لماذا تخلت إيران عن فلسطين في تفاوضاتها مع أمريكا ؟

إيران تفصل ملف لبنان عن غزة

مسارات التفاوض بين طهران وواشنطن تتوزع بين مسقط والدوحة: إيران تفصل ملف لبنان عن غزة والكيان الصهيوني يترقب التداعيات

كشفت معطيات دبلوماسية مسربة خلال الساعات الأخيرة، وتحديداً في الفترة ما بين الثاني والرابع من يونيو عام 2026، عن تفاصيل جديدة حول الجغرافيا الحقيقية للمفاوضات المغلقة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والإدارة الأمريكية. وتوضح هذه المعطيات أن المفاوضات لا تجري في مسار واحد أو دولة واحدة، بل تتوزع على مسارين متوازيين؛ حيث تتخذ العاصمة العمانية مسقط مقراً للمسار النووي والأمني المباشر الذي تديره قنوات استخباراتية ودبلوماسية ضيقة، بينما تتولى العاصمة القطرية الدوحة إدارة المسار الإقليمي المتعلق بفك الاشتباك في الشرق الأوسط، وآليات الإفراج عن الأموال المجمدة، وملفات تبادل الأسرى.

وفي قلب هذا التفاوض المعقد، تتشبث طهران بشرط أساسي في المسار الإقليمي الذي تديره الدوحة، وهو إدراج بند ملزم لوقف شامل وإدارة دولية لإعادة الإعمار في لبنان كشرط مسبق لأي تقدم في الملف النووي، بينما تتجاهل بشكل تام ربط هذا الاتفاق بوقف الحرب على قطاع غزة أو الملف الفلسطيني، مكتفية بقبول صياغات إنسانية هامشية. ويطرح هذا التباين الصارخ تساؤلات جوهرية حول الأسباب الاستراتيجية والبراغماتية التي تدفع طهران لتقديم الحليف اللبناني على الحليف الفلسطيني في هذه المرحلة الحرجة.

وفي تحليله لهذا التوجه، يرى مهند حاج علي، الباحث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، أن الفارق الجوهري يكمن في القيمة الردعية العسكرية لكل من الحليفين. ويوضح حاج علي في دراسة نشرها المركز في الثالث من يونيو أن حزب الله في لبنان يمثل العمود الفقري للردع الإيراني المباشر ضد الكيان الصهيوني، بامتلاكه ترسانة صاروخية ضخمة ومتمركزة على الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة، مما يجعله ورقة بقاء استراتيجي بالنسبة لإيران. في المقابل، يشير إلى أن الفصائل الفلسطينية في غزة قد استنزفت قدراتها العسكرية بشكل كبير وأصبحت معزولة جغرافياً، مما يجعل تأجيل ملفها أقل كلفة استراتيجياً على طهران مقارنة بالمساس بترسانة حزب الله.

ومن منظور تاريخي، لا يعد هذا الفصل بين الملفات غريباً على السلوك الإيراني. ففي استدلالات تاريخية موثقة، تشير الدكتورة فريدة حق طلب، المحللة في شؤون السياسة الإيرانية، إلى أن طهران لطالما فصلت بين أيديولوجيتها التصديرية وبراغماتيتها البقائية. وتذكر في مقالة تحليلية أن النظام الإيراني قبل في الثمانينيات بما سماه الخميني بكأس السم لإنهاء الحرب مع العراق حفاظاً على النظام، كما أنه في مفاوضات فيينا عام 2015 وافق على فصل الملف النووي عن الملفات الإقليمية في البداية لضمان رفع العقوبات. وتؤكد أن ما يحدث اليوم هو تكرار لنفس المنطق البقائي.

وفي المقابل، كشفت تسريبات من داخل المنظومة الأمنية في الكيان الصهيوني خلال الساعات الأربع والسبعين الماضية عن موقف مزدوج تجاه هذا الفصل بين الملفات. فمن الناحية الاستراتيجية، يعرب قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية عن ارتياح سري لفصل ملف غزة عن الاتفاق النووي والإقليمي، حيث أن هذا الفصل يضمن عملياً عدم اندلاع حرب إقليمية شاملة تجبر الكيان على القتال على جبهات متعددة في وقت واحد، ويترك لهم اليد الطولى لإدارة الملف الفلسطيني في القطاع بمعزل عن الضغوط الإقليمية الكبرى.

إلا أن هذا الارتياح يقابله قلق بالغ من الملف اللبناني. وفي هذا الإطار، يوضح عاموس جلعاد، المدير السابق لشؤون السياسات والشؤون العسكرية في وزارة حرب الكيان الصهيوني والباحث الحالي في معهد ميتفييم، أن تل أبيب تنظر بريبة شديدة إلى أي اتفاق أمريكي إيراني يتضمن تجميداً للعمليات في لبنان. ويضيف في تحليل نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت في الثالث من يونيو أن الكيان الصهيوني يدرك أن إيران تستخدم وقف الحرب في لبنان كورقة مساومة لحماية ما تبقى من ترسانة حزب الله الصاروخية. ويحذر جلعاد من أن قبول واشنطن بتجميد الجبهة اللبنانية مقابل تنازلات نووية إيرانية سيعطي حزب الله غطاءً دولياً لإعادة بناء قدراته العسكرية واستئناف إنتاج الصواريخ الدقيقة، مما يمثل تهديداً وجودياً مباشراً للكيان في المرحلة المقبلة.

وتتمثل أبرز التحديات التي تواجه هذا المسار التفاوضي في مدى قدرة الإدارة الأمريكية على تمرير هذا التوازن الدقيق بين مسقط والدوحة، ومدى قدرة القيادة الإيرانية على تمرير هذا التنازل داخلياً دون أن يخلق ذلك شرخاً بين الجناح السياسي المحافظ والحرس الثوري. كما أن التحدي الأكبر يكمن في رد فعل حزب الله نفسه، الذي قد يرفض أن يكون مادة للمقايضة في اتفاق لا يضمن له البقاء كقوة عسكرية فاعلة، مما قد يؤدي إلى انفلات أمني في الجنوب اللبناني إذا شعر الحزب أنه تُرك وحيداً في مواجهة الكيان الصهيوني.

المصادر:
تقرير مركز كارنيغي للشرق الأوسط، التحول البراغماتي في السياسة الخارجية الإيرانية: قراءة في مسودات اتفاق مسقط والدوحة، الثالث من يونيو 2026.
صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية، تحليل عاموس جلعاد حول الموقف الأمني الإسرائيلي من فصل الملفات الإقليمية في المفاوضات الإيرانية، الثالث من يونيو 2026.
صحيفة اعتماد الإيرانية، تحليل فريدة حق طلب حول السوابق التاريخية للبراغماتية الإيرانية في التفاوض مع الغرب، الثاني من يونيو 2026.
تقرير معهد ميتفييم الإسرائيلي للأبحاث الإقليمية، الأبعاد العسكرية والاستراتيجية للملف اللبناني في المفاوضات الأمريكية الإيرانية، الرابع من يونيو 2026.
شبكة الجزيرة الإخبارية، تغطية خاصة لمسارات التفاوض غير المباشرة بين واشنطن وطهران وتوزعها بين عمان وقطر، الثاني من يونيو 2026.

اترك تعليقا