حرب الروايات بين أنقرة وتل أبيب
مرحلة جديدة من التصعيد السياسي والدبلوماسي
- السيد التيجاني
- 3 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- إسرائيل, القطيعة الدبلوماسية, تل أبيب, حرب الروايات, غزة
دخلت العلاقات التركية الإسرائيلية مرحلة جديدة من التصعيد السياسي والدبلوماسي، بعدما تبادل وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر اتهامات غير مسبوقة، في مؤشر على اتساع الهوة بين البلدين منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة. ولم يعد الخلاف مقتصراً على المواقف السياسية، بل بات يمتد إلى معركة على الشرعية الدولية والرواية القانونية، في وقت تتزايد فيه الضغوط على إسرائيل في المحافل الدولية، وتواصل تركيا تقديم نفسها بوصفها أحد أبرز المدافعين عن القضية الفلسطينية.
فيدان وساعر.. معركة الروايات تتجاوز حدود السياسة التقليدية
جاءت شرارة الجولة الجديدة من التصعيد عقب مقابلة أجراها هاكان فيدان مع شبكة CNN Türk، قال فيها إن إسرائيل أصبحت “مشكلة للبشرية”، وإن المجتمع الدولي مطالب باتخاذ خطوات عملية لوقف سياساتها.
ولم تتأخر تل أبيب في الرد، إذ اتهم جدعون ساعر نظيره التركي بالتحريض على الكراهية والإبادة ضد الشعب اليهودي، معتبراً أن الخطاب التركي تجاوز حدود الانتقاد السياسي إلى خطاب يحمل مضامين خطيرة.
غزة تعمّق القطيعة وتبدّل قواعد العلاقات
هذا السجال يعكس حجم التدهور الذي أصاب العلاقات بين البلدين خلال العامين الأخيرين، بعدما انتقلت من مرحلة الخلاف السياسي إلى القطيعة شبه الكاملة. فقد أوقفت تركيا التبادل التجاري مع إسرائيل، وسحبت سفيرها، وجمدت معظم قنوات التعاون، فيما ردت إسرائيل باتهام القيادة التركية بتوظيف الحرب لتحقيق مكاسب سياسية وإقليمية.
ورغم أن العلاقات التركية الإسرائيلية شهدت أزمات عديدة منذ حادثة “مافي مرمرة” عام 2010، فإن الأزمة الحالية تختلف في طبيعتها. فالصراع هذه المرة يتجاوز الملفات الثنائية، ويرتبط مباشرة بالحرب في غزة، وبالتحولات التي تشهدها المنطقة، وبالمنافسة على قيادة المواقف داخل العالم الإسلامي.
التصعيد يعكس تنافساً على قيادة المشهد الإقليمي
يرى الدكتور سولي أوزيل، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة قدير هاس التركية، أن تصريحات هاكان فيدان ليست مجرد رد فعل سياسي، وإنما تعكس توجهاً استراتيجياً تركياً يقوم على إعادة صياغة الدور الإقليمي لأنقرة. ويؤكد أن القيادة التركية تدرك أن الرأي العام الداخلي، وكذلك الشارع العربي والإسلامي، ينظران إلى القضية الفلسطينية باعتبارها معياراً أساسياً للحكم على سياسات الدول.
ولذلك تحرص أنقرة على تبني خطاب شديد اللهجة تجاه إسرائيل، مع توظيف الأدوات الدبلوماسية والقانونية والإنسانية لتعزيز حضورها الإقليمي.
ويضيف أوزيل أن تركيا لا تسعى إلى مواجهة عسكرية مع إسرائيل، لكنها تعمل على زيادة كلفة استمرار الحرب سياسياً ودبلوماسياً، عبر دعم التحركات داخل الأمم المتحدة، والمحاكم الدولية، والمنظمات الحقوقية، وتشجيع الدول الغربية على مراجعة مواقفها التقليدية.
التحركات القانونية الدولية تضاعف الضغوط على إسرائيل
في المقابل، يرى الدكتور عيال زيسر، الباحث الإسرائيلي المتخصص في الشؤون التركية، أن تل أبيب تنظر إلى الخطاب التركي باعتباره جزءاً من حملة سياسية تستهدف عزل إسرائيل دولياً.
ويعتقد أن اتهام ساعر لفيدان بالتحريض يعكس استراتيجية إسرائيلية أوسع تقوم على الربط بين الانتقادات الحادة لإسرائيل وبين معاداة السامية، بهدف الحد من تصاعد الضغوط القانونية والسياسية عليها، خاصة مع استمرار القضايا المنظورة أمام محكمة العدل الدولية.
تركيا توظف الدبلوماسية والقانون لتعزيز حضورها الإقليمي
يشير الدكتور أحمد فؤاد أنور، الخبير المصري في الشؤون الإسرائيلية، إلى أن التصعيد الحالي يعكس أزمة أعمق تتعلق بصورة إسرائيل على المستوى الدولي.
ويؤكد أن تل أبيب تواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة الانتقادات الحقوقية، ولذلك أصبحت أكثر حساسية تجاه أي خطاب يصدر عن دولة ذات ثقل إقليمي مثل تركيا. ويضيف أن الرد الإسرائيلي الحاد يهدف أيضاً إلى إرسال رسالة إلى العواصم الغربية بأن أنقرة تجاوزت حدود النقد السياسي، في محاولة للحفاظ على الدعم الغربي التقليدي.
ويعتقد أنور أن تركيا تدرك في المقابل أن الرأي العام العالمي أصبح أكثر انفتاحاً على الرواية الفلسطينية مقارنة بالسنوات السابقة، ولذلك تواصل تصعيد خطابها السياسي، مستفيدة من التغيرات التي شهدتها مواقف عدد من الحكومات والبرلمانات الغربية.
بين الدعوة للتهدئة واستمرار الاستقطاب
على مستوى ردود الفعل الدولية، اكتفت معظم العواصم الغربية بالدعوة إلى خفض التصعيد الدبلوماسي، مع استمرار تأكيدها على أهمية حماية المدنيين والالتزام بالقانون الدولي. أما في العالم الإسلامي، فقد حظيت تصريحات فيدان بترحيب واسع في وسائل الإعلام والدوائر السياسية، التي اعتبرت أن الموقف التركي يعكس مطالب شريحة كبيرة من الرأي العام الرافض لاستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية.
في المقابل، اعتبرت أوساط إسرائيلية أن التصريحات التركية تزيد من عزلة أنقرة لدى بعض الدول الغربية، وتقلل من فرص استعادة العلاقات الثنائية إلى مسارها السابق، خاصة في ظل انعدام الثقة بين القيادتين.
شرق المتوسط ساحة جديدة لتنافس أنقرة وتل أبيب
يرى محللون أن الأزمة الحالية تمتد أيضاً إلى شرق البحر المتوسط، حيث تتنافس تركيا وإسرائيل على ملفات الطاقة وخطوط نقل الغاز والتحالفات البحرية. وقد يدفع استمرار التوتر إسرائيل إلى تعميق تعاونها مع اليونان وقبرص، بينما قد تسعى تركيا إلى توسيع شراكاتها مع دول إقليمية تتبنى مواقف أكثر تشدداً تجاه إسرائيل.
كما أن التصعيد قد ينعكس على ملفات أخرى، من بينها التعاون الأمني، وحركة التجارة، والاستثمارات، والتنسيق في قضايا شرق المتوسط، وهي ملفات كانت تمثل في السابق أرضية مشتركة رغم الخلافات السياسية.
مواجهة دبلوماسية مفتوحة أم احتواء تدريجي للأزمة؟
يتوقع مراقبون أن تشهد المرحلة المقبلة تصعيداً إضافياً داخل المؤسسات الدولية، مع استمرار الدعم التركي للتحركات القانونية ضد إسرائيل، سواء عبر دعم جهود جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، أو عبر الدفع نحو قرارات جديدة في الأمم المتحدة والجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان.
في المقابل، ستواصل إسرائيل العمل على تحصين موقفها الدبلوماسي من خلال تعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، إلى جانب تكثيف حملاتها الإعلامية والقانونية لمواجهة الاتهامات الموجهة إليها.
ويرى خبراء أن فرص عودة العلاقات التركية الإسرائيلية إلى طبيعتها خلال المدى القريب تبدو محدودة، لأن الخلاف لم يعد مرتبطاً بحدث سياسي عابر، بل أصبح جزءاً من صراع أوسع على النفوذ الإقليمي، وعلى صياغة الرواية المتعلقة بالحرب في غزة، وعلى مستقبل التوازنات في الشرق الأوسط.
وفي حال استمرار هذا المسار، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة جديدة من الاستقطاب السياسي والدبلوماسي، تتنافس فيها أنقرة وتل أبيب على كسب التأييد الدولي واستقطاب الحلفاء، بما يجعل الحرب الدبلوماسية بين الطرفين مرشحة للاستمرار حتى مع تراجع العمليات العسكرية.
