غزة بعد كوشنر.. هل يحوّل نتنياهو التصعيد إلى ورقة انتخابية؟

فقد تتحول غزة إلى منطقة بين الحرب والتهدئة

لم تكن الغارات الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة مجرد جولة عسكرية جديدة في حرب طويلة، بل جاءت في توقيت بالغ الحساسية، بعد زيارة المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر إلى المنطقة ولقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وفي وقت تحاول فيه واشنطن تثبيت ترتيبات الانتقال إلى المرحلة التالية من اتفاق وقف إطلاق النار.

وخلال أقل من 24 ساعة، أسفرت الغارات عن استشهاد 17 فلسطينيًا، بينهم عناصر في جهاز الشرطة وطفلة نازحة، وفق المعطيات الواردة من قطاع غزة. وبينما تقول إسرائيل إن عملياتها تستهدف تهديدات أمنية وملاحقة المشاركين في هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، ترى حركة حماس وفصائل فلسطينية أن التصعيد يمثل تقويضًا مباشرًا للتهدئة ومحاولة لإعادة فرض معادلة عسكرية على القطاع.

غير أن التوقيت يفتح بابًا أوسع للتحليل: هل تحاول الحكومة الإسرائيلية استخدام القوة في غزة لإعادة ترتيب المفاوضات؟ وهل أصبح التصعيد جزءًا من الحسابات الداخلية لنتنياهو مع اقتراب الانتخابات؟

ما بعد زيارة كوشنر

دخل كوشنر إلى المنطقة حاملاً مهمة تبدو في ظاهرها دبلوماسية، لكنها تواجه عقبات كبيرة على الأرض. فالخطة التي يجري بحثها تتضمن خطوات متدرجة، من بينها انسحاب إسرائيلي من القطاع، وإدخال المساعدات، وبدء الإعمار، إلى جانب ترتيبات تتعلق بسلاح حركة حماس.

لكن الخلاف الأساسي يتمحور حول ترتيب هذه الخطوات.

إسرائيل تريد نزع سلاح حماس قبل الانسحاب وإطلاق عملية إعادة الإعمار، في حين تقول الحركة إنها مستعدة لاتخاذ إجراءات تتعلق بحصر السلاح وتخزينه بشرط أن يترافق ذلك مع انسحاب إسرائيلي تدريجي ومنظم.

وهنا تظهر واحدة من أهم العقد السياسية: كل طرف يريد أن تكون الخطوة الأولى من الطرف الآخر.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة أن التصعيد الذي أعقب زيارة كوشنر يحمل رسالة واضحة مفادها أن المبعوث الأمريكي لم يتمكن من تثبيت خريطة الطريق، وأن إسرائيل تريد التأكيد أنها ليست مستعدة لتقديم تنازلات تحت الضغط الأمريكي.

أما امطانس شحادة، مدير برنامج دراسات إسرائيل في مركز مدى الكرمل، فيرى أن سرعة العودة إلى التصعيد تعكس تحديًا إسرائيليًا مباشرًا للتفاهمات والوساطات، وأن توسيع عمليات الاغتيال يمثل رسالة إلى واشنطن بقدر ما هو عملية أمنية داخل غزة.

رسالة إلى واشنطن

من زاوية أخرى، يمكن قراءة التصعيد باعتباره اختبارًا للعلاقة بين نتنياهو وإدارة الرئيس دونالد ترمب.

فواشنطن تحاول الظهور كطرف قادر على إدارة مسار سياسي ينهي الحرب ويمنع انهيار التهدئة، بينما تصر الحكومة الإسرائيلية على شروطها المتعلقة بالسلاح والانسحاب وإعادة الإعمار.

وهذا يضع الإدارة الأمريكية أمام معادلة صعبة.

فإذا ضغطت واشنطن بقوة على نتنياهو، فإنها تخاطر بإظهار خلاف واضح مع حكومة إسرائيلية حليفة. وإذا اكتفت بالوساطة دون استخدام أدوات ضغط حقيقية، فقد تجد نفسها أمام اتفاقات معلقة وتصعيد متكرر.

ومن هنا، فإن الغارات الأخيرة لا تختبر قدرة إسرائيل على تنفيذ عمليات عسكرية فحسب، بل تختبر أيضًا قدرة الإدارة الأمريكية على تحويل مقترحاتها السياسية إلى ترتيبات قابلة للتطبيق.

نتنياهو والداخل الإسرائيلي

يرتبط المشهد كذلك بالحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل.

ويقول شحادة إن نتنياهو لا يريد أن يظهر أمام الناخب الإسرائيلي باعتباره رئيس حكومة يخضع لإملاءات الرئيس الأمريكي. وبحسب هذا التقدير، فإن استمرار العمليات العسكرية يمكن أن يساعده في تقديم نفسه أمام التيار اليميني باعتباره متمسكًا بالموقف الأمني الإسرائيلي.

وهنا يصبح الدم الفلسطيني جزءًا من معادلة سياسية أكثر اتساعًا.

فالائتلاف الحاكم يحتاج إلى المحافظة على تماسك قاعدته اليمينية، التي ترفض تقديم تنازلات كبيرة لحماس وتطالب باستمرار الضغط العسكري. وفي المقابل، تواجه الحكومة ضغوطًا أمريكية ودولية لإنهاء الحرب والانتقال إلى مرحلة سياسية.

ويشير عفيفة إلى أن التصعيد يحمل رسالة انتخابية إلى الداخل الإسرائيلي، مفادها أن حكومة نتنياهو هي الأكثر قدرة على مواصلة النهج الأمني والعسكري، في ظل المنافسة السياسية والمزايدات الداخلية.

وهذا يعني أن قرار التصعيد لا يمكن فصله بالكامل عن صورة نتنياهو أمام الناخبين.

لماذا تستهدف الشرطة؟

أحد أكثر التطورات إثارة للقلق كان استهداف عناصر من الشرطة الفلسطينية في غزة.

فوزارة الداخلية في القطاع قالت إن ثمانية من ضباطها وطفلة نازحة قتلوا في استهداف مقر للشرطة بمدينة غزة، معتبرة أن الضربات تستهدف إضعاف الجهاز الأمني ونشر الفوضى.

وهنا تبرز زاوية مختلفة للحرب.

فالشرطة ليست طرفًا عسكريًا بالضرورة، بل تمثل إحدى أدوات إدارة الحياة اليومية داخل القطاع. وإذا تراجعت قدرتها على العمل، فإن الفراغ الأمني يمكن أن يفتح الباب أمام مزيد من الفوضى والنهب وانتشار الجماعات المسلحة.

وبالتالي، فإن استمرار استهداف البنية الأمنية المدنية قد يؤدي إلى نتيجة تتجاوز الخسائر البشرية المباشرة، وهي إضعاف قدرة غزة على إدارة نفسها حتى في حال توقف القتال.

وهذه إحدى أكبر التحديات أمام أي خطة مستقبلية لإعادة الإعمار.

حماس: التهدئة أمام خطر الانهيار

من جهتها، رأت حركة حماس أن التصعيد الإسرائيلي يقوض جهود الوسطاء ويهدد اتفاق وقف إطلاق النار.

وقال رئيس المكتب السياسي للحركة خليل الحية إن استمرار القتل يثبت، من وجهة نظر الحركة، أن إسرائيل لا تتعامل بجدية مع الضمانات والوساطات.

وتكمن خطورة هذا الموقف في أن أي اتفاق لوقف إطلاق النار يحتاج إلى حد أدنى من الثقة بين الأطراف، بينما تؤدي الضربات المتكررة إلى تقويض هذه الثقة.

كما أن استمرار العمليات قد يدفع حماس إلى التشدد في ملف نزع السلاح، خصوصًا إذا رأت أن التخلي عن جزء من قدراتها العسكرية لن يقابله انسحاب إسرائيلي واضح.

وبذلك تصبح المعادلة أكثر تعقيدًا: إسرائيل تطالب بالسلاح أولًا، وحماس تطالب بالانسحاب أولًا.

التحدي الإنساني

على المستوى الإنساني، فإن استمرار التصعيد يضعف أي فرصة لتثبيت وقف إطلاق النار بصورة مستدامة.

فالقطاع يحتاج إلى تدفق منتظم للمساعدات وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية وإصلاح البنية التحتية، بينما تؤدي العمليات العسكرية إلى مزيد من الدمار والنزوح.

والخطر لا يرتبط فقط بعدد الضحايا الذين يسقطون في كل جولة، وإنما بتراكم آثار الحرب.

فكل ضربة جديدة قد تعني منشأة إضافية خارج الخدمة، وعائلة جديدة نازحة، وشبكة خدمات أكثر ضعفًا، وفرصًا أقل أمام إعادة الحياة الطبيعية إلى القطاع.

ومن هنا، فإن أي خطة لإعادة الإعمار ستظل مرتبطة أولًا بوقف القتال، ثم بوجود ضمانات تمنع عودة العمليات العسكرية.

موقف الوسطاء

مصر وقطر والولايات المتحدة تواجه الآن تحديًا مزدوجًا: منع انهيار التهدئة من جهة، وإقناع الأطراف بالانتقال إلى مرحلة سياسية أكثر استقرارًا من جهة أخرى.

وتزداد صعوبة المهمة بسبب تضارب الأولويات.

فإسرائيل تركز على الأمن ونزع السلاح، بينما تركز حماس على الانسحاب وإنهاء الحرب، في حين تحاول واشنطن الدفع نحو صيغة وسط تضمن عدم عودة القتال وتفتح الباب أمام إعادة الإعمار.

أما مصر، فتملك مصلحة مباشرة في منع انفجار جديد بالقرب من حدودها، بينما تحاول الحفاظ على دورها كطرف رئيسي في الوساطة.

ومن المتوقع أن تزداد الاتصالات خلال المرحلة المقبلة، خصوصًا إذا استمرت الضربات وبدأت التهدئة بالتآكل بصورة واضحة.

ثلاثة سيناريوهات محتملة

السيناريو الأول يتمثل في احتواء التصعيد.

وفق هذا الاحتمال، تتدخل واشنطن والوسطاء للضغط على إسرائيل وحماس من أجل العودة إلى ترتيبات وقف إطلاق النار، مع صياغة آلية أكثر وضوحًا بشأن نزع السلاح والانسحاب وإعادة الإعمار.

وهذا السيناريو يبقى ممكنًا إذا أدرك الطرفان أن انهيار الاتفاق سيعيدهما إلى حرب واسعة لا يرغب أي منهما في تحمل تكلفتها.

السيناريو الثاني هو استمرار الحرب منخفضة الوتيرة.

وقد تصبح الضربات المحدودة والاغتيالات والعمليات الأمنية واقعًا دائمًا، دون العودة إلى حرب شاملة ودون تحقيق تسوية سياسية. وهذا السيناريو ربما يكون الأكثر خطورة على المدى الطويل، لأنه يبقي القطاع في حالة استنزاف مستمر ويجعل إعادة الإعمار شبه مستحيلة.

أما السيناريو الثالث فهو انهيار التهدئة بالكامل.

وفي هذه الحالة، يمكن أن تعود العمليات العسكرية إلى مستويات أعلى، خصوصًا إذا وقعت عملية كبيرة أو سقط عدد كبير من الضحايا أو استُهدفت شخصية بارزة من أحد الأطراف.

ماذا بعد؟

المؤشر الأهم خلال الأيام المقبلة سيكون قدرة الوسطاء على الفصل بين المسار العسكري والمسار السياسي.

فإذا استمرت إسرائيل في تنفيذ عمليات واسعة بالتزامن مع المفاوضات، فقد تفقد الوساطة الأمريكية قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة. وإذا ردت حماس بعمليات عسكرية كبيرة، فإن نتنياهو سيجد مبررًا إضافيًا للعودة إلى التصعيد.

وفي المقابل، فإن أي تقدم حقيقي في ملف نزع السلاح مقابل الانسحاب يمكن أن يغير المعادلة بالكامل.

لكن العقبة الأساسية تبقى في غياب الثقة.

فإسرائيل لا تثق بأن نزع السلاح سيكون كاملًا وقابلًا للتحقق، وحماس لا تثق بأن الانسحاب الإسرائيلي سيكون نهائيًا، بينما يخشى سكان غزة أن تتحول المفاوضات إلى مرحلة جديدة من الانتظار في ظل استمرار القصف.

ولهذا، فإن زيارة كوشنر لم تكن مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل كشفت حجم الفجوة بين الرؤية الأمريكية والمسار الذي تتبناه حكومة نتنياهو.

والتصعيد الذي أعقب الزيارة يبعث برسالة سياسية واضحة: الطريق إلى المرحلة التالية من الاتفاق لا يزال مليئًا بالعقبات.

لكن التحدي الأكبر لا يتعلق فقط بما إذا كانت الغارات ستتوقف، وإنما بما سيأتي بعدها. فإذا لم تُحسم قضايا السلاح والانسحاب والأمن وإعادة الإعمار ضمن صيغة مقبولة، فقد تتحول غزة إلى منطقة بين الحرب والتهدئة، لا هي قادرة على العودة إلى الحياة الطبيعية، ولا هي تشهد نهاية فعلية للصراع.

وفي هذه المنطقة الرمادية، سيظل المدنيون الفلسطينيون الطرف الأكثر دفعًا لكلفة الخلافات السياسية والعسكرية، بينما يبقى مستقبل اتفاق وقف إطلاق النار مرهونًا بقدرة الوسطاء على تحويل التفاهمات إلى إجراءات ميدانية ملزمة، وبقدرة واشنطن على ممارسة نفوذ فعلي على حلفائها وخصومها في آن واحد.

اترك تعليقا