لماذا تصمد البنية النفطية الإيرانية رغم ضغوط الحصار الأمريكي

في ظل حصار مشدد واستنزاف اقتصادي

في ظل مواجهة جيوسياسية شرسة، أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحذيراً بشأن قرب “انفجار” البنية التحتية النفطية الإيرانية تحت وطأة الحصار البحري، لكن خلف هذا التصعيد، تكشف تقديرات الخبراء عن واقع مختلف تماماً، حيث تمتلك طهران أدوات امتصاص لتلك الصدمة لفترة أطول مما يُعتقد..

حصار مشدد وخسائر متسارعة

في ظل حصار بحري مشدد، صعّد دونالد ترامب من لهجته مؤكداً في تصريحات لشبكة “فوكس نيوز الأميركية” أن الضغوط ستستمر حتى ترضخ إيران لشروط اتفاق نووي، متوقعاً انهياراً سريعاً في قطاعها النفطي، وعلى أرض الواقع.. تعكس الأرقام التي نقلتها “شبكة CNBC” حجم الخسائر المتفاقمة، إذ تُقدّر الإيرادات الإيرانية المفقودة بنحو 500 مليون دولار يومياً، مع هبوط الصادرات من أكثر من 2.1 مليون برميل يومياً إلى نحو 567 ألف برميل فقط.

ويعود هذا التراجع الحاد إلى شلل شبه كامل في حركة ناقلات النفط الإيرانية، حيث أظهرت بيانات تتبع السفن لشركة “كبلر الفرنسية” والمتخصصة في تتبع حركة السلع العالمية توقف عبورها عبر الممرات الحيوية بين بحر عمان وبحر العرب نتيجة الملاحقة والإغلاق، ما فرض خنقاً فعلياً لقدرة طهران على التصدير، ورغم هذا الضغط الاقتصادي المباشر، فإن هذا الجمود لا يترجم بالضرورة إلى انهيار فوري في البنية الإنتاجية، بقدر ما يعكس انتقال الأزمة إلى مرحلة ضغط طويل الأمد قائم على الاستنزاف المالي وتعطيل سلاسل الإمداد.

سعة تخزينية تمنح مهلة استراتيجية

تشير التقديرات إلى أن إيران لم تدخل هذه المواجهة دون تحضير مسبق، بل كان لديها خطة محكمة لخلق هامشاً لوجستياً يسمح لها بامتصاص الصدمة مؤقتاً، إذ تمتلك طهران سعات تخزين برية وبحرية تُقدَّر بنحو 47 مليون برميل تكفي لما يقرب من 26 يومًا، ما يوفر لها قدرة على احتواء الفائض النفطي الناتج عن تعطل الصادرات دون اللجوء إلى خفض فوري وعشوائية في الإنتاج.

ووفق سيناريوهات أكثر توسعاً، تشير سعة التخزين القصوى لإيران إلى توفر مساحة لـ39 مليون برميل إضافية، مما يمنحها 22 يومًا يضافوا إلى الـ26 يومًا السابق ذكرهم، ويمكن أن تمتد هذه المهلة إلى ما يزيد على 76 يوماً في حال إعادة توظيف ناقلات عائمة عائدة إلى الخدمة أواخر مايو، بما يضيف طاقة تخزينية قد تصل إلى نحو 50 مليون برميل، وبذلك.. تتحول سعة التخزين إلى عنصر استراتيجي حاسم يسمح لإيران بالتعامل مع الضغوط عبر مسار تدريجي ومنضبط، بدلاً من الانزلاق إلى صدمات تشغيلية أو انهيارات مفاجئة في منظومة الإنتاج.

بين إدارة الإنتاج وحرب الإيرادات

يرى خبراء الطاقة أن الإغلاق المفاجئ للحقول قد يسبب أضراراً تقنية طويلة الأمد، إلا أن امتلاك إيران قدرات تخزين كافية يمنحها هامشاً زمنياً يسمح بخفض الإنتاج تدريجياً وبأسلوب منظم، بما يحافظ على استقرار الحقول ويجنبها الصدمات التشغيلية، وهذا يبدد رهان ترامب على ما أسماه بـ “الانفجار” للبنية التحتية والتخزينية النفطية لإيران.

وفي المقابل.. يتساءل “همايون فلكشاهى” رئيس تحليل النفط في “كبلر” عن كيف ومتى تنفد إيرادات إيران؟، حيث أن استنزاف الإيرادات الإيرانية هو العامل الأكثر أهمية، فإيران وبحسب التقديرات، تمتلك نحو 120 مليون برميل مخزنة على ناقلات خارج نطاق الحصار، يمكن تصريف جزء منها إلى أسواق مثل الصين، ما يوفر تدفقاً مالياً يمكن أن يكفي ما يقرب من شهرين.

ضغط متبادل واقتصاد عالمي على المحك

تتجه المواجهة إلى مسار أكثر تعقيداً يتجاوز التصريحات السياسية، حيث تراهن واشنطن على أن الضغوط الاقتصادية المتصاعدة ستدفع طهران إلى تقديم تنازلات، في حين يؤدي استمرار إغلاق مضيق هرمز إلى تعميق صدمة الإمدادات عالمياً، بما يضع الاقتصاد الدولي أمام اختبار حساس وقاسٍ.

في المقابل، تظل قدرة إيران على امتصاص الصدمة وكسب الوقت عبر إدارة مواردها بشكل استراتيجى عائقًا أمام ما تراهن عليه أميركا، وبالتالي.. تتبلور ملامح صراع ممتد لا يُحسم بضربة خاطفة أو مفاجئة، بل بحرب استنزاف اقتصادي طويلة، يصبح فيها عامل الزمن والقدرة على التحمل المالي والتشغيلي هو الفيصل الحقيقي بين الطرفين.