قمة بيشكك تكشف صراع القوى على آسيا الوسطى

لا تبدو العاصمة القرغيزية بيشكك هذه الأيام مجرد مدينة تستعد لاستقبال قمة إقليمية، بل تتحول إلى نقطة تلتقي عندها مسارات متنافسة لإعادة تشكيل آسيا الوسطى. ومع وصول قادة وممثلي دول منظمة شنغهاي للتعاون إلى قرغيزستان، تبرز أسئلة تتجاوز جدول أعمال القمة: من يملك القدرة على تحويل الموقع الجغرافي للمنطقة إلى نفوذ اقتصادي؟ وهل تستطيع الدول الصغيرة الحفاظ على استقلال قرارها وسط تمدد الصين وروسيا وتركيا وتزايد اهتمام القوى الدولية بآسيا الوسطى؟

وتكتسب قمة الأول من سبتمبر أهمية إضافية لأنها تأتي في الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس منظمة شنغهاي للتعاون، فيما تستعد بيشكك لاستقبال عدد كبير من قادة الدول، بينهم الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس أوزبكستان شوكت ميرضيائيف. ومن المنتظر أن تخرج القمة بإعلان بيشكك وحزمة من القرارات المتعلقة بالأمن والاقتصاد والنقل والذكاء الاصطناعي والتعاون الإنساني.

لكن بالنسبة للرئيس القرغيزي صادر جباروف، فإن قيمة المناسبة لا تكمن فقط في إدارة اجتماعات المنظمة، وإنما في اختبار قدرة بلاده على استثمار اللحظة السياسية في إعادة تعريف موقعها الاقتصادي.

الصين تنظر إلى ما وراء حدود قرغيزستان

تأتي الصين في مقدمة القوى التي يمكن أن تستفيد من إعادة ترتيب طرق التجارة في المنطقة. ووصول شي جين بينغ إلى بيشكك، في زيارة تجمع بين المشاركة في قمة شنغهاي وزيارة دولة لقرغيزستان، يعكس مستوى الأهمية التي تمنحها بكين للعلاقة الثنائية. وقال شي عند وصوله إن التعاون الصيني-القرغيزي دخل ما وصفه بـ«فترة ذهبية» من التطور، مشيراً إلى مشروعات كبرى، بينها خط السكك الحديدية بين الصين وقرغيزستان وأوزبكستان.

هذا الخط يحمل أهمية تتجاوز النقل التقليدي. فإذا اكتمل تشغيله بكفاءة، يمكن أن يمنح الصين مساراً برياً إضافياً نحو آسيا الوسطى، ثم باتجاه أسواق أبعد، بينما تحصل قرغيزستان على فرصة للتحول من دولة جبلية حبيسة إلى حلقة وصل في شبكة لوجستية إقليمية.

غير أن تحويل الخط إلى مكسب اقتصادي حقيقي يتطلب أكثر من إنشاء السكك الحديدية. فالعائد الأكبر سيأتي إذا أدى المشروع إلى نشوء مناطق صناعية وخدمات لوجستية ومراكز تخزين وشركات نقل وإعادة تصدير، وليس إذا بقيت قرغيزستان مجرد أرض تعبرها البضائع.

وهنا تظهر المشكلة الأساسية أمام بيشكك: كيف تستفيد من التمويل الصيني دون أن يصبح اقتصادها أكثر اعتماداً على رأس المال الخارجي؟

نمو سريع لا يعني اقتصاداً آمناً

تبدو الصورة الاقتصادية لآسيا الوسطى إيجابية في ظاهرها. وتشير أحدث توقعات البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية إلى نمو اقتصادات آسيا الوسطى ومنغوليا بنسبة 5.6% في 2026، مع استمرار قوة الاستهلاك والاستثمار وارتفاع مساهمة قطاعات الخدمات والبناء والتصنيع. لكن البنك يحذر في الوقت نفسه من مخاطر تقلب أسعار الطاقة واضطرابات سلاسل الإمداد والعقوبات وتباطؤ روسيا والصين.

ويعني ذلك أن المنطقة تعيش مفارقة اقتصادية: نمو مرتفع من جهة، وهشاشة أمام الصدمات الخارجية من جهة أخرى.

ويؤكد أنطون أوسوف، في تحليله المنشور عن آفاق آسيا الوسطى ومنغوليا، أن استمرار النمو يرتبط بصورة متزايدة بالإصلاحات الداخلية وتعزيز قدرة الاقتصادات على مواجهة الصدمات الخارجية. وهذه النقطة مهمة بالنسبة لقرغيزستان تحديداً، لأن الاستثمار في الطرق والسكك الحديدية والطاقة لا يكفي وحده لبناء اقتصاد أكثر استقلالاً.

كما تحذر أنتونيللا باسانّي، نائبة رئيس البنك الدولي لمنطقة أوروبا وآسيا الوسطى، من أن قدرة المنطقة على الصمود أمام الأزمات ما زالت تحت الاختبار، وأن الإصلاحات وخلق الوظائف وتعزيز المرونة الاقتصادية عوامل أساسية للتعامل مع المخاطر المتزايدة.

موسكو لا تختفي من المشهد

وفي الوقت الذي تتوسع فيه الصين اقتصادياً، لا تستطيع بيشكك تجاهل موسكو. فروسيا ما زالت حاضرة في الاقتصاد القرغيزي من خلال التجارة والهجرة وتحويلات العاملين والعلاقات الأمنية والسياسية.

ولهذا لا تبدو السياسة الخارجية القرغيزية متجهة نحو استبدال روسيا بالصين، بقدر ما تحاول توسيع هامش المناورة بين القوى المختلفة.

وهذا النمط ليس استثناءً في آسيا الوسطى. فالدول الخمس الكبرى في المنطقة تتعامل مع المنافسة الدولية باعتبارها فرصة للحصول على شروط أفضل، بدلاً من النظر إليها باعتبارها معركة يجب فيها اختيار طرف واحد.

ومن هنا يمكن فهم الدور المتزايد لتركيا.

أنقرة تدخل من بوابة الممرات

تعمل تركيا على تعزيز حضورها في آسيا الوسطى عبر التجارة والتعليم والثقافة والدفاع، لكن أحد أهم أدواتها يتمثل في ربط المنطقة بالممر الأوسط، الذي يربط الصين بآسيا الوسطى وبحر قزوين والقوقاز ثم تركيا وأوروبا.

وتشير دراسة للباحثين أديـلبيك يرميكباييف وجاديرا يكيبايسوفا إلى أن الاستراتيجية التركية في آسيا الوسطى يمكن فهمها باعتبارها دبلوماسية لقوة متوسطة تسعى إلى تعزيز «الاستقلال الاستراتيجي» من خلال الاتصال والنقل والتجارة والتعاون المؤسسي. ويخلص الباحثان إلى أن النفوذ التركي يظل مشروطاً بمدى قدرة أنقرة على تحويل الروابط الثقافية إلى مؤسسات وشبكات اقتصادية عملية.

وهذه الملاحظة تكشف حدود الطموح التركي. فأنقرة لا تستطيع منافسة الصين في حجم التمويل ولا روسيا في عمق الوجود الأمني، لكنها تستطيع تقديم نفسها كشريك ثالث يمنح دول المنطقة خيارات إضافية.

العالم التركي ليس كتلة واحدة

وتزداد الصورة تعقيداً عند النظر إلى منظمة الدول التركية. فقد خلص الباحثان زانيبيك أرينوف وأيدانا أبي، في دراسة نشرتها مجلة «Turkish Studies»، إلى وجود اختلافات واضحة في تصورات الدول تجاه مشروع «العالم التركي»: فأذربيجان تميل إلى رؤيته من منظور أمني، بينما تتعامل تركيا معه باعتباره مشروعاً جيوسياسياً، في حين تنظر كازاخستان إليه بدرجة أكبر باعتباره منصة اقتصادية عملية.

وهذا الاختلاف مهم لقرغيزستان، لأنها لا تريد بالضرورة الانضمام إلى تصور جيوسياسي جديد، بل تبحث أساساً عن الطرق والاستثمارات والأسواق.

جباروف أمام معادلة دقيقة

بالنسبة للرئيس صادر جباروف، تبدو المعادلة أكثر تعقيداً من مجرد استقبال قادة العالم. عليه أن يحافظ على العلاقة مع روسيا، ويستفيد من التمويل والمشروعات الصينية، ويفتح المجال أمام تركيا ودول العالم التركي، وفي الوقت نفسه يوسع العلاقات مع أوزبكستان وكازاخستان وبقية الشركاء.

لكن النجاح الحقيقي لن يقاس بعدد الاتفاقيات التي ستوقع في بيشكك، ولا بعدد القادة الذين سيظهرون في صور القمة.

المعيار سيكون ما إذا كانت قرغيزستان قادرة على تحويل موقعها الجغرافي إلى قيمة اقتصادية داخلية: وظائف، صناعات، شركات نقل، خدمات مالية، تكنولوجيا، مناطق إنتاج، وطاقة مستقرة.

فالممر التجاري الذي يعبر البلاد من دون أن يخلق اقتصاداً محلياً قوياً قد يجعل قرغيزستان محطة عبور فقط. أما إذا ارتبط النقل بالصناعة والخدمات والتكنولوجيا، فقد يتحول الموقع الجغرافي إلى أحد أهم مصادر القوة الاقتصادية للبلاد.

آسيا الوسطى تختار «التوازن» لا «المعسكر»

تكشف قمة بيشكك في النهاية عن تحول أوسع في طريقة تفكير آسيا الوسطى. المنطقة لم تعد مستعدة بسهولة للعيش تحت مظلة قوة واحدة، كما أنها لا تبدو راغبة في الدخول في مواجهة مباشرة بين القوى الكبرى.

الصين تريد طرقاً وأسواقاً واتصالاً اقتصادياً. روسيا تريد الحفاظ على عمقها التقليدي. تركيا تبحث عن ممرات وشبكات نفوذ جديدة. والغرب يزداد اهتمامه بتنويع طرق التجارة والطاقة.

أما دول آسيا الوسطى، فتريد الاستفادة من الجميع.

وهنا تكمن أهمية قمة بيشكك: إنها ليست اختباراً لمنظمة شنغهاي فقط، بل اختبار لقدرة دول المنطقة على إدارة التنافس الدولي من دون أن تتحول إلى ساحات نفوذ.

وبالنسبة لقرغيزستان تحديداً، فإن الفرصة التاريخية موجودة، لكن استغلالها يتطلب سياسة اقتصادية أكثر من مجرد سياسة خارجية. فإذا نجحت بيشكك في بناء اقتصاد يستفيد من موقعه بدلاً من الاعتماد عليه فقط، فقد تتحول من دولة تقع بين القوى الكبرى إلى دولة تمتلك قيمة استراتيجية لكل منها.

أما إذا بقيت المشروعات الكبرى منفصلة عن الاقتصاد المحلي، فقد تظل القمة حدثاً دبلوماسياً كبيراً، من دون أن تتحول إلى نقطة التحول الاقتصادي التي تطمح إليها قرغيزستان.

 

اترك تعليقا