كيف تصبح إعادة فتح «هرمز» نذير شؤم لأسعار الخام العالمية؟

وسط مخاوف من ضغوط إضافية على الأسعار الفورية للنفط

مع اقتراب إعادة فتح “مضيق هرمز” عقب الاتفاق المؤقت بين “الولايات المتحدة” و”إيران”، تتزايد المخاوف في أسواق الطاقة من موجة إمدادات كبيرة قد تضغط على أسعار الخام العالمية، بعدما تراكمت عشرات الملايين من البراميل في الخليج خلال أشهر الحرب، وتعطل حركة الملاحة في أحد أهم الممرات النفطية في العالم.

تدفق البراميل العالقة..

قال مسؤولون تنفيذيون في قطاع النفط إن إعادة تشغيل الملاحة عبر “مضيق هرمز” قد تؤدي إلى تدفق كميات ضخمة من الخام المحتجز إلى الأسواق العالمية دفعة واحدة، ووفقاً لتقديرات شركة “كبلر الفرنسية” والمتخصصة في «تحليل بيانات أسواق السلع والطاقة وتتبع حركة الشحن البحري عالمياً» فإن نحو 93 مليون برميل من النفط “غير الإيراني” ظلت عالقة داخل الخليج خلال فترة الإغلاق، بينما تشير تقديرات بعض المتعاملين إلى أن الكميات الجاهزة للتصدير الفوري تبلغ نحو 50 مليون برميل بعد نجاح المنتجين في تصريف جزء من المخزونات خلال الأسابيع الماضية.

كما تتوقع “كبلر” أن يؤدي تخفيف القيود الأمريكية على “صادرات النفط الإيرانية” إلى الإفراج عن نحو 72 مليون برميل إضافية مخزنة على متن ناقلات قرب ميناء “جابهار الإيراني”، مع إمكانية ارتفاع هذه الكميات إذا حصلت طهران على إعفاءات أوسع من العقوبات النفطية.

نقل بحري يضغط على الأسعار..

وخلال فترة إغلاق المضيق، لجأ منتجو الخليج إلى تكثيف عمليات النقل من سفينة إلى أخرى قبالة “سواحل الإمارات” و”سلطنة عمان”، (وهي آلية لوجستية يتم فيها نقل شحنات النفط من ناقلات صغيرة أو متوسطة إلى ناقلات عملاقة في عرض البحر بعيداً عن مناطق المخاطر المباشرة).

وسمح هذا الأسلوب باستمرار تدفق جزء من الصادرات النفطية رغم القيود المفروضة على الملاحة، لكنه أدى في الوقت نفسه إلى تراكم كميات كبيرة من الخام في مراكز التخزين العائمة، ومع تزايد المعروض المتاح للتسليم الفوري، تراجعت الفروق السعرية الفورية لخام “الشرق الأوسط”، وهي العلاوة التي يدفعها المشترون للحصول على الشحنات السريعة والفورية مقارنة بالعقود الآجلة أو السعر الآجل، ويعد انخفاض هذه الفروق مؤشراً على تراجع المخاوف بشأن نقص الإمدادات وارتفاع توقعات وفرة المعروض على المدى القريب.

عودة الصادرات الإيرانية..

في الوقت نفسه.. يستعد أسطول الناقلات الإيراني لزيادة وتيرة الصادرات، إذ غادرت ثلاث ناقلات إيرانية المضيق خلال الأسبوع الجاري، في إشارة إلى بدء استعادة التدفقات النفطية الطبيعية بعد أشهر من الاضطرابات، وكان مسؤولون أمريكيون وإيرانيون قد أعلنوا أن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” ونظيره الإيراني “مسعود بزشكيان” وقعا إلكترونياً اتفاقاً من 14 بنداً لإنهاء الحرب بين البلدين، فيما أكدت وزارة الخارجية الإيرانية أن الاتفاق دخل حيز التنفيذ بالفعل.

أين تكمن الكارثة؟..

لا يقتصر أثر انخفاض “أسعار النفط” على كونه مكسباً للمستهلكين وخفضاً للتضخم، بل يمتد ليشكل سلسلة من الضغوط المعقدة على “الدول المنتجة” و”شركات الطاقة”، فمع دخول عشرات الملايين من الخام العالق في الخليج عقب إعادة فتح “مضيق هرمز” إلى الأسواق، قد ينتقل السوق بسرعة إلى حالة من “فائض في المعروض”، حيث يتجاوز العرض الطلب الفعلي، ما يدفع الأسعار إلى الهبوط بوتيرة قد تكون أسرع من قدرة الأسواق على التكيف.

ويظهر الأثر الأعمق لهذا التراجع في المالية العامة للدول النفطية، إذ تعتمد العديد من هذه الدول بشكل كبير على عائدات النفط كمصدر رئيسي للدخل، حيث أن مع انخفاض الأسعار، تتراجع “الإيرادات الحكومية” بشكل مباشر حتى مع ثبات “مستويات الإنتاج”، بينما تبقى بنود “الإنفاق العام” «مثل الرواتب والدعم الحكومي والمشروعات التنموية» عند مستويات يصعب تعديلها سريعاً.

ونتيجة لذلك.. تتسع “فجوة العجز المالي”، أي الفرق بين الإيرادات والمصروفات بصورة تلقائية، فعلى سبيل المثال.. قد يؤدي انخفاض سعر البرميل من 80 إلى 60 دولاراً إلى فقدان عشرات الملايين من الدولارات يومياً في دولة تنتج نحو مليون برميل، في حين لا يمكن خفض الإنفاق الحكومي بنفس السرعة، وبالتالي سيدفع الحكومات إلى تمويل هذا العجز عبر السحب من الاحتياطيات النقدية، أو زيادة الاقتراض، أو إعادة ترتيب أولويات الإنفاق وتأجيل بعض المشاريع الاستثمارية.

كما أن هذا التراجع لا ينعكس فقط على الإيرادات المباشرة للدول، بل يضرب أيضاً معادلة التخطيط المالي المعتمدة على “سعر التعادل النفطي”، وهو «المستوى السعري الذي تحتاجه الدولة لموازنة ميزانيتها دون عجز».. وعندما تهبط الأسعار دون هذا المستوى، تدخل الموازنة في حالة عجز حتى مع استمرار الإنتاج الطبيعي، ما يضع ضغوطاً إضافية على السياسات المالية والاقتصادية.

وعلى مستوى الشركات، يؤدي انخفاض الأسعار إلى تقليص هوامش الربح، خصوصاً في الحقول مرتفعة التكلفة، ما يدفع إلى تأجيل أو إلغاء بعض الاستثمارات في مشاريع التنقيب والتطوير الجديدة، في بعض الحالات.. لا يكون “هبوط أسعار النفط” انعكاساً لقوة اقتصادية، بل نتيجة اختلال في التوازن بين العرض والطلب أو تدفق مفاجئ في الإمدادات، وهو ما يجعل الأسواق تنظر إليه بحذر، رغم الفوائد التي يحققها للاقتصادات المستوردة للطاقة والمستهلكين.

اترك تعليقا