكرية بين “الولايات المتحدة” و”إيران” حول أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، تجد “طهران” نفسها أمام معادلة معقدة.. حيث أن كل طريق تختاره يحمل ثمناً باهظاً، فلا التسوية تضمن الحفاظ على النفوذ، ولا التصعيد يضمن تحقيق مكاسب.. فيما يبقى خيار إدارة الأزمة تحت سقف “الحرب الشاملة” محفوفاً بمخاطر متزايدة.

بين التسوية والتصعيد والمناورة..

حسب تقرير معمق لشبكة “بي بي سي”، فإن حسابات “القيادة الإيرانية” تدور حول ثلاثة مسارات رئيسية.. أولها القبول بتسوية واسعة تتضمن حرية الملاحة عبر «مضيق هرمز»، وتقليص “قدرات إيران النووية”، و”السماح برقابة دولية مشددة”، مقابل رفع الضغوط الاقتصادية وإنهاء القيود على “الموانئ الإيرانية” وتخفيف العقوبات، ورغم أن هذا الخيار قد يكون الأقل كلفة عسكرياً واقتصادياً، فإنه يمثل (تحدياً سياسياً كبيراً داخل النظام الإيراني)، إذ قد يُفسَّر على أنه تراجع أمام الضغوط الأمريكية بعد سنوات من التأكيد على أن “البرنامج النووي” وأدوات النفوذ الإقليمية تمثل ركائز أساسية للقوة الإيرانية.

أما المسار الثاني.. فيتمثل في التصعيد عبر استهداف المصالح الأمريكية، أو حركة الشحن، أو البنية التحتية الحيوية في “الخليج”، بهدف رفع تكلفة المواجهة على “واشنطن” وحلفائها ودفعهم إلى تقديم تنازلات، إلا أن هذا الخيار يحمل مخاطر كبيرة، إذ قد يؤدي إلى توسيع دائرة الصراع ودخول دول إقليمية بشكل مباشر، ما يضع “إيران” أمام مواجهة أوسع.

ورقة ضغط قد تتحول إلى عبء..

يبقى الخيار الثالث.. وهو استمرار سياسة الضغط المحسوب، عبر إبقاء «مضيق هرمز» ورقة نفوذ دون الوصول إلى نقطة الانفجار العسكري، ويعتمد هذا النهج على رهان إيراني طويل الأمد، مفاده أن الصمود قد يكون بحد ذاته وسيلة لتحقيق مكاسب، حتى في مواجهة خصم يمتلك تفوقاً عسكرياً واقتصادياً.

لكن استخدام المضيق كسلاح، يحمل مفارقة استراتيجية، فكلما زادت المخاطر حول حركة الشحن، دفعت الدول إلى البحث عن طرق بديلة لتصدير الطاقة، وتقليل اعتمادها على المنطقة، وهو ما أشار إليه مسؤولون إيرانيون سابقاً، مؤكدين أن قيمة «هرمز» تكمن في كونه ممراً نشطاً للتجارة العالمية وليس منطقة اضطراب دائم.

وتزداد صعوبة القرار بسبب غموض مراكز القوة داخل “إيران”، فبعد رحيل المرشد السابق “آية الله علي خامنئي” وتولي القيادة الجديدة، لم يعد واضحاً مدى التوازن بين “التيار البراغماتي” الداعي إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية، و”المتشددين”، الذين يرون أن أي تنازل قد يهدد أسس النظام، إضافة إلى الدور المحوري لـ”الحرس الثوري”، الذي يرتبط مباشرة بالبرنامج الصاروخي، والنفوذ الإقليمي، واستراتيجية المضيق، وفي الداخل الإيراني.. تبدو كلفة الصراع أكثر وضوحاً لدى المواطنين الذين يواجهون ارتفاع الأسعار، وتعطل الأعمال، وتراجع فرص العمل، وسط مخاوف من استمرار الحرب، فبينما ترى القيادة أن الصمود أداة قوة، يواجه المواطنون تبعات اقتصادية واجتماعية متزايدة.

وفي المقابل، يواجه الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” خيارات صعبة أيضاً بين توسيع المواجهة، أو استمرار الضغط، أو القبول بتسوية تتيح لـ”إيران” برنامجاً نووياً مدنياً محدوداً تحت رقابة أكثر صرامة، وبينما لا يبدو أن أياً من الطرفين يمتلك طريقاً واضحاً نحو “النصر”، يبقى السؤال الأكبر: هل تستطيع إيران الحفاظ على «مضيق هرمز» كورقة نفوذ دون أن يتحول إلى شرارة حرب أوسع، أو يفقد تدريجياً أهميته الاقتصادية؟

اترك تعليقا