أوروبا أمام شتاء الطاقة الأصعب
تقاطع الأزمات يضع القارة أمام أصعب اختبار منذ سنوات
- السيد التيجاني
- 1 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- الأسواق العالمية, الغاز الروسي, الولايات المتحدة, روسيا, مضيق هرمز, موسكو
تدخل أوروبا النصف الثاني من عام 2026 وهي تواجه معادلة بالغة التعقيد، إذ تتزامن التوترات التي تؤثر في حركة الطاقة عبر مضيق هرمز مع اقتراب دخول الحظر الأوروبي الكامل على واردات الغاز الروسي حيز التنفيذ مطلع عام 2027. هذا التزامن لا يمثل مجرد أزمة في الإمدادات، بل يفتح الباب أمام تحديات اقتصادية وسياسية واجتماعية واسعة، ويعيد إلى الواجهة سؤالا أساسيا حول مدى قدرة أوروبا على تأمين احتياجاتها من الطاقة دون الاعتماد على موسكو أو التعرض لتقلبات الشرق الأوسط.
ويرى مراقبون أن ما يحدث حاليا ليس أزمة عابرة، وإنما مرحلة انتقالية في سوق الطاقة العالمية، حيث تتغير موازين العرض والطلب، وتتزايد المنافسة بين أوروبا وآسيا على شحنات الغاز الطبيعي المسال، في وقت لا تزال فيه قدرات الإنتاج العالمية محدودة مقارنة بالنمو المتسارع في الطلب.
هرمز.. التأثير غير المباشر الأكثر خطورة
على الرغم من أن اعتماد أوروبا المباشر على الغاز أو النفط العابر عبر مضيق هرمز محدود نسبيا مقارنة بالأسواق الآسيوية، فإن أهمية المضيق تكمن في دوره باعتباره الشريان الرئيسي لتجارة الطاقة العالمية.
ويؤكد الخبير في شؤون النفط والطاقة عامر الشوبكي أن التأثير الحقيقي لا يكمن في الكميات التي تصل مباشرة إلى أوروبا، وإنما في اضطراب السوق العالمية بأكملها.
فعندما تتراجع الإمدادات الخليجية أو ترتفع المخاطر الأمنية، ترتفع أسعار الغاز الطبيعي المسال، وتتحول الشحنات إلى الأسواق التي تقدم أسعارا أعلى، وهو ما يقلل الكميات المتاحة للدول الأوروبية.
ويضيف الشوبكي أن هذه التطورات ساهمت في تباطؤ عمليات ملء المخزونات الأوروبية، الأمر الذي يجعل القارة أكثر حساسية لأي موجة برد قوية خلال الشتاء المقبل.
نهاية الاعتماد على الغاز الروسي
منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وضعت بروكسل استراتيجية تدريجية لإنهاء الاعتماد على الطاقة الروسية، عبر تنويع الموردين وزيادة واردات الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة وقطر والنرويج ودول أخرى.
ويرى الباحث في شؤون الطاقة سيمون تاغليابيترا من مركز “بروغل” أن أوروبا نجحت في تقليل اعتمادها على روسيا بصورة كبيرة، لكنها لم تنجح حتى الآن في بناء منظومة مستقرة بالكامل قادرة على تعويض جميع الإمدادات الروسية دون تكلفة اقتصادية مرتفعة.
ويشير إلى أن إنهاء الواردات الروسية سيمنح أوروبا استقلالا سياسيا أكبر، لكنه سيجعلها أكثر عرضة لتقلبات الأسواق العالمية، خاصة عند حدوث أزمات جيوسياسية في مناطق إنتاج الطاقة.
سباق عالمي على شحنات الغاز
المنافسة لم تعد أوروبية فقط، بل تحولت إلى سباق عالمي على الغاز الطبيعي المسال.
فالاقتصادات الآسيوية الكبرى، وعلى رأسها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، تواصل شراء كميات ضخمة من الغاز لتلبية احتياجاتها الصناعية، وهو ما يرفع الأسعار ويجذب السفن بعيدا عن الموانئ الأوروبية.
ويرى الخبير الاقتصادي فاتح بيرول، المدير التنفيذي للوكالة الدولية للطاقة، أن سوق الغاز ستظل مشدودة خلال العامين المقبلين بسبب محدودية الطاقات الإنتاجية الجديدة، موضحا أن دخول مشاريع تصدير جديدة إلى الخدمة لن يكون كافيا لإحداث توازن سريع في السوق.
المخزونات الأوروبية تحت الضغط
تمثل المخزونات خط الدفاع الأول أمام أي أزمة طاقة، إلا أن مستويات التخزين الحالية لا تزال أقل من المستهدف مقارنة بالسنوات الماضية.
ويؤكد خبراء الطاقة أن انخفاض المخزونات لا يعني بالضرورة وقوع أزمة، لكنه يقلص هامش المناورة أمام الحكومات، خصوصا إذا تزامن الشتاء مع موجات برد طويلة أو تعطل مصادر الطاقة المتجددة مثل الرياح.
كما أن استمرار الأسعار المرتفعة يدفع الشركات الصناعية إلى تقليص الإنتاج لتخفيف النفقات، وهو ما قد يؤثر على النمو الاقتصادي الأوروبي خلال الأشهر المقبلة.
تداعيات اقتصادية واسعة
لا تقتصر الأزمة على قطاع الطاقة فقط، بل تمتد إلى معظم القطاعات الاقتصادية.
فالغاز يدخل في تشغيل الصناعات الثقيلة، وإنتاج الأسمدة، والكيماويات، والزجاج، والصلب، والألمنيوم، كما يؤثر بصورة مباشرة على تكاليف النقل والخدمات والإنتاج الغذائي.
ويرى الخبير الاقتصادي مارسيل فراتشر، رئيس المعهد الألماني للأبحاث الاقتصادية، أن استمرار أسعار الطاقة المرتفعة قد يبطئ تعافي الاقتصاد الأوروبي ويزيد الضغوط على الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي لا تمتلك القدرة على تحمل تكاليف تشغيل مرتفعة لفترات طويلة.
ويضيف أن أي ارتفاع جديد في أسعار الطاقة سينعكس على معدلات التضخم، مما قد يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
الحكومات بين الدعم والانضباط المالي
تواجه الحكومات الأوروبية معضلة مزدوجة؛ فمن جهة، هناك حاجة إلى حماية المواطنين من ارتفاع فواتير الكهرباء والتدفئة، ومن جهة أخرى، لا ترغب الحكومات في زيادة الإنفاق العام بصورة تؤثر على الاستقرار المالي.
ويرى خبراء أن إعادة برامج الدعم الواسعة التي طُبقت خلال أزمة الطاقة في عامي 2022 و2023 ستكون أكثر صعوبة اليوم، بسبب الضغوط على الموازنات العامة وارتفاع مستويات الدين في عدد من الدول الأوروبية.
ردود الفعل الأوروبية
دفعت التطورات الأخيرة المفوضية الأوروبية إلى تكثيف التنسيق مع الدول الأعضاء بشأن خطط الطوارئ، وتسريع برامج تخزين الغاز، وتعزيز التعاون مع الدول المصدرة.
كما أعلنت عدة حكومات مراجعة خططها الخاصة بأمن الطاقة، مع التركيز على زيادة واردات الغاز الطبيعي المسال، ورفع كفاءة استهلاك الطاقة، وتشجيع الصناعات على تقليل الاستهلاك خلال فترات الذروة.
وفي المقابل، طالبت اتحادات الصناعات الأوروبية بتقديم حوافز إضافية للشركات كثيفة الاستهلاك للطاقة، محذرة من انتقال بعض الصناعات إلى مناطق تتمتع بطاقة أرخص.
المخاوف الاجتماعية
يرى خبراء الاجتماع أن أزمة الطاقة لا تقتصر على الاقتصاد، بل تحمل أبعادا اجتماعية وسياسية.
فارتفاع تكاليف المعيشة قد يزيد الضغوط على الأسر الأوروبية، ويؤدي إلى تنامي الاحتجاجات الشعبية، خاصة في الدول التي شهدت خلال السنوات الماضية ارتفاعا في أسعار الغذاء والإيجارات والخدمات.
كما تخشى الحكومات من استغلال الأحزاب الشعبوية لهذه الأزمة لتعزيز خطابها السياسي، خصوصا في الدول التي تستعد لإجراء انتخابات خلال العام المقبل.
هل تنجح الطاقة المتجددة في تعويض النقص؟
استثمر الاتحاد الأوروبي مليارات اليوروهات في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر، إلا أن خبراء يؤكدون أن هذه المصادر، رغم أهميتها، لا تزال بحاجة إلى منظومات تخزين وشبكات كهرباء أكثر تطورا لضمان استقرار الإمدادات.
ويشير عامر الشوبكي إلى أن الاعتماد الكامل على الطاقة المتجددة خلال الشتاء لا يزال محفوفا بالمخاطر، لأن انخفاض سرعة الرياح أو تراجع الإشعاع الشمسي قد يؤدي إلى زيادة الاعتماد على الغاز في توليد الكهرباء.
الأسواق العالمية تترقب
يتابع المستثمرون وشركات الطاقة تطورات الشرق الأوسط بحذر شديد، إذ إن أي تصعيد جديد قد يدفع أسعار الغاز والنفط إلى مستويات أعلى، بينما قد يؤدي تحسن الأوضاع الأمنية إلى استقرار الأسواق تدريجيا.
كما تنتظر الأسواق دخول مشروعات جديدة لتصدير الغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة وقطر وكندا، والتي يتوقع أن تخفف الضغوط على السوق العالمية ابتداء من عام 2027.
يرى الخبراء أن السيناريو الأول يتمثل في استقرار الأوضاع الأمنية في الخليج، واستمرار تدفق شحنات الغاز بصورة طبيعية، وهو ما يسمح لأوروبا باستكمال بناء مخزوناتها ويحد من ارتفاع الأسعار.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في استمرار الاضطرابات أو اتساعها، الأمر الذي سيؤدي إلى منافسة أشد على الإمدادات، وارتفاع الأسعار، وربما اضطرار بعض الدول إلى اتخاذ إجراءات لترشيد الاستهلاك.
في حين يبقى السيناريو الأكثر تشاؤما هو حدوث اضطرابات كبيرة في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز بالتزامن مع موجة برد قاسية، وهو ما قد يفرض ضغوطا غير مسبوقة على أمن الطاقة الأوروبي، ويؤثر في النمو الاقتصادي العالمي.
مستقبل أمن الطاقة الأوروبي
يتفق معظم الخبراء على أن أزمة 2026 ستكون محطة مفصلية في رسم سياسات الطاقة الأوروبية خلال العقد المقبل.
ويرى فاتح بيرول أن أمن الطاقة لم يعد قضية اقتصادية فقط، بل أصبح جزءا من الأمن القومي للدول، وهو ما سيدفع أوروبا إلى تسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة، وتوسيع قدرات تخزين الغاز، وإبرام عقود طويلة الأجل مع موردين جدد.
أما سيمون تاغليابيترا فيؤكد أن أوروبا مطالبة ببناء مزيج متوازن من مصادر الطاقة، بحيث لا تعتمد بصورة مفرطة على أي مورد أو منطقة جغرافية واحدة.
وفي المقابل، يحذر عامر الشوبكي من أن استمرار التوترات في الخليج وتأخر دخول مشاريع الغاز الجديدة سيبقي الأسواق العالمية في حالة هشاشة حتى عام 2027، مع بقاء الأسعار عرضة للتقلبات الحادة.
وفي المحصلة، يبدو أن أوروبا مقبلة على شتاء يحمل اختبارات صعبة تتجاوز مجرد توفير الوقود، ليصبح امتحانا لقدرة القارة على إدارة الأزمات، وحماية اقتصاداتها، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، وسط عالم يشهد تغيرات متسارعة في خرائط الطاقة والتحالفات الجيوسياسية.
