ترمب يدفع باتجاه قطع العلاقات التجارية بين أمريكا وإسبانيا

محطات العداء بين نظامين لكل منهما رؤيته المختلفة للعالم

الرائد- أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، أنه وجه وزير الخزانة سكوت بيسنت بقطع جميع العلاقات التجارية مع إسبانيا، واصفا مدريد بأنها “شريك سيئ” في حلف شمال الأطلسي (الناتو).

جاءت تصريحات ترمب خلال ظهوره إلى جانب الأمين العام لحلف الأطلسي مارك روته، خلال انعقاد قمة الحلف في تركيا.

وتوصف هذه التصريحات بأنها ذروة التوتر في العلاقات الأمريكية الإسبانية التي بلغت أدنى مستوياتها منذ عودة ترمب للبيت الأبيض مطلع العام الماضي، لكن جذور هذه التوترات تعود إلى أبعد من ذلك.

ويرى مراقبون أن حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 مثلت بداية وقوف الولايات المتحدة وإسبانيا على طرفي نقيض بصورة علنية، بحيث مثل كل منهما قيما وتوجهات دولية مخالفة للآخر، وهي توجهات تضاربت على أرض الواقع، دفعت الولايات المتحدة لانتقاد إسبانيا بقوة، وجعلت المحللين يتساءلون عن مستقبل التعاون الدفاعي بين الحليفين.

ففي إسبانيا كان الشارع صريحا في استهجانه لحرب إسرائيل على غزة. وبحسب دراسة لمعهد “الكانو” الملكي في إسبانيا في مايو/أيار 2024، فإن 78% من الإسبان يرون أنه على الدول الأوروبية الاعتراف بدولة فلسطينية ذات سيادة، وهو الرأي السائد في معظم الأحزاب السياسية القائمة بإسبانيا. ويذهب 37% من الذين تم استطلاع آرائهم من الإسبان إلى حل أكثر جذرية، وهو إقامة دولة واحدة ديمقراطية يتمتع فيها المسلمون واليهود بحقوق متساوية على أرض فلسطين الواحدة.

وقد انعكس موقف الشارع الإسباني من القضية الفلسطينية على موقف حكومة بيدرو سانشيز في سياستها الخارجية، فقد كان سانشيز أول زعيم أوروبي (والوحيد أيضا) يصف ما يحدث في غزة بـ”الإبادة الجماعية”، كما انضمت إسبانيا إلى الدعوة التي تقدمت بها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، ودعت إلى التعليق الفوري لاتفاقية الشراكة الأوروبية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.

وفي مايو/أيار 2024، اعترفت إسبانيا رسميا بفلسطين كدولة، ومعها أيرلندا والنرويج، وهو قرار وصفته دولة الاحتلال حينها بأنه يمثل دعما لـ”إرهابيي حماس وإيران” على حد زعمها. وقد شجع القرار دولا أخرى بعد ذلك، مثل فرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا، على اتخاذ خطوة مماثلة.

على العكس تماما، أظهر الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، وهو الداعم الأكبر لإسرائيل. نهجا منذ ولايته الأولى وسياسات غير مسبوقة لصالح دولة الاحتلال، واعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية لها، كما أغلق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، واعترف بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان السورية المحتلة، وأكد على أن المستوطنات لا تتعارض مع القانون الدولي.

أما ولايته الثانية فقد تزامنت بدايتها مع استمرار الحرب الإبادية الإسرائيلية على غزة، التي دعمتها إدارة ترمب على مدار شهور طويلة. وقد هدَّد ترمب أثناء الحرب بأن الولايات المتحدة ستسيطر على قطاع غزة وستمتلكه ملكية طويلة الأمد، وبأنها ستعيد توطين الفلسطينيين في مناطق أخرى وتطردهم من أراضيهم الأصلية.

وهكذا ظهر التناقض جليا بين الحليفين، الولايات المتحدة وإسبانيا، فيما يتعلق بملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وقد برز هذا التناقض بوضوح في التعامل مع فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في فلسطين، التي حثَّت المحكمة الجنائية الدولية على التحقيق مع الشركات والأفراد الأمريكيين والإسرائيليين المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان في غزة. فبينما قامت إدارة ترمب بتوقيع عقوبات على فرانشيسكا ألبانيزي، كرَّمتها إسبانيا ومنحها سانشيز وسام الاستحقاق المدني في مايو/أيار الماضي.

لم يكن الاختلاف حول التعامل مع الصراع في فلسطين إلا واجهة لخلافات أعمق بين البلدين. فقد باتت إسبانيا تتحدى الهيمنة الأمريكية في العديد من الملفات منذ صعود ترمب إلى سدة الحكم. وبدأ ذلك حين رفضت إسبانيا عام 2025 خطة الناتو التي تلزم الدول الأعضاء بإنفاق 5% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، وهي خطة جاءت نتيجة ضغوط ترمب.

فقد ضرب سانشيز بعرض الحائط ضغوط واشنطن، وأكد أن هذه الزيادة في الإنفاق تتعارض مع رؤية إسبانيا للعالم، وتتعارض مع مبدأ “دولة الرفاه” في إسبانيا.

وزاد سانشيز من نبرته المتحدية للولايات المتحدة وقال إنه “بات من الواضح أن أوروبا وحدها هي من تعرف كيف تحمي أوروبا”، مما تسبب في غضب الإدارة الأمريكية.

علاوة على ذلك، مضت إسبانيا في تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع الصين، في تجاهل لتوجهات الولايات المتحدة الراغبة في أن يفك حلفاؤها ارتباطهم القوي مع بكين.

وبحسب صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية، فإن سانشيز تجرأ على الخوض فيما يخشى معظم القادة الأوروبيون الخوض فيه، حين انتقد سياسة ترمب الداخلية فيما يخص ملف الهجرة، إذ هاجم حملة القمع التي تشنها إدارة ترمب على المهاجرين، وقارن بين نهج إدارة ترمب ونهج إدارته هو في إسبانيا الذي اختار أن يمنح وضعاً قانونياً لما يصل إلى نصف مليون مهاجر.

أما النقطة الأهم في ملف الخلافات بين الولايات المتحدة وإسبانيا حاليا، فهي تصور كل منهما عن الشكل الذي ينبغي أن يكون عليه العالم. إذ ترى إسبانيا بوضوح أن الولايات المتحدة التي أنشأت في السابق النظام الدولي بعد عام 1945، هي نفسها التي تقوض هذا النظام في عهد ترمب.

وتعتبر إسبانيا أن تقويض النظام العالمي والمؤسسات الدولية لن يكون أمراً إيجابياً لا بالنسبة للعالم ولا بالنسبة للولايات المتحدة نفسها، ولذلك رفضت مدريد دعوة ترمب للانضمام لمبادرته المعروفة بـ”مجلس السلام”، كما أنها تدافع بضراوة عن نظام الأمم المتحدة وعن القواعد الليبرالية التي سيَّرت العالم في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

اترك تعليقا