تهديد ترامب بقصف عمان..وتقرير عن تهديداته لدول العالم
محمد سعد يكتب
- dr-naga
- 28 مايو، 2026
- حوارات ومقالات
- إيران, الصومال, العراق, المكسيك, اليمن, ترامب, تهديد ترامب بقصف عمان, سلطنة عمان, سوريا, فنزويلا, كندا, كوبا, محمد سعد, مضيق هرمز, نيجيريا
نشرت شبكة CNN تقريرًا لافتًا بعنوان: “ترامب هدد أو هاجم دولة من كل 13 دولة في العالم”، في محاولة لرصد التصاعد غير المسبوق في خطاب التهديد العسكري الذي بات يطبع الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب. التقرير لم يتعامل مع الأمر باعتباره مجرد زلات لسان أو تصريحات انفعالية، بل باعتباره نمطًا سياسيًا متكاملًا؛ رئيس أمريكي يهدد بالقصف كما لو أنه يعلّق على صفقة تجارية أو مشروع قانون. الأمر أصبح معتاد أكثر من اللازم…
جاء التقرير بعد تصريح ترامب الأخير بشأن سلطنة عمان، حين قال خلال اجتماع حكومي في البيت الأبيض إن مسقط “ستتصرف مثل الجميع، وإلا سنضطر إلى قصفهم”، في سياق التوترات المتعلقة بمضيق هرمز وإيران. بالنسبة لـCNN، لم يكن التصريح معزولًا، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من التهديدات والضربات العسكرية التي طالت — بحسب التقرير — ما لا يقل عن 15 دولة خلال فترتي حكم ترامب.
القائمة نفسها كاشفة؛ إيران، العراق، سوريا، اليمن، الصومال، فنزويلا، نيجيريا، إلى جانب تهديدات طالت كندا والمكسيك وكوبا وبنما وجرينلاند وعمان. بعضها خصوم، وبعضها حلفاء، وبعضها دول بالكاد يمكن تصور وجود مصلحة أمريكية مباشرة في التصعيد معها. لكن ما يجمعها جميعًا هو أن ترامب يتعامل مع القوة العسكرية بوصفها أداة سياسية يومية، لا خيارًا استثنائيًا.
المفارقة هنا لا تتعلق فقط بسلوك ترامب، بل بالصورة التي جاء بها إلى السلطة أساسًا.
فالرجل بنى جزءًا ضخمًا من شعبيته على مهاجمة “صقور الحرب” داخل المؤسسة الأمريكية. سخر من الجمهوريين الذين غرقوا في العراق وأفغانستان، وهاجم الديمقراطيين باعتبارهم دعاة تدخلات خارجية لا تنتهي. قدم نفسه باعتباره المرشح الذي سيوقف “الحروب الغبية”، ويعيد تركيز الدولة الأمريكية على الداخل، وعلى الاقتصاد، وعلى العامل الأمريكي الذي يشعر أن واشنطن تنفق المليارات لحماية العالم بينما تتآكل مدنه ومصانعه.
لكن بعد عودته إلى البيت الأبيض، يبدو أن ترامب لم ينسحب من منطق التدخل الأمريكي، بل أعاد إنتاجه بصورة أكثر خشونة وفجاجة.
الفرق فقط أن الإدارات الأمريكية السابقة كانت تحاول تغليف القوة العسكرية بخطاب أخلاقي عن “الديمقراطية” و”حقوق الإنسان” و”الاستقرار الدولي”، بينما يتحدث ترامب بلغة مباشرة : الانصياع الكامل أو القصف. ترامب هدد خصوم وأصدقاء، أعداء ولأول مرة حلفاء.. لم يكن يتخيل أي كندي ان يسمع لغة التهديد بالحرب من الجار الأكبر وراعي الديمقراطية العالمية ولم يتصور صانعي نظرية السلام الديمقراطي ان يتم تهديد الدنمارك من سيدة العالم “الحر” تحولت صورة أمريكا تدريجيا من مصدر الأمان الديمقراطي إلى مصدر تهديد رئيسي,
هنا تحديدًا تظهر الأزمة الحقيقية داخل “الترامبية” نفسها.
فالتيار الذي صعد باعتباره تمردًا على الحروب المفتوحة، بدأ يتحول تدريجيًا إلى نسخة أكثر اندفاعًا من القومية الأمريكية التقليدية؛ قومية لا ترى العالم إلا كساحة ضغط وابتزاز وصفقات وقوة عسكرية.
بل إن ترامب، عمليًا، لم يفِ بالكثير من الوعود التي جاء بها، باستثناء الوعود المرتبطة بكارتلات مجمع الصناعات والبترول الاقتصادية الكبرى داخل الولايات المتحدة.
لم تتوقف الحروب.
لم يتراجع الانتشار العسكري الأمريكي.
لم تنكمش سياسة العقوبات والضغوط القصوى.
ولم تختفِ حالة الغضب والانقسام داخل المجتمع الأمريكي.
لكن في المقابل، ازدهرت القطاعات الأكثر استفادة من الفوضى الدولية:
شركات النفط التي تربح من توتر الخليج،
وشركات السلاح التي تزدهر مع كل سباق تسلح جديد،
وكبار الممولين الذين استفادوا من التخفيضات الضريبية والسياسات الاقتصادية المنحازة لرأس المال الكبير.
وهنا يصبح السؤال الذي تطرحه تجربة ترامب:
هل كانت “أمريكا أولًا” مشروعًا لعزل أمريكا عن حروب العالم فعلًا؟ أم مجرد إعادة توجيه للغضب الشعبي الأمريكي نحو صيغة أكثر عدوانية وقومية، دون المساس بالبنية العميقة للمصالح العسكرية والاقتصادية التي تحكم واشنطن؟
الأرجح أن ما يحدث اليوم يكشف حدود الشعبوية حين تصل إلى السلطة.
فالخطاب الشعبوي يستطيع مهاجمة “صقور الحرب”، لكنه حين يدخل البيت الأبيض، يعيد انتاج حروب أكثر مع تغيير الصقور انفسهم بصقور أكثر عنفا وكراهية وضيق أفق.
اختفى الحديث الطويل عن “القيم الأمريكية”، وحلّ محله خطاب أكثر صراحة وأكثر عدوانية:
جئناكم بالقتل… سلفية جهادية مسيحية بيضاء على الطريقة الأمريكية.