اتفاقية أميركا والمكسيك وكندا التجارية.. لماذا يراقب العالم مصيرها؟

رفض تمديد الاتفاقية يعيد رسم التكامل الاقتصادي ويزيد الضبابية أمام الشركات والاستثمارات

مع انتهاء المهلة المحددة لمراجعة “اتفاقية التجارة” بين “الولايات المتحدة” و”المكسيك” و”كندا” (USMCA)، اختارت إدارة الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” عدم تمديد الاتفاقية لفترة جديدة مدتها “16 عاماً”، في خطوة لا تعني إنهاء العمل بها، لكنها تدشن مرحلة جديدة من المراجعات السنوية التي قد تعيد فتح ملفات التجارة بين الدول الثلاث بصورة متكررة، ويُنظر إلى القرار باعتباره تحولاً مهماً في السياسة التجارية الأميركية، إذ ينقل الاتفاقية من إطار “الاستقرار طويل الأجل” إلى حالة من “التقييم المستمر”، بما يحمله ذلك من تداعيات على بيئة الأعمال وسلاسل الإمداد في أميركا الشمالية.

ما هي اتفاقية الولايات المتحدة-المكسيك-كندا؟

تُعد اتفاقية الولايات المتحدة-المكسيك-كندا التجارية، الإطار الرئيسي الذي ينظم التجارة بين أكبر ثلاثة اقتصادات في أميركا الشمالية، والتي حلّت محل اتفاقية «نافتا» (وهي اتفاقية التجارة الحرة التي جمعت الولايات المتحدة وكندا والمكسيك منذ عام 1994، قبل أن تُستبدل في عام 2020 باتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا “USMCA”، التي حافظت على مبدأ التجارة الحرة مع تحديث قواعدها لتواكب التطورات الاقتصادية والصناعية.

وتكتسب الاتفاقية أهمية خاصة لأنها تدعم سلاسل التوريد المشتركة في قطاعات حيوية مثل السيارات والطاقة والصناعات التحويلية، حيث قد تعبر المكونات الحدود بين الدول الثلاث عدة مرات قبل وصول المنتج النهائي إلى المستهلك، لذلك.. فإن أي تغيير في مستقبل الاتفاقية لا يؤثر فقط على التجارة، بل يمتد إلى قرارات الاستثمار والتوظيف والتوسع الصناعي في المنطقة بأكملها.

مراجعات سنوية بدلاً من تمديد طويل الأجل..

جاء القرار بالتزامن مع الموعد النهائي الذي كان يتيح للدول الثلاث تمديد الاتفاقية لمدة “16 عاماً إضافية”، إلا أن “البيت الأبيض” فضّل الإبقاء عليها ضمن آلية المراجعة السنوية المنصوص عليها في الاتفاق، وبحسب مسؤول كبير في الإدارة الأميركية، فإن هذا التوجه يعكس قناعة بأن الاتفاقية بصيغتها الحالية لم تستجب بالشكل الكافي لمخاوف الرئيس “ترامب”، وفي مقدمتها استمرار “العجز التجاري الأميركي” مع كل من “كندا” و”المكسيك”.

وأوضح المسؤول أن المفاوضات بين الأطراف الثلاثة ستتواصل بهدف إدخال تعديلات محتملة، في حين لا يزال “ترامب” متحفظاً على الاتفاقية رغم توقيعه عليها خلال ولايته الأولى، ويأتي هذا التحرك بعد عام شهد تعديلات متكررة في السياسة الجمركية الأميركية، شملت فرض رسوم جمركية وتعليق بعضها، إلى جانب نزاعات قانونية بشأن صلاحيات الإدارة في هذا الملف، وهو ما جعل اتفاقية “USMCA” تمثل أحد العناصر القليلة التي وفرت قدراً من الاستقرار في العلاقات التجارية داخل أميركا الشمالية.

تداعيات مباشرة على الشركات والاستثمارات..

يرى مراقبون أن الانتقال إلى مراجعات سنوية يضيف مستوى جديداً من عدم اليقين أمام الشركات التي تعتمد على التجارة العابرة للحدود، خصوصاً أن الاتفاقية تعفي جانباً كبيراً من تجارة أميركا الشمالية من الرسوم الجمركية، ما ساهم خلال السنوات الماضية في حماية الاقتصاد الإقليمي من اضطرابات تجارية أوسع.

وتبرز المخاوف بشكل خاص في قطاع السيارات، الذي ضخ استثمارات بمليارات الدولارات لبناء سلاسل توريد مترابطة بين “الولايات المتحدة” و”كندا” و”المكسيك”، اعتماداً على سهولة انتقال المكونات والسلع بين الدول الثلاث قبل التجميع النهائي.

ويخشى المستثمرون أن تؤدي المراجعات السنوية إلى إعادة تقييم قواعد التجارة بصورة متكررة، الأمر الذي قد يدفع الشركات إلى التريث في اتخاذ قرارات طويلة الأجل تتعلق ببناء المصانع، أو التوسع في الإنتاج، أو التوظيف، خشية تغير القواعد المنظمة للتجارة كل عام، كما أن تصريحات “ترامب” الأخيرة، التي لمح فيها إلى إمكانية انسحاب “الولايات المتحدة” من الاتفاقية مستقبلاً، زادت من المخاوف بشأن مستقبل أكبر منطقة تجارة حرة في أميركا الشمالية.

خلافات متصاعدة وضغوط للحفاظ على الاتفاق..

تواصل “الولايات المتحدة” و”المكسيك” خلال الأسابيع الأخيرة جولات تفاوضية بشأن مستقبل الاتفاقية، في وقت غابت فيه “كندا “عن بعض هذه المحادثات، وسط تصاعد التوترات التجارية بين “واشنطن” و”أوتاوا”، كما أبدت الإدارة الأميركية اعتراضات على تعامل “الحكومة الكندية” مع “أجندة ترامب التجارية”، كما انتقد مسؤولون أميركيون الاتفاق التجاري الذي أبرمته حكومة رئيس الوزراء الكندي “مارك كارني” مع الرئيس الصيني “شي جين بينغ”، والذي يتضمن تخفيض الرسوم الجمركية على المركبات الكهربائية الصينية.

وأكد مسؤول كبير في الإدارة أن “واشنطن” لا تزال تختلف مع “كندا” و”المكسيك” بشأن عدد من الملفات، من بينها الوصول إلى الأسواق، وحقوق العمال، وقطاع الطاقة، والالتزامات التجارية الأخرى.

في المقابل، تمارس كبرى جماعات الأعمال الأميركية ضغوطاً على الإدارة للإبقاء على الاتفاقية وتعزيزها بدلاً من إضعافها، وقال “جوشوا بولتن”، الرئيس التنفيذي لمجموعة «بيزنس راوندتيبل» (وهي رابطة أمريكية تضم الرؤساء التنفيذيين لأكبر الشركات في البلاد، وتدافع عن السياسات العامة التي تؤثر على الاقتصاد والأعمال)، إن من الضروري العمل سريعاً مع “كندا” و”المكسيك” لتعزيز اتفاقية التجارة وتمديدها، محذراً من أن استمرار حالة عدم اليقين قد ينعكس سلباً على تنافسية الشركات الأميركية والاستثمارات طويلة الأجل في المنطقة.

لماذا يتجاوز الأمر حدود أميركا الشمالية ؟

لا يتعلق الجدل الدائر حول اتفاقية (USMCA) بمصير اتفاق تجاري فحسب، بل بمستقبل واحدة من أكثر سلاسل الإنتاج تكاملاً وترابطًا في العالم، فعلى مدار السنوات الماضية، بُنيت صناعات مثل “السيارات” و”الطيران” و”الإلكترونيات” و”الأجهزة الطبية”، إلى جانب قطاعات “الطاقة والبتروكيماويات” و”الزراعة والصناعات الغذائية”، على اعتقاد أن الحدود بين الدول الثلاث لن تمثل عائقاً أمام انتقال المكونات والمواد الخام والمنتجات النهائية، وإذا تحولت الاتفاقية من إطار يوفر استقراراً طويل الأجل إلى مفاوضات ومراجعات سنوية، فإن الشركات ستجد نفسها أمام بيئة استثمارية أكثر ضبابية، ما قد يدفعها إلى تأجيل التوسع وإعادة هيكلة سلاسل الإمداد ورفع تكاليف الإنتاج.

وبالتالي وبطبيعة الحال لن تتوقف آثار هذه التغييرات عند حدود “أميركا الشمالية”، بل ستمتد إلى الأسواق العالمية عبر ارتفاع محتمل في “أسعار السيارات” و”الإلكترونيات” و”السلع الغذائية” وغيرها من المنتجات، بما قد يعيد الضغوط التضخمية إلى الواجهة في وقت بدأت فيه الأسواق العالمية تتنفس الصعداء تدريجياً، وتستعيد قدراً ولو بسيط من الهدوء، بعد توترات ومآلات “الحرب الإيرانية-الأميركية” التي أثقلت كاهل الاقتصاد العالمي، ودفعت تكاليف الطاقة والشحن والتأمين إلى مستويات مرتفعة، وهو ما قد ينعكس على المستهلكين حول العالم، حتى في الدول التي ليست طرفاً في الاتفاقية.

اترك تعليقا