مراكز البيانات.. هل تنقلب أميركا على طفرة الذكاء الاصطناعي؟

الاستثمار الضخم والدعم الحكومي يصطدم بموجة شعبوية متصاعدة

إن أكبر التهديدات والتحديات التي تواجه “طفرة الذكاء الاصطناعي” لم تعد محصورة في “نقص الرقائق” أو “اضطرابات الطاقة” أو “المنافسة الصينية”، فقد بدأت جبهة أكثر خطورة تتشكل داخل “الولايات المتحدة نفسها”.. إنها مراكز البيانات، التي تمثل العمود الفقري للتوسع السريع في الذكاء الاصطناعي، تتحول إلى هدف سياسي وشعبي متزايد، في وقت يواجه فيه القطاع موجة من الاعتراضات المحلية قد تعرقل مشروعات بمليارات الدولارات وتعيد حسابات المستثمرين والشركات.

وتكتسب الأزمة أهمية اقتصادية واسعة، إذ تقدر “غولدمان ساكس” أن يبلغ الاستثمار الأميركي في الذكاء الاصطناعي نحو (600 مليار دولار) خلال العام الحالي، بما يعادل قرابة (2%) من الناتج المحلي الإجمالي ونحو (10%) من إجمالي الاستثمار الثابت للشركات، كما ترتبط شركات التكنولوجيا الكبرى بالتزامات إنفاق مستقبلية ضخمة، فيما تتحول “أسواق الدين” إلى مصدر رئيسي لتمويل التوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

من مراكز بيانات إلى معركة سياسية..

تصاعد الرفض الشعبي لمراكز البيانات بفعل مخاوف تتعلق بارتفاع فواتير الكهرباء، واستهلاك المياه، والآثار البيئية، إلى جانب القلق من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى فقدان الوظائف، وتزامن ذلك مع انتقال القضية إلى ساحات الانتخابات، حيث بدأ سياسيون من الحزبين في إعادة تقييم موقفهم من مشروعات كانت حتى وقت قريب تُقدَّم باعتبارها محركًا للنمو والاستثمار.

ففي “بنسلفانيا”، تحوّل الحاكم الديمقراطي “جوش شابيرو” من الترويج لمراكز البيانات إلى فرض قيود أكثر صرامة عليها، ووقّع “شابيرو” أمرًا تنفيذيًا يفرض متطلبات جديدة تتعلق بتكلفة الطاقة، والمشاركة المجتمعية، والشفافية، وحماية البيئة، ويمنح السلطات المحلية دورًا أكبر في تحديد مصير المشروعات.

وفي “ويسكونسن”، يخوض الجمهوري “توم تيفاني”، الحليف المقرب من الرئيس “دونالد ترامب”، حملة تنتقد خططًا لتحويل الولاية إلى مركز عالمي للذكاء الاصطناعي، في مؤشر على تصدع التحالف السياسي التقليدي الداعم للصناعة.

القطاع يحاول احتواء الغضب..

تسعى شركات الذكاء الاصطناعي إلى منع تحول المعارضة المحلية إلى موجة سياسية أوسع تهدد خطط التوسع، حيث كثفت (OpenAI) اتصالاتها مع المسؤولين المحليين والولائيين للتأكيد على المنافع الاقتصادية لمراكز البيانات، فيما قال كبير مسؤولي الشؤون العالمية فيها، “كريس ليهان”، إن نجاح هذه المشروعات يتطلب الاستماع إلى السكان ومعالجة مخاوفهم بشأن الكهرباء والمياه والمنافع التي ستعود على المجتمعات.

كما أعلنت (Meta) عن صندوق بقيمة مليار دولار لدعم المعلمين وأجهزة إنفاذ القانون وإدارات الإطفاء في المجتمعات التي تضم مراكز بيانات تابعة لها أو تستعد لاستقبالها، في محاولة لإظهار العوائد المباشرة لهذه الاستثمارات.

لكن المزاج الشعبي لا يزال يتجه في الاتجاه المعاكس، فقد أظهر استطلاع لـ”مركز بيو الأمريكي للأبحاث واستطلاعات الرأي”، أن (52%) من الأميركيين أصبحوا أكثر قلقًا من حماسهم تجاه زيادة استخدام الذكاء الاصطناعي، مقارنة بـ(37%) في “2021”، كما أظهر استطلاع (Echelon Insights-إيشلون إنسايتس)، وهي شركة أميركية متخصصة في أبحاث الرأي العام وتحليل البيانات، أن (27%) فقط من الناخبين يؤيدون إنشاء مركز بيانات في مجتمعاتهم، لتأتي هذه المشروعات في المرتبة الأخيرة مقارنة بعدد من مشروعات البنية التحتية الأخرى.

ومع تزايد الاعتماد الاقتصادي على استثمارات الذكاء الاصطناعي، فإن تباطؤ بناء مراكز البيانات قد لا يبقى مشكلة تخص (وادي السيليكون) وحده، بل قد يتحول إلى عقبة سياسية واقتصادية تهدد أحد أهم محركات النمو الأميركي الجديد.

 

اترك تعليقا