صرخات فرعون وقومه

د محمد علي يوسف يكتب

اللحظاتُ الحاسمة في عُمر التاريخ قد تبدأ بهدوءٍ لا يشي بعظمةِ المخاض القادم..
ربما يذهبُ الناسُ إلى أعمالهم في الصباح كالمعتاد..
والنيلُ يجري في مجراه القديم يوزع الطمي على الضفتين.. والأسواقُ المكتظة تضجُّ بأصوات الباعة والمساومات..
لكن وراء هذا السكون الظاهري المخادع فإن صفحة كاملة من الزمان توشك أن تُطوى للأبد.
هكذا كانت مصر في تلك الأيام الأخيرة قبل النهاية..
من يرمق المشهد الخارجي بعينيه لن يلحظ اختلافاً يُذكر..
العسس الفرعوني يطوفون في الطرقات، والمشاعلُ تتراقص فوق جدران القصور الشاهقة، وعجلة الاستعباد تمضي بآليتها الرتيبة التي استمرت لقرون.
لكن وراء كانت كلُّ فرص الإمهال قد استُنفدت تماما وقد توالت الآياتُ التسع البينات حتى لم يبقَ بابٌ في الوعي لم يُطرق، ورأى القومُ من الحجج ما يكفي لإيمان أمم بأسرها
ولقد دعا موسى..
{ فَدَعَا رَبَّهُۥۤ أَنَّ هَـٰۤؤُلَاۤءِ قَوۡمࣱ مُّجۡرِمُونَ }

ولقد صدر الحكمُ القطعيّ في السماء عقب دعاء الطمس المهيب
” قَالَ قَدۡ أُجِیبَت دَّعۡوَتُكُمَا”
ثم حانت ساعةُ التنفيذ.
ليلة عاشوراء..

في عتمةِ تلك الليلةِ الموعودة، انسلَّت القافلةُ الكبرى امتثالا للأمر الحاسم
“فَأَسۡرِ بِعِبَادِی لَیۡلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ”
أمرٌ ربانيٌّ لا يقبلُ التأجيل، جاءَ ليُعلنَ فجرَ النجاةِ من قلبِ ظلامِ الاستعباد،
لكنه لن يكون هروبا ناعما هادئا..
﴿إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾
هذه معلومة لم تكن لزرعِ الرعبِ في قلوبهم ولكنها كانت بمثابة بوقَ استنفارٍ أخير، تدركُ فيه هذه الأمة أنَّ عدوَّها لن يتركَ ضحيته تفلتُ بسهولة..
لقد صارَ لزاماً عليهم أن يدركوا أنَّ النجاةَ لا تعني التوقفَ عن السير ولكنها تستلزم الحذرَ الواقعي وتوقع كل شيء..

ها هي مواكبُ المستضعفين طويلةٌ تمورُ في صمتٍ مطبق يمزق حِجاب الصحراءِ الشرقية.
رجالٌ تثقلُ كواهلهم ما تيسر حمله من الأمتعة..
نساء يضممن الرُّضعَ إلى صدورٍ خافقة بالوجل..
وشيوخ حفرت السياطُ على ظهورهم تضاريسَ الذلِّ.
وجوهٌ شاحبةٌ أنهكتها عقود من الترقبِ والانتظار.
لقد كانت أمةً كاملةً تُنتزعُ انتزاعاً لتسيرَ نحو غيبٍ مجهول، مستندةً إلى أمل جديدٍ غرسَ بذرتهُ نبيُّهم في محاريبِ بيوتهم جُعلت قِبلة، عبر سنواتٍ من التربيةِ والابتلاءِ الصبور.
لم يكن في ذلك الركبِ من يدركُ كُنهَ النهايةِ أو يتخيلُ أينَ ينتهي بهم هذا الطريق؛ لكنهم أدركوا أنَّ ساعةَ الرحيلِ قد دقّت.
لا أظن خروجهم كان سهلا…
إن المكان الذي وُلد فيه الإنسان وعاش يظل جذّابا حتى وإن كان بالنسبة إليه أشبه بسجن خانق؛ فالقيود العتيقة تخلق في النفس ألفة زائفة، والخوف من المجهول غالبا ما يغلب الخوف من القيد.
لذا لم يكن خروجهم مجرد رحلة جغرافية عبرَ القفار وإنما كان اقتلاعاً جراحياً لأمة نُزعت من عالم اعتادت تفاصيلَه حتى سَرَت في أعصابها، لتخطو خطوتَها الأولى نحو فجرٍ لم تألفه من قبل.

أما موسى… فكان يمشي.
في هدوء عجيب وسكينة كان يمشي.
نفس الهدوء الذي صاحبه يوم سار إلى قصر فرعون أول مرة.
والهدوء نفسه الذي دخل به المواجهة يوم الزينة.
والهدوء نفسه الذي عبر به سنين الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم.
لقد كان يعرف شيئاً لا يعرفه أكثر الناس.
يعرف أن الطريق لا يصنعه المسافر.
ويدرك أن الهداية تأتي أحياناً بعد الخطوة لا قبلها وأن الإنسان لا يُمنح دائماً خريطة الرحلة كاملة..
قد يُعطى من النور ما يكفي فقط للخطوة التالية.
ثم يسير…
ثم يُفتح له باب آخر.
ثم يسير من جديد..
وهكذا حتى يصل.
بإذن الله يصل..
لكن ما وصل ابتداءً كان خبر القوم..
وصل إلى القصر!
لقد خرج بنو إسر.ائـ.يل..
وانطلقت المطاردة.
المشهد يتسارع بشكل محموم.. الإمبراطورية تستيقظ فجأة مذعورة على صيحات فرعون الذي انطلق يوزع سموم الاستنفار بكلمات مقتضبة صاغها من وحي كبريائه:
إن هؤلاء لشرذمة قليلون،
وإنهم لنا لغائظون،
وإنا لجميع حاذرون..
لم يحتج إلى خطبة عصماء، فقد استخف قومه زمنا طويلا حتى صاروا لا يرون إلا ما يراه، ولا يترددون في استجابة ندائه.

عندئذ دبت في مفاصل المملكة حركة محمومة.
الرسائل تتقاذفها الأيدي و الخيول تسرج في عجل
العربات الحربية تجتاح الطرقات بصريرها، والجنود يتدفقون من كل حدب وصوب.
لقد تسارع الزمن وكأنه يوشك على الانتهاء.

في صدارة هذا الركب الجارف كان فرعون يندفع بنفسه تعمي بصيرته غشاوة النسيان.
لقد طوت ذاكرته المأزومة مشاهد السحرة وهم يخرون لله سجدا..
نسي أو تناسى كارثة الجراد التي جردت الأرض من خضرتها، وتجاهل أنهار الدم وصراخ الخلق من الجوع في السنين العجاف.
لقد رأى كل الآيات وعاين كل المعجزات، ومع ذلك، اختار أن يقنع نفسه بأن الخلل في كل شيء وأي شيء إلا فيه.

على بعد كيلومترات قليلة كان موسى يواصل السير..
لا يكترث لفارق السرعة بين خطى المشاة ووثبات الخيل المصرية.

وفجأة انتهت الأرض..
هكذا ببساطة انتهت..
لا طريق يمتد ولا ممر يرتجى..
فقط بحر لجي يترامى أمام الأبصار كأنه حافة العالم، بأمواجه التي تتكسر على الشاطئ في إيقاع رتيب وماء لا يبلغ الناظر مداه.

وعند الأفق تولدت نقطة صغيرة من الغبار ثم تضخمت حتى غدت سحابة تغشي العيون..
من قلبها تعالت أصوات تتضح ملامحها تدريجيا؛ وقع حوافر وصليل معادن وهتافات حماسية تملأ الفضاء.
لم تكن تلك عاصفة رملية..
كانت جحافل جيش فرعون الجرار يزحف لغايته..
انطلقت أول صرخة مذعورة من صفوف بني إسرائيل المتأخرة حين تبينت شمس الظهيرة تنعكس على دروع فرسان فرعون المتقدمة..
عدوهم من خلفهم والبحر أمامهم.

تداعت النفوس واشتعل الخوف في المحاجر التي دارت كالذي يغشى عليه من الموت.
وفق كل الحسابات الأرضية الجامدة قد تلاشت كل فرص النجاة
هنا انهارت آخر طبقات التماسك في نفوس الكثيرين، وخرجت من أعماقهم تلك العبارة الموجزة ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾.
كلمات قصيرة في مبناها، لكنها مع المؤكدات اللفظية الحاسمة التي تحتويها؛ تختزل تاريخاً طويلاً من الخوف الوجودي.. خوف أمة تربت تحت سياط فرعون..
وخوف أناس اعتادوا أن يروا القوة دائماً في جهته..
خوف السجين الذي لا يصدق أن باب زنزانته قد فُتح بالفعل، فيظن النور الذي تسلل إليه مجرد خدعة بصرية تسبق العقاب.
إن العقل الذي أدمن القيد يرتعد كلما تعطلت في وجهه موازين المادة.

ولقد تجسّد الخطرُ أمام الأبصار، وغدا الموتُ محسوساً تراه المحاجرُ الذاهلةُ التي دارت كالذي يغشى عليه من الموت..
يبدو للعيان أنَّ الستارَ قد أُسدل، وأنَّ طوق النجاةِ قد انقطع.
يا للذاكرة البشريةِ حين تخذل صاحبَها!
أين ذابت صورة العصا التي صارت حية تسعى؟
وأين غابت ذكريات اليد البيضاء، وكوابيسُ الجراد والدم التي تجرعها عدوهم دونهم؟
هل تبخّر يقين المعجزات في لحظة الصدمة وغشى الذهول القلوب فاستحالت شتاتاً؟
ظل القوم يوزعون نظراتهم الحائرة بين أمواج البحر وجحافل الجيش التي تدك الأرض خلفهم، ثم يرتد البصر مراقبا الماء يفتش عن ثغرة في جدار المصير الواضح..

لكنهم في كل جولة لم يجنوا من حساباتِهم المادية إلا نتيجة واحدةً..
لقد انتهى كلُّ شيء.
إنا لمدركون..

لكن موسى عليه السلام لم يكن ينظر إلى المشهد بالطريقة نفسها..
أهل المادة تستهلك أبصارهم مسالك الطريق ومتاهاته أما من عرفوا ربهم فبصائرُهم معلقة بصاحبِ الطريق وخالق الرحلة.
لهذا انطلقت الكلمة هادئة، قوية، قليلة الحروف، لكنها في الميزان العقدي مزلزلةُ المعنى والمبنى…
﴿كَلَّا﴾.
حاسمة..
قاطعة.. لا يعتريها شك ولا يغشاها تردد..
هكذا نطق بها موسى..
في وقتٍ ما زال فيه البحر يهدر أمامهم، وجيش فرعون يطحن الحصى خلفهم، والحصارُ يطبقُ إطباق الرّحى على أرواحِهم من كلِّ جانب.
لم تكن تلك الكلمة وليدة اللحظة، ولا كانت صرخة حماسة عابرة..
لقد كانت نتاج مدرسة الإعداد الإلهي التي ارتقى موسى درجاتها درجة تلو أخرى..
منذ ليلة الطور الأولى حين قيل له “أقبل ولا تخف” و”لا تخافا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ”؛ تعلم موسى الدرس واستقرَّ في وعيه أن الوعد الذي لم يتخلّف يوما على امتداد الرحلة لن يخذله في لحظة الذورة..

لكنه مع ثقته لم يقل “سينجيني” ولم يقل “سيشق لي البحر” فهو لم يكن يملكُ وقتها تفاصيل خريطة النجاة.
المتوكلون لا يفتشون عن التفاصيل ابتداء ولكنهم يلوذون بـ “المَعِيّة” وإذا حضرت معية الربّ هانت الأسباب وتلاشت معضلاتُ الوجود.
لذا قالها بحزمٍ نافذ: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.
إنَّ الإيمان يسبقوالعلم بالتفاصيل والعبد الصادقُ يثق في المدد بغض النظر عن توقيته ومهما ضاقت الحلقاتُ واستحكمت.

لم يكن خطاب سيدنا موسى رداً على إرجافهم طويلا ولا كانت فيه محاولات مضنية لإقناعهم بمنطق معقد..
لا شرح ولا تبرير..
فقط تلك الكلمات الموجزة كصفعة يقين هدمت كل الحسابات الأرضيةِالجامدة دفعة واحدة..
وكأن سنوات المعاناة في مصر كانت إعداداً لهذا الموقف وهذه اللحظة..
لحظة يقف فيها الإنسانُك عند نهايةَِ الأسبابِ كلها، ليكتشف أنّ السببرالأعظم لم يغب..
لم يغب قط..

ثم جاء الأمر أخيراً..
“فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ”
إنها العصا تتصدر المشهد من جديد..
تلك التي رافقت خطاه منذ البدايات، وشهدت رهبة الوادي المقدس واخترقت هيبة قصر فرعون وحسمت جولة يوم الزينة.
ها هي ترتفع مرة أخرى أمام مشهد جديد مهيب..
لكنها هذه المرة لن تتحول إلى حية تسعى…
سيتحول بها البحر نفسه في لحظة لا تشبه شيئاً مما عرفته الأرض من قبل..
خيول فرعون تنهب الأرض نهباً
تقترب في سرعة جنونية..
العصا تهوي… والنواميس تتغير مرة أخرى
لقد انشق الماء.. ارتفع وعلا وتشقق الأفق في حالة لم يسبق لها مثيل فيما نعلمه من تاريخ البشر..
“فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ”
جبلان من ماء صار متماسكا شاهقا يصافح السحاب.
و في قلب اللجة العميقة نشأ طريق!
طريق يابس ممهد لا ماء فيه ولا وحل تغوص في الأقدام التي أتعبتها الرحلة..
﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾.
العائق الحتمي قد تحول بقدرة الله إلى مخرج آمن…
صار المغرق ملاذاً.. واندفعت الجموع، رجالاً ونساءً وأطفالاً، تسارع الخطى داخل ذلك الوادي المائي الضيق يخطون فوق شعب مرجانية جافة ويعبرون بين جداري الماء الشاهقين..
كلما التفت أحدهم يمنة أو يسرة رأى أمواجاً ترتفع فوق رأسه كأنها جبال معلقة تنتظر أمراً واحداً لتسقط، أو هاله ظلُّ حوت ضخم يتحرك خلف جدار الماء البلوري، أو سربُ مخلوقات الأعماق لا يفصلهم عنها سوى أمتار معدودة.
لكن الأمر لم يكن للماء ولا الهواء..
الأمر كان ولم يزل لله…
هو الذي أراد لهم العبور، فمروا في أمان كامل.. ومضت القافلة حتى بلغت أقدام آخرهم الضفة الأخرى بسلام.

أما خلفهم… فقد كان ركب فرعون قد وصل إلى الحافة.. مائة ألف فارس أو يزيدون مدججون بالدروع والخيول المطهمة تملأ الأفق غطرسة وعلوّاً.

أكاد ألمح تلك الابتسامة العريضة تعلو الشفتي الغليظتين القاسيتين وصاحبهما يرى طريدته تلوح من بعيد على ضفاف البحر.
لقد أعمت نشوة المطاردة بصيرته وما زال يرى نفسه سيد الموقف..
يظن أن الغنيمة دنت وأنه لا ملجأ لهم منه اليوم..
لكن تلك الابتسامة تلاشت فجأة وحلت مكانها سحنة الذهول الرهيب حين رأى المعجزة بعينيه.
الجيش كله تسمر في مكانه، وجفلت الخيل وكادت أن تطيح بفرسانها لهول ما ترى الأعين..
لقد انشق البحر الظاهر في الأفق وتكاد الضفة الأخرى تبدو واضحة من بعيد..
المنطق يقول أن يستدير ويبتعد…
هذا الذي يحدث هو يقينا امتداد لأفعال يعرفها جيدا..
لكن الكبر إذا تمكن من القلب ممزوجا بالغباء المستحكم ؛ يعمي عن أوضح الحقائق..
ولقد استبد الكبر بفرعون وعزّ عليه أن يفلت موسى بعد أعوام من التحدي والمفاصلة أذله فيها بكل موطن..
لم يحتمل كبرياؤه الهزيمة، فصرخ في جنده يستحث خطاهم المترددة لهول ما يعاينون…
هلموا أيها الجبناء!
تحركوا وأدركوهم!
إن كان موسى قد عبر فما يمنعنا أن نعبر خلفه؟
إنها مجرد ظاهرة
لعلنا لم نسمع بها من قبل!
تجاسر الأحمق فتقدمهم بفرسه ليقنعهم بيقينه المزيف، واندفع الجندُ
خلفه على مضض، يهمهمون باعتراض مكتوم خائف، شاعرين بحجم الحماقة..

يقيناً أدركوا أنها آية من آيات موسى، والتبعية المُستَخَفة هي التي قادتهم بأقدامهم إلى حتفهم الأكيد.
وبينما تندفع خيول فرعون نحو مصيرها ثمة طيف سماوي منير كان يجول متقدما ركب موسى على صهوة فرسه..
طيف جبريل عليه السلام..

مضت الخيول و العربات تكمل المطاردة متجهة بإصرار نحو اللحظة التي كُتِبت لها منذ زمن بعيد. حتى إذا استقرت في قلب الممر وقارب فرعون على الوصول والنشوة تخنق أنفاسه وهو يلمح بني إسـ.را.ئيل يجتازون إلى الضفة الأخرى..
استحث خطى فرسه… أسرع.. فأسرع..
يقترب من آخر أفراد الركب بشكل محموم.
ثم انقضى الميقات..
وأغلق البحر صفحته الأخيرة.
التأم جبلي الماءروانطبق الطود على الطود، واهتز الفضاء كله بهدير يصم الآذان!
للوهلة الأولى غاب فرعون وجيشه وحاشيته في الأعماق السحيقة، وكتمت الأمواج المتلاطمة صرخاتهم المذعورة.
تلاشت الرايات والدروع، وسكت صهيل الخيل وتباعد صخب الجنود وخفت الضجيج الذي ملأ الأرض أعواماً طويلة.
لمحة عين كأن لم تغنَ بالأمس..
“فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُۥ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِۦ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَاۖ سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِۦۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْكَٰفِرُونَ”

وفي غمرات الموج المتلاطم، لم تعد كلمات فرعون كما كانت..
هو الآن مجرد غريق يلهث خلف نجاة ضاعت.
صوت واحد مختنق يغرغر بعبرات يمتزج ملحُها بملح اليم وطميه الذي يدسه جبريل في فمه الملكي المنعم..

صرخة يأس أخيرة خرجت بعبارة ثقيلة، طويلة، تلهث خلف النجاة المفقودة..
“ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِيٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓاْ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ”
تأمل شؤم المعصية والكبر حتى في لحظات الموت..
حروفٌ كثيرة وكلمات متعددة…
وتغيب الكلمة الأعظم..
ثقل لسانُه الأثيم عن النطق الصريح بلفظ الجلالة.. “الله” عجزاً وجحوداً.

هنا جاء الرد المزلزل يقطع دابر الرجاء: ﴿ءَآلْـَٰٔنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾.
الآن؟
بعد هذا العمر كله؟
بعد الدماء كلها وسنوات الذبح والاستعباد الطويلة؟
لقد أراد أن يؤمن حين صار الإيمان رؤية لا غيباً، وحين صار الجزاء حاضراً لا مؤجلاً؛ فلم ينفعه ذلك.
إن التوبة ليست لمن يعمل السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن..
لقد انتهى زمن الاختيار وحل ميزان الجزاء.
ومات.
ببساطة كما يموت أي مخلوق!
مات من قال يوماً: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، من تفاخر بملك مصر والأنهار تجري من تحته؛ وها هي تجري وتتلاطم من فوق رأسه ولا عاصم اليوم من أمر الله.

لكن القصة لم تنته عند هذا الحد..
لقد شاء الله أن يبقى جسده شاهداً ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾.
نجا الجسد وهلك صاحبه..
نجا لينظر إليه من ذاقوا ويلات بطشه..
وليمعن تأمله من ظنوا ألوهيته واعتقدوا ربوبيته.
ها هو أمامكم آية لكل معتبر..
لم يرتفع ولم يصعد إلى ملكوت لا ترونه..
مجرد جسد قد ازرق وتورم كأي غريق عادي..

ثم سكن البحر أخيراً…
عادت الأمواج تتكسر على الشاطئ كأن شيئاً لم يحدث.
الأماكن تفعل ذلك دائماً.
أعظم الأحداث التي تهز العالم تترك وراءها حجارة صامتة ومياهاً عادية وسماء لا تبدو مختلفة كثيراً عن سماء الأمس.
{ فَمَا بَكَتۡ عَلَیۡهِمُ ٱلسَّمَاۤءُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَا كَانُوا۟ مُنظَرِینَ }

بعد سنوات طويلة ربما وقف بعض العابرين على ذلك الساحل نفسه.
ربما اصطادوا السمك و جلس أطفال يلهون عند الماء.
وربما لم يخطر ببال أحد منهم أن هذا المكان ابتلع ذات يوم جبارا لم ير التاريخ في مثل قسوته
هكذا يفعل الزمن…
يطمر الضجيج ويترك العبرة لمن يريد أن يراها.

أما موسى فقد كان يقف على الضفة الأخرى خلفه بحر عاد هادئاً كما كان وأمامه صحراء لا نهاية لها.
ربما لاح في ذهنه مشهد بعيد..
طفل رضيع تحمله ذات الأمواج في صندوق خشبي، وأم متلهفة ترقبه من بعيد.
وها هو يعود بعد عقود ليعبر يماً آخر لبس كرضيع تحاصره المخاوف ولكن نبياً منتصراً يقود أمة بأكملها.

لكن الحكاية لم تنتهِ عند هذا الشاطئ.
لا توجد في الحياة الواقعية كلمة “النهاية” تتهاوى في خلفية المشهد استعدادا لنزول “التترات”..
النجاة لم تكن يوماً نقطة وصول، والحرية ذاتها امتحان شاق لا تقوى عليه كثير من النفوس..
تلك هي الحقيقة التي لا نحبها كثيراً…
أعظم انتصارات الحياة لا يعقبها دائماً استرخاء طويل
بل طريق جديد واختبار جديد وسؤال جديد.
النهايات السعيدة التي نحبها في الحكايات قد لا تظهر كثيراً في الواقع.
الشرير قد يسقط لكن الامتحان لا يسقط معه.
البحر قد ينشق لكن الطريق هنالك ينتظر..
خلف الأفق..
في مكان لم يبصروه بعد.
ذلك هو سر هذه الدار ..
لن تعرف أبداً أين تكون النهاية الحقيقية…
إلا بعد أن تنتهي الرحلة..
بأكملها.

#واصطنعتك_لنفسي

اترك تعليقا