لماذا لا يصدق كثيرون جرائم العلويين؟
أحمد دعدوش يكتب
- dr-naga
- 5 مايو، 2026
- حوارات ومقالات
- أحمد دعدوش, الحصار, النظام العلوي, جرائم العلويين, سوريا
نسبة كبيرة من الشعب السوري (ومن الطائفة السنية) لا تصدّق الفظائع التي حدثت في بلدهم على يد النظام العلوي، مع أنهم لم يكونوا مؤيدين للنظام بالضرورة، فما بالك بمعظم الشعوب العربية الأخرى؟ وفيما يلي تحليلي للأسباب:
– اجتياح المدن والقرى وتجويعها بالحصار وقصفها بالبراميل العشوائية لم يحدث لكل مناطق سورية، فهناك أحياء في وسط المدن الكبرى ظلت معزولة نسبيا عن مظاهر الحرب، بينما كان القصف يدك كل مبنى في أحياء مجاورة، وبما أن الشعب السوري نشأ طوال نصف قرن على الخوف من كل ما يتعلق بالسياسة فالكثير من سكان المناطق “الآمنة” تعمدوا تجهيل أنفسهم وتجاهل أي خبر عن المأساة التي تحدث في مناطق أخرى، وقد تعمد النظام أيضا معاملة أهالي وسط دمشق وغيرها من المدن معاملةً جيدة مقارنة بغيرهم كي يشعروا بالتفضيل والامتنان، والنتيجة هي جهل كبير بتفاصيل ما حدث.
– حتى لو عرف سكان المناطق “الآمنة” بما كان يحدث لغيرهم فقد كانوا يعرفون أيضا أنه لا يمكنهم أن يساعدوا أهلها، فالعجز عن التغيير يدفع الإنسان تلقائيا إلى آليات الهروب النفسي. أذكر هنا قصصا مؤلمة لأصدقاء كانوا يعانون من سماع أصوات المدفعية التي تنطلق من منطقتهم “الآمنة” لتدك منازل إخوانهم في مناطق الغوطة المجاورة.
– مهما تعاطف الإنسان مع مأساة إنسان آخر فلن يبلغ درجة الاندماج معه. والإنسان يتعامل مع الآخرين وفق دوائر متفاوتة الحجم ومتقاطعة، فهناك أهله المقرّبون جدا، ثم أقاربه الأبعد، ثم الجيران والأصدقاء، ثم تبتعد الدوائر لتشمل سكان الحي والمدينة والمنطقة وصولا إلى أطراف البلد، وكلما ابتعد الناس عنه قلّ شعوره بأفراحهم وأحزانهم. ولو عدنا إلى الدائرة الأضيق فحتى أحزان أقرب الناس إلينا لن تؤثر فينا بنفس القدر، وإذا اجتمع هذا العامل النفسي مع العجز والخوف كان الشعور بمأساة شركاء الوطن في مناطق بعيدة أقل.
– فظائع الاعتقال والتعذيب الوحشي والاغتصاب لا يمكن أن تطال الشعب كله، ولا حتى سكان المناطق المنكوبة الذين نزحوا هربًا من الحرب ولم يحتكّوا مباشرة مع مجرمي النظام، كما أن بعض الفظائع لا تحدث في إلا الأقبية المغلقة، ومع أن نتائجها من صور الجثث تنتشر في الإعلام لكن دوافع الخوف والعجز تدفع العقل مرة أخرى إلى آليات التجاهل والإنكار.
– بعض الفظائع لا يمكن نقلها بالصور كقصص الاغتصاب الرهيبة، ومصدرها يقتصر على روايات الناجين والناجيات، وهي تمس أعماق النفس وتخالف كل استقر فيها من الطبائع، وهنا يلجأ العقل لمزيد من التشكيك والإنكار المدفوع بدوافع إضافية من الخوف على العرض، لا سيما أن انحطاط الجناة إلى القاع الذي لا يتخيله العقل السويّ مهما كانت ثقافته يجعل تلك الروايات أقرب إلى المبالغة من الحقيقة.
– معظم الشعب السوري لم ينشأ نشأة طائفية باطنية، ولم يتلقّ في طفولته تربية قائمة على الحقد والتوجس من الآخر، ولم يسمع المواطن السنّي شيئا عما ينشأ عليه مواطنه العلوي بسبب القمع والخوف. وعندما قامت الثورة وبدأ الانتقام الممنهج احتاج الكثير من الناس إلى فترة لتجاوز الصدمة وتصديق الفظائع التي تحدث، بينما ظل آخرون ينكرون لعدم قدرتهم على تجاوز الصدمة.
– عندما يُطبق الاستعباد على صدور مجتمع كامل، يلجأ العقل الجمعي إلى ثقافة تبرير الاستعباد لتحويله إلى أمر مستساغ يسهل على النفس تقبله بدون أن تخسر كرامتها. فمثلا لا يمكن للمواطن السنّي أن يعيش حياة طبيعية وهو يقرّ بأن نساء المجتمع يتعرضن للاغتصاب على يد رجال الدولة نفسها. هنا يلجأ تلقائيا للإنكار وإقناع الذات بأنها مبالغات، وأن قصص التعذيب الرهيبة لا تتجاوز بضع حالات شاذة وليست عملية ممنهجة.
– للأسباب السابقة كلها، ما زال بعض السنّة حتى اليوم عاجزين عن تصديق أن عناصر الأمن الذين كانوا يرونهم كل يوم على الحواجز يمارسون الاغتصاب في حق المعتقلات البريئات العفيفات، لا سيما أن هذا يحدث لغيرهم. بعض الناس كانوا يجاهرون بالإنكار كي لا يتحملوا العبء الثقيل للتصديق، ومنهم من كان يسخر من أي شخص يحذرهم من الاقتراب من الحواجز أو من التوجه إلى فرع مخابرات للسؤال عن أقاربهم المعتقلين، ثم يتعرضون بأنفسهم للتحرش أو الاعتقال ثم الاغتصاب والتعذيب، وبعضهم قُتل بعدما كان يستبعد ويُنكر.
– إذا كان الإنكار السابق شائعا في سورية نفسها فما بالك بشعوب أخرى بعيدة عن سورية؟ وخصوصا تلك البلاد التي تخلو من الطوائف الباطنية السرية التي نشأت على حقد عمره أكثر من عشرة قرون. العقل البسيط يستبعد وجود جماعات بشرية تتغذى على الحقد وتنشئ أطفالها عليه، ولو تصوّر حدوث هذا الأمر فسيتصوره في أدغال القارات البعيدة وليس في بلاد العرب والمسلمين.
ومهما شرحتَ وبينتَ فليس الخبر كالمعاينة، ولا المعاينة كالتجربة.