لماذا أعلنت الإمارات اليوم الانسحاب من منظمة أوبك؟
خالد قؤاد يكتب
- dr-naga
- 28 أبريل، 2026
- حوارات ومقالات
- أسعار النفط, أسواق النفط, الإمارات, الانسحاب ـ منظمة أوبك؟, السعودية, الطاقة الدولية, النفط, الولايات المتحدة, بريطانيا
الإجابة بإيجاز: هذا القرار يشير إلى فصل جديد أكثر خطورة في توتر العلاقات بين الإمارات والسعودية كما أنه يعلن نهاية حقبة السياسات النفطية الموحدة لدول الخليج.
من المهم فهم السياق التاريخي لمنظمة أوبك حتى نصل إلى محاولة لفهم دقيق للحظة الحالية:
في بداية السبعينيات كان المتحكم الرئيسي في أسعار النفط هو منظمة أوبك وعلى رأسها المملكة العربية السعودية ولكن حرب أكتوبر 73 مثلت لحظة فاصلة في تاريخ كبار منتجي النفط الخليجيين ومعهم منظمة أوبك فبعد أن قرر نيكسون في 12 أكتوبر أن ينقذ إسرائيل من هزيمة ثقيلة ويمدها بجسر جوي لمواجهة الجيش المصري المتفوق على الجبهة الشرقية للقناة قررت الدول الخليجية وعلى رأسهم السعودية والكويت في اليوم التالي مباشرة حظر النفط عن الولايات المتحدة وبريطانيا وبعض الدول الغربية وهنا وقعت أولى وأكبر أزمات النفط الدولية أو ما يسمى أزمة حظر النفط العربي.
كان لصدمة حظر النفط أثر عميق داخل أمريكا وأوروبا وفي أعقاب ذلك مباشرة أنشأت أمريكا والدول الغربية منظمة الطاقة الدولية (IEA) والتي كان هدفها الرئيسي إدارة الدول الأعضاء الاحتياطات الاستراتيجية النفطية والقدرة على مواجهة الانقطاعات والاضطرابات المفاجئة ولكن الهدف الأهم كان تقويض قدرة كبار منتجي النفط/أوبك عن استخدام صادراتهم النفطية كأداة للضغط وبمعنى أدق إضعاف منظمة أوبك وحرمانها من التحكم في أسواق النفط.
وبالفعل في غضون عدة سنوات كانت أسواق النفط قد تغيرت بشكل هيكلي وأصبحت العقود الآجلة والفورية ومؤشرات برنت وخام غرب تكساس والعرض والطلب هي المتحكم الرئيسي في تحديد سعر النفط وتراجعت قدرة أوبك إلى حد كبير.
ومع ذلك بقيت لأوبك قدرة إلى حد ما على الاستفادة من حجم انتاجها الذي يتخطى ثلث الإنتاج العالمي في توجيه وضبط الأسعار بشكل يحقق أرباح مناسبة للدول الأعضاء وهنا كانت القيادة الفعلية للمنظمة عبر السعودية التي استطاعت عبر عقود التنسيق بين أعضاء المنظمة واتخاذ قرارات جماعية بخفض أو زيادة الإنتاج بالقدر الذي يضبط الأسعار ولا يتسبب في خسائر للدول المنتجة.
ولكن الدور السعودي في منظمة أوبك ارتبط في السنوات الأخيرة بالإمارات ليس باعتبارها ثالث أكبر دولة منتجة للنفط في منظمة أوبك بعد المملكة والعراق ولكن لاعتبار اخر دقيق ومهم وهي أن الإمارات تعد الدولة الوحيدة بعد السعودية التي تمتلك طاقة إنتاجية فائضة (Spare production capacity) وهذا يعني أن الدولتين يمتلكان القدرة على زيادة انتاجهما بشكل فوري لذلك لم يكن من المستغرب أن يذهب بايدن بنفسه بعد أزمة الطاقة العالمية على أثر الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 إلى السعودية ليطلب منهم زيادة الإنتاج الفوري لتقليل اضطرابات أسواق النفط العالمية وقد فعل الأمر نفسه مع الإمارات.
خلال السنوات الأخيرة حاولت السعودية قيادة أوبك إلى ضبط الأسعار والوصول إلى الأسعار التعادلية (Fiscal breakeven oil price) لبرميل النفط السعودي وهي الأسعار التي تضمن عدم وجود خسائر في ميزانية المملكة (تقريبا من 80 إلى 90 دولار للبرميل) وسعت السعودية عبر التنسيق مع الإمارات وباقي أعضاء أوبك بالإضافة إلى روسيا (أوبك +) إلى خفض الإنتاج الإلزامي والطوعي لرفع أسعار النفط والوصول إلى حد الأسعار التعادلية.
ومع ذلك لم تحقق تلك السياسية الهدف المرجو وبالعكس تسببت في خسارة السعودية والإمارات جزء من حصصهم السوقية (صادراتهم) لصالح أمريكا والبرازيل والمكسيك مما أدى إلى تراجع أوبك عن قراراها بخفض الإنتاج والاتجاه مرة أخرى لزيادة الإنتاج في محاولة لاسترجاع السعودية والإمارات لحصصهم السوقية وهو القرار الذي سبق الحرب على إيران بعدة شهور.
خلال تلك السنوات لم تكن قرارات الخفض تمر بشكل هادئ بين السعودية والإمارات ولكن كان هناك خلافات مستمرة بين الجانبين ومع ذلك لم تصل تلك الخلافات في أي وقت إلى أن تصبح عائق لاستمرار تعاون البلدين في فرض سياسات الإنتاج في أوبك.
لماذا إذا تنسحب الإمارات في ذلك التوقيت؟!
* خلاف سياسي في جوهرة
هناك أكثر ومن وجه لهذا الانسحاب فمن ناحية الخلافات بين السعودية والإمارات فالانسحاب يعد حلقة مؤثرة في طبيعة العلاقات بين البلدين وعبر عقود من التفاعل داخل منظمة أوبك لم تتطور الخلافات التي كانت موجودة إلى درجة الانسحاب من المنظمة وهنا الخطوة الإماراتية لا تعبر عن عدم توافق فقط مع السعودية سياسيا ولكنها تذهب إلى ما هو أبعد وهو التأثير على ثقل السعودية في أسواق النفط عبر إضعاف أوبك وتراجع فاعليتها التي هي الأداة الرئيسية المتبقية للسعودية لحفظ دورها في أسواق النفط ولا شك أن خروج الإمارات يضعف أوبك ويضعف السعودية التي كانت تقود أوبك بارتكاز مهم على دور الإمارات في المنظمة.
* الخلاف على حصص الإنتاج
تعاني الإمارات من تناقض واضح بين طاقتها الإنتاجية التي تبلغ حوالي 3.4 مليون برميل يوميا وطاقتها الإنتاجية الفائضة التي تصل إلى 1.6 مليون برميل يوميا (بعد مشاريع كبيرة تمت لتطوير وزيادة الإنتاج) وبالتالي فإن إجمالي الإنتاج الإماراتي يمكن أن يصل إلى 5 مليون برميل يوميا وهذا يعني زيادة ضخمة في الصادرات الإماراتية وبالتأكيد زيادة في العائدات.
والواقع أن تزايد هذه الفجوة بالتأكيد تسبب في مطالب إماراتية مستمرة بزيادة حصتها الإنتاجية في أوبك بل والتخلص من الالتزام بحصص أوبك والتحول إلى زيادة إنتاجها وصادراتها بالشكل الذي تراه يحقق عائدات مناسبة والمفارقة هنا أن الانسحاب وقرار زيادة الإنتاج المتوقع بالتأكيد لن يكون خلال الحرب المشتعلة في المنطقة والمضيق مغلق وبالتالي فإن قرار الانسحاب من ناحية الإنتاج ليس له معنى على المدى القصير ولكن بعد انتهاء الحرب ستظهر انعكاساته على أسواق النفط.
* تغيرات هيكلية في منظومة الطاقة العالمية
الانسحاب الإماراتي هو واحدة من تجليات التغيرات الهيكلية في نظام الطاقة العالمي التي تسببت فيها الحرب على إيران فإغلاق مضيق هرمز حول أسواق النفط التي تعتمد على التنسيق والاستقرار إلى أسواق تعتمد في المقام الأول على تأمين الإمدادات وتجاوز نقاط الاختناق وبالتالي فإن دول مثل الإمارات ستفضل عدم الخضوع لنظام الحصص الذي ولد في بيئة مستقرة ولم يعد مناسبا وستتجه إلى استراتيجيات للمرونة والتوسع وتأمين صادراتها وهذا يعني أن القرار الإماراتي ليس مؤشر فقط على خططها المستقبلية البعيدة عن التنسيق مع أوبك ودول الخليج ولكن أيضا نهاية حقبة السياسات النفطية الموحدة لدول الخليج.